١٧٣٣ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا عَبْدُ الواحِدِ بْنُ زِيادٍ، حَدَّثَنا العَلاءُ بْنُ المُسيَّبِ، حَدَّثَنا أَبُو أُمامَةَ التَّيْمي قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا أُكْرى في هذا الوَجْهِ، وَكَانَ ناسٌ يَقُولُونَ لي: إِنَّهُ لَيْسَ لَكَ حَجٌّ. فَلَقِيتُ ابن عُمَرَ فَقُلْتُ: يا أَبا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنّي رَجُلٌ أُكْرى في هذا الوَجْهِ، وَإِنَّ ناسًا يَقولُونَ لي: إِنَّهُ لَيْسَ لَكَ حَجٌّ. فَقَالَ ابن عُمَرَ: أَلَيْسَ تُحْرِمُ وَتُلَبّي وَتَطُوفُ بِالبَيْتِ وَتُفِيضُ مِنْ عَرَفاتٍ وَتَرْمي الجِمارَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: فَإِنَّ لَكَ حَجًّا جاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبي - ﷺ - فَسَأَلَهُ عَنْ مِثْلِ ما سَأَلْتَني عَنْهُ فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَلَمْ يُجِبْهُ حَتَّى نَزَلَتْ هذِه الآيَةُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (١) فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَقَرَأَ عَلَيْهِ هذِه الآيَةَ وقَالَ: "لَكَ حَجٌّ" (٢).
١٧٣٤ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ، حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنا ابن أَبي ذِئْبٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبي رَباحٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ أَنَّ النّاسَ في أَوَّلِ الحَجِّ كَانُوا يَتَبايَعُونَ بِمِنًى وَعَرَفَةَ وَسُوقِ ذي المَجازِ وَمَواسِمِ الحَجِّ فَخافُوا البَيْعَ وَهُمْ حُرُمٌ فَأَنْزَلَ اللهُ سُبْحانَهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في مَواسِمِ الحَجِّ. قَالَ: فَحَدَّثَني عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤها في المُصْحَفِ (٣).
١٧٣٥ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ صالِحِ، حَدَّثَنا ابن أَبي فُدَيْكٍ أَخْبَرَني ابن أَبي ذِئْبٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ - قَالَ أَحْمَدُ بْنُ صالِحِ كَلامًا مَعْناهُ أَنَّهُ مَوْلَى ابن عَبَّاسٍ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النّاسَ في أَوَّلِ ما كَانَ الحَجُّ كَانُوا يَبِيعُونَ فَذَكَرَ مَعْناهُ إِلَى قَوْلِهِ: مَواسِمِ
_________________
(١) البقرة: ١٩٨.
(٢) رواه أحمد ٢/ ١٥٥، والطيالسي (٢٠٢١)، وابن خزيمة (٣٠٥١). وصححه الألباني في "صحيح أبي داود" (١٥٢٣).
(٣) رواه البخاري (١٧٧٠).
[ ٨ / ٢١١ ]
الحَجِّ (١).
باب الكرى
أي: للحج.
[١٧٣٣] ([حدثنا مسدد، حدثنا عبد الواحد بن زياد، وحدثنا] (٢) العلاء) بفتح العين والمد (ابن المسيب، ثنا أبو أسامة (٣) التيمي) التابعي، لم يذكره مسلم في كتاب الكنى (قال: كنت رجلًا أكرى) بضم الهمزة (في هذا الوجه) أي وجه مكة لتحصيل الأجرة (وكان ناس يقولون لي: إنه ليس لك حج) لاشتغاله بخدمة الدواب وعلفهم وسقيهم (فلقيت) عبد الله (بن عمر فقلت: يا أبا عبد الرحمن) فيه نداء الكبير بكنيته (إني رجل أكرى) بضم الهمزة (في هذا الوجه) للحج (وإن أُناسًا) بضم الهمزة (يقولون لي: إنه ليس) أي: لا يصح (لك حج) لأنك إنما تذهب لتحصل الأجرة لا لله تعالى (فقال ابن عمر: ألست تحرم) أي تنوي الإحرام وتفعل أفعاله الواجبة (وتلبي) بعد الإحرام (وتطوف بالبيت) الحرام سبعة أشواط (وتفيض) بضم أوله بعد الوقوف (من عرفات) [زاد أحمد في روايته: وتحلقون (٤) رؤوسكم] (٥) (وترمي) حصى (الجمار) بمنًى، قد يستدل بذكر الخصال دون غيرها
_________________
(١) انظر ما قبله.
(٢) من مطبوع "السنن".
(٣) في (م): أمامة.
(٤) "المسند" ٢/ ١٥٥ (٦٤٣٤).
(٥) ليست في (م). وانظر: "البحر المحيط" ٢/ ٢٩٣.
[ ٨ / ٢١٢ ]
على وجوبها، وفي بعضها خلاف (فقلت (١): بلى) يا أبا عبد الرحمن (قال: فقال: فإن لك حجًّا) أي تامًّا صحيحًا، وقد انعقد الإجماع على جواز الاكتساب بالكراء والاتجار إذا أتى بالحج (٢) على وجهه إلا ما نقل شاذًّا عن سعيد بن جبير أنه سأله أعرابي: إني أكري إبلي وأنا أريد الحج أفيجزئني؟ قال: لا، ولا كرامة (٣). وهذا مخالف لظاهر الكتاب والسنة، فلا [يعول عليه] (٤).
ثم قال ابن عمر مستدلًا على ما أفتى به: (جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فسأله عن مثل ما سألتني عليه (٥) فسكت عنه رسول الله - ﷺ -) إلى أن نزل (٦) عليه الوحي، فيه دليل على جواز سكوت العالم والمفتي وتأخير المستفتي إذا سأل عما لا يستحضر الجواب عنه إلى أن يطالع عليه ويتذاكر فيه (فلم يجبه) عن سؤاله (حتى نزلت عليه هذِه الآية) وهي قوله تعالى: (﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾) ورواه أحمد، وفي روايته قال: فجاء رجل إلى النبي - ﷺ - فسأله عن الذي سألتني فلم يجبه حتى نزل عليه جبريل بهذِه الآية ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فدعاه النبي - ﷺ - فقال: "أنتم حجاج".
_________________
(١) في (م): قال قلت.
(٢) من (م).
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٨٦٤ (١٥٣٧٧).
(٤) في (ر): يقول عملته.
(٥) في (م): عنه.
(٦) في (م): ينزل.
[ ٨ / ٢١٣ ]
وقال ابن جرير: حدثني أحمد بن إسحاق قال: ثنا أبو أحمد، ثنا مندل، عن عبد الرحمن بن المهاجر، عن أبي صالح مولى عمر قال: قلت: يا أمير المؤمنين كنتم تتجرون في الحج؟ قال: وهل كانت معايشهم إلا في الحج؟ (١) (فأرسل إليه رسول الله - ﷺ - وقرأ عليه هذِه الآية) فيه جواز ذكر الدليل قبل المدلول المحكوم به للتبرك بذكر الآية ولغير ذلك من الفوائد (وقال: لك حج) وفيه دليل على أن نية العبادة إذا شاركها معها مقصود دنيوي لا يقدح في صحة العبادة، وأما القبول ففيه تفصيل، وتمام الإخلاص في الحج تخليص النية من شوب (٢) دنيوي بحيث لا يكون له باعث إلا التقرب إلى الله تعالى.
[١٧٣٤] ([حدثنا محمد بن بشار، حدثنا حماد بن مسعدة، حدثنا]) (٣) محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة (ابن أبي ذئب) العامري.
(عن عبد الله بن عباس: أن الناس في أول) ما فرض (الحج كانوا) على ما كانوا عليه في الجاهلية (٤) (يتبايعون) فيما بينهم (بمنًى) وكانت منًى (وعرفة) مكان تجارتهم (وسوق ذي المجاز) بفتح الميم وتخفيف الجيم وفي آخره زاي (ومواسم الحج) جمع موسم بفتح الميم وسكون الواو وكسر السين المهملة.
قال الأزهري: سمي بذلك لأنه معلم يجتمع إليه الناس، مشتق من
_________________
(١) "تفسير الطبري" ٤/ ١٦٩.
(٢) في (م): سوق.
(٣) من مطبوع "السنن".
(٤) في (م): الحج.
[ ٨ / ٢١٤ ]
السمة وهي العلامة يحج (١) المكان الذي يجتمع الناس إليه (٢).
(فخافوا) من (البيع) والشرى (وهم حرم) أي محرمون، وخشوا من الوقوع في الإثم للانشغال في أيام المناسك (٣) بغير العبادة (فأنزل الله سبحانه ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ في (﴿أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا﴾) أي: ربحًا في المتجر (﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وفي مواسم الحج) قال الكرماني: هو كلام الراوي ذكره مفسرًا (٤) انتهى.
فأما ذو المجاز فذكر الفاكهي من طريق ابن إسحاق أنها كانت بناحية عرفة إلى جانبها، وحكى الأزرقي أنها كانت على فرسخ من عرفة (٥).
وأما منًى وعرفة فروى الطبراني عن مجاهد أنهم كانوا لا يبيعون ولا يتبايعون بعرفة (٦).
(قال: فحدثني عبيد بن عمير) مولى ابن عباس الراوي عنه (أنه) يعني: ابن عباس (كان يقرؤها في المصحف في مواسم الحج) (٧) وروى الطبراني بإسناد صحيح (٨) عن عكرمة أنه كان يقرؤها كذلك فهي على هذا من القراءة الشاذة، وحكمها عند الأئمة حكم التفسير
_________________
(١) بعدها في (ر): يحج.
(٢) نقله الأزهري عن الليث ويعقوب في كتابه "تهذيب اللغة" (وسم).
(٣) في (م): النسك.
(٤) "شرح الكرماني" ٨/ ٢١٧.
(٥) "أخبار مكة" للأزرقي ١/ ١٧٩.
(٦) في (م): بمنى وعرفة. والأثر في "مصنف ابن أبي شيبة" ٣/ ١٩٣ (١٣٣٦٧).
(٧) زاد في (م): كما تقدم، واستدل بهذا الحديث.
(٨) زاد في (م): عن أيوب.
[ ٨ / ٢١٥ ]
للآية.
[١٧٣٥] ([حدثنا أحمد بن صالح] ثنا) محمد بن إسماعيل (ابن أبي فديك، أخبرني) محمد بن عبد الرحمن (ابن أبي ذئب، عن عبيد بن عمير) الراوي المذكور.
(قال أحمد بن صالح) شيخ أبي داود (كلامًا معناه أنه مولى ابن عباس، عن عبد الله بن عباس: أن الناس في أول ما كان الحج) مفروضًا عليهم (كانوا يبيعون فذكر معناه إلى قوله مواسم الحج) كما تقدم.
واستدل بهذا الحديث على جواز البيع والشرى للمعتكف قياسًا على الحاج والجامع بينهما العبادة، وهو قول الجمهور، وعن مالك كراهة ما زاد على الحاجة كالحر إذا لم يجد من (١) يكفيه (٢)؛ ولذا كرهه مجاهد وعطاء والزهري فلا ريب أنه خلاف الأولى.
_________________
(١) في (م): ما.
(٢) انظر "المدونة" ١/ ٢٩٣.
[ ٨ / ٢١٦ ]