١٨٧٣ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنا سُفْيانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْراهِيمَ، عَنْ عابِسِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ جاءَ إِلَى الحَجَرِ فَقَبَّلَهُ فَقَالَ إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لا تَنْفَعُ وَلا تَضُرُّ وَلَوْلا أَنّي رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يُقَبِّلُكَ ما قَبَّلْتُكَ (١).
* * *
باب تقبيل الحجر
بفتح الحاء والجيم.
[١٨٧٣] (سفيان) الثوري (عن الأعمش، عن إبراهيم) بن يزيد النخعي (عن عابس) بالباء الموحدة (بن ربيعة) النخعي.
(عن عمر - ﵁ -: أنه جاء إلى الحجر) الأسود (فقبله) فيه دليل على أن تقبيل الحجر سنة، ويستحب كما قال في "شرح المهذب" أن يخفف القبلة بحيث لا يظهر لها صوت، فإن ظهر للقبلة صوتًا كره، ولا يستحب للنساء تقبيل إلا عند خلو (٢) المطاف، ويستحب أن يضع جبهته عليه؛ لما رواه البيهقي عن ابن عباس قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يسجد على الحجر (٣).
قال في "شرح المهذب": ويكرره (٤) ثلاثًا؛ لأن ابن عباس صح عنه أنه كرر القبلة والسجود ثلاثًا، فإن عجز عن التقبيل للحجر استلمه بيده أو بعصا ثم قبل ما استلم به، فإن عجز أشار بيده لا بالفم إلى التقبيل، أو
_________________
(١) رواه البخاري (١٥٩٧، ١٦٠٥، ١٦١٠)، ومسلم (١٢٧٠).
(٢) في (ر): خلوة.
(٣) في (ر): يكره.
(٤) "السنن الكبرى" ٥/ ٧٥.
[ ٨ / ٤٩٣ ]
أشار بشيء في يده ثم قبل ما أشار به (١).
(فقال: إني أعلم (٢) أنك حجر لا تنفع ولا تضر) [رواية مسلم] (٣): أما والله إني لأعلم (٤) أنك لا تضر ولا تنفع (٥) أي: إلا بإذن الله، وروى الحاكم من حديث [ابن مسعود] (٦) أن عمر قال هذا، فقال له علي بن أبي طالب: إنه يضر وينفع، وذكر أن الله لما أخذ المواثيق على ولد آدم كتب ذلك في رق وألقمه الحجر، قال: وقد سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "يؤتى يوم القيامة بالحجر الأسود وله لسان ذلق يشهد لمن يستلمه بالتوحيد" (٧)، وذلق بالذال المعجمة، أي: فصيح.
(ولولا أني رأيت رسول الله - ﷺ - يقبلك ما قبلتك) قال الطبري: إنما قال ذلك عمر؛ لأن الناس كانوا حديث عهد بعبادة الأصنام فخشي عمر أن استلام الحجر من باب تعظيم بعض الأحجار كما كانت العرب تفعل في الجاهلية، وكثير من الجهلة تفعله الآن (٨) في بعض أحجار الأماكن المباركة، فأراد عمر أن يعلم الناس أن استلامه اتباع لفعل رسول الله - ﷺ -، لا لأن الحجر ينفع ويضر بذاته كما كانت الجاهلية تعتقده في الأوثان (٩).
_________________
(١) "المجموع" ٨/ ٣٣.
(٢) في (م): لأعلم.
(٣) سقط من (م).
(٤) في (ر): لا أعلم.
(٥) "صحيح مسلم" (١٢٧٠/ ٢٥٠).
(٦) في (م): أبي سعيد.
(٧) "المستدرك" ١/ ٤٥٦.
(٨) في (م): إلا أن.
(٩) "فتح الباري" ٣/ ٥٤١، و"شرح صحيح البخاري" لابن بطال ٤/ ٢٧٨.
[ ٨ / ٤٩٤ ]
قال المهلب (١): حديث عمر هذا يرد على من قال إن الحجر الأسود (٢) يمين الله في الأرض يصافح بها عباده، ومعاذ الله أن يكون لله جارحة (٣) وفي قول عمر هذا تسليم للشارع في أمر الدين وحسن الاتباع فيما لم يكشف عن معانيها، وهو قاعدة عظيمة في اتباع النبي فيما يفعله وإن لم يعلم الحكمة فيه، وفيه بيان السنن بالقول والفعل.
وقد اعترض بعض الملحدين على الحديث الماضي وقالوا: كيف تسوده خطايا المشركين ولم تبيضه طاعات أهل الطاعات (٤)؟
وأجيب بما قال ابن قتيبة: لو شاء الله لكان ذلك (٥)، ولكن أجرى الله العادة بأن السواد يَصبغ ولا يُصبغ على العكس من البياض، قال المحب الطبري: في بقائه (٦) أسود عبرة لمن له بصيرة، فإن الخطايا إذا أثرت في الحجر الصلد فتأثيرها في القلب أشد، قال: وروي عن ابن عباس: إنما غيره السواد لئلا ينظر أهل (٧) الدنيا إلى زينة الجنة، فإن ثبت هذا فهو الجواب، ولكن رواه الحميدي (٨) في فضائل مكة بإسناد ضعيف (٩).
_________________
(١) في (م): المهلبي.
(٢) سقط من (م).
(٣) انظر: "فتح الباري" ٣/ ٥٤١، ولفظ الجارحة من الألفاظ التي لم يستخدمها السلف.
(٤) في (م): التوحيد.
(٥) من (م).
(٦) في (ر): بيانه.
(٧) سقط في (م).
(٨) في (م): الجندى.
(٩) "فتح الباري" ٣/ ٥٤١.
[ ٨ / ٤٩٥ ]