١٩٨٦ - حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أَبي شَيْبَةَ، حَدَّثَنا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ وَيَحْيَى بْنُ زَكَرِيّا، عَن ابن جُرَيْجٍ، عَن عِكْرِمَةَ بْنِ خالِدٍ، عَنِ ابن عُمَرَ قَالَ: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ (١).
١٩٨٧ - حَدَّثَنا هَنّادُ بْنُ السَّري عَنِ ابن أَبي زائِدَةَ، حَدَّثَنا ابن جُرَيْجٍ وَمُحَمَّدُ بْن إِسْحاقَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ طاوُسٍ، عَن أَبِيهِ، عَنِ ابن عَبّاسٍ قَالَ والله ما أعْمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَائِشَةَ في ذي الحِجَّةِ إلَّا لِيَقْطَعَ بِذَلِكَ أَمْرَ أَهْلِ الشِّرْكِ فَإِنَّ هذا الحَي مِنْ قُرَيْشٍ وَمَنْ دانَ دِينَهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ إِذَا عَفا الوَبَرْ وَبَرَأَ الدَّبَرْ وَدَخَلَ صَفَرْ فَقَدْ حَلَّتِ العُمْرَةُ لِمَنِ اعْتَمَرْ. فَكَانُوا يُحَرِّمُونَ العُمْرَةَ حَتَّى يَنْسَلِخَ ذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ (٢).
١٩٨٨ - حَدَّثَنا أَبُو كامِلٍ، حَدَّثَنا أَبُو عَوانَةَ، عَنْ إِبْراهِيمَ بْنِ مُهاجِرٍ، عَنْ أَبي بَكْرٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَني رَسُولُ مَرْوانَ الذي أَرْسَلَ إِلَى أُمِّ مَعْقِلٍ قَالَتْ: كَانَ أَبُو مَعْقِلٍ حاجّا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَلَمّا قَدِمَ قَالَتْ أُمُّ مَعْقِلٍ: قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ عَلي حَجَّةً فانْطَلَقا يَمْشِيانِ حَتَّى دَخَلا عَلَيْهِ فَقَالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ إِنَّ عَلي حَجَّةً وَإِنَّ لأَبِي مَعْقِلٍ بَكْرًا. قَالَ أَبُو مَعْقِلٍ: صَدَقَتْ جَعَلْتُهُ في سَبِيلِ اللهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أَعْطِها فَلْتَحُجَّ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ في سَبِيلِ اللهِ". فَأَعْطاها البَكْرَ فَقَالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ إِنّي امْرَأَةٌ قَدْ كَبِرْتُ وَسَقِمْتُ فَهَلْ مِنْ عَمَلٍ يُجْزِئُ عَنّي مِنْ حَجَّتي قَالَ: "عُمْرَةٌ في رَمَضانَ تُجْزِئُ حَجَّةً" (٣).
١٩٨٩ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الطّائيُّ، حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ خالِدٍ الوَهْبيُّ، حَدَّثَنا
_________________
(١) رواه البخاري (١٧٧٤).
(٢) رواه البخاري (١٥٦٤، ٣٨٣٢)، ومسلم (١٢٤٠).
(٣) رواه أحمد ٦/ ٣٧٥. وانظر ما بعده. وصححه الألباني في "صحيح أبي داود" (١٧٣٥)، قال: حديث صحيح، دون قول المرأة: إني امرأة. . . من حجتي.
[ ٩ / ١١٨ ]
مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحاقَ، عَنْ عِيسَى بْنِ مَعْقِلِ ابن أُمِّ مَعْقِلٍ الأَسَدي - أَسَدُ خُزَيْمَةَ - حَدَّثَني يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ، عَن جَدَّتِهِ أُمِّ مَعْقِلٍ قَالَتْ: لَمّا حَجَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَجَّةَ الوَداعِ وَكَانَ لَنا جَمَلٌ فَجَعَلَهُ أَبُو مَعْقِلٍ في سَبِيلِ اللهِ وَأَصابَنا مَرَضٌ وَهَلَكَ أَبُو مَعْقِلٍ وَخَرَجَ النَّبي - ﷺ - فَلَمّا فَرَغَ مِنْ حَجِّهِ جِئْتُهُ فَقَالَ: "يا أُمَّ مَعْقِلٍ ما مَنَعَكِ أَنْ تَخْرُجي مَعَنا". قَالَتْ: لَقَدْ تَهَيَّأْنا فَهَلَكَ أَبُو مَعْقِلٍ وَكَانَ لَنا جَمَلٌ هُوَ الذي نَحُجُّ عَلَيْهِ فَأَوْصَى بِهِ أَبُو مَعْقِلٍ في سَبِيلِ اللهِ. قَالَ: "فَهَلَّا خَرَجْتِ عَلَيْهِ فَإِنَّ الحَجَّ في سَبِيلِ اللهِ فَأَمّا إِذْ فاتَتْكِ هذِه الحَجَّةُ مَعَنا فاعْتَمِري في رَمَضانَ فَإِنَّها كَحَجَّةٍ". فَكَانَتْ تَقُولُ الحَجُّ حَجَّةً والعُمْرَةُ عُمْرَةٌ وَقَدْ قَالَ هذا لي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ما أَدْري أَلي خاصَّةً (١).
١٩٩٠ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا عَبْدُ الوارِثِ عَنْ عامِرٍ الأَحْوَلِ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنِ ابن عَبّاسٍ قَالَ: أَرادَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الحَجَّ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ لِزَوْجِها: أَحِجَّني مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَلَى جَمَلِكَ. فَقَالَ: ما عِنْدي ما أُحِجُّكِ عَلَيْهِ. قَالَتْ: أَحِجَّني عَلَى جَمَلِكَ فُلانٍ. قَالَ: ذاكَ حَبِيسٌ في سَبِيلِ اللهِ - ﷿ -. فَأَتَى رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتي تَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلامَ وَرَحْمَةَ اللهِ وَإِنَّها سَأَلَتْني الحَجَّ مَعَكَ، قَالَتْ: أَحِجَّني مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. فَقُلْتُ: ما عِنْدي ما أُحِجُّكِ عَلَيْهِ. فَقَالَتْ: أَحِجَّني عَلَى جَمَلِكَ فُلانٍ. فَقُلْتُ: ذاكَ حَبِيسٌ في سَبِيلِ اللهِ. فَقَالَ: "أَما إِنَّكَ لَوْ أَحْجَجْتَها عَلَيْهِ كَانَ في سَبِيلِ اللهِ". قَالَ: وَإِنَّها أَمَرَتْني أَنْ أَسْأَلَكَ ما يَعْدِلُ حَجَّةً مَعَكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أَقْرِئْها السَّلامَ وَرَحْمَةَ اللهِ وَبَرَكاتِهِ وَأَخْبِرْها أَنَّها تَعْدِلُ حَجَّةً مَعَي". يَعْني عُمْرَةً في رَمَضانَ (٢).
١٩٩١ - حَدَّثَنا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمّادٍ، حَدَّثَنا دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ هِشامِ بْنِ
_________________
(١) رواه الترمذي (٩٣٩)، رواه ابن ماجه (٢٩٩٣)، وأحمد ٦/ ٣٧٥. قال الألباني: صحيح دون قوله: فكانت تقول.
(٢) رواه البخاري (١٧٨٢)، ومسلم (١٢٥٦).
[ ٩ / ١١٩ ]
عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - اعْتَمَرَ عُمْرَتَيْنِ عُمْرَةً في ذي القَعْدَةِ وَعُمْرَةً في شَوّالٍ (١).
١٩٩٢ - حَدَّثَنا النُّفَيْلَيُّ، حَدَّثَنا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنا أَبُو إِسْحاقَ، عَنْ مُجاهِدٍ قَالَ: سُئِلَ ابن عُمَرَ كَمِ اعْتَمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -؟ فَقَالَ: مَرَّتَيْنِ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَقَدْ عَلِمَ ابن عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَدِ اعْتَمَرَ ثَلاثًا سِوى التي قَرَنَها بِحَجَّةِ الوَداعِ (٢).
١٩٩٣ - حَدَّثَنا النُّفَيْلي وَقُتَيْبَةُ، قالا: حَدَّثَنا دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ العَطّارُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ، عَن عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبّاسٍ قَالَ: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَرْبَعَ عُمَرٍ عُمْرَةَ الحُدَيْبِيَةِ والثّانِيَةَ حِينَ تَواطَئُوا عَلَى عُمْرَةٍ مِنْ قابِلٍ والثّالِثَةَ مِنَ الجِعْرانَةِ والرّابِعَةَ التي قَرَنَ مَعَ حَجَّتِهِ (٣).
١٩٩٤ - حَدَّثَنا أَبُو الوَلِيدِ الطَّيالِسي وَهُدْبَة بْنُ خالِدٍ، قالا: حَدَّثَنا هَمّامٌ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ كُلُّهُنَّ في ذي القَعْدَةِ إِلَّا التي مَعَ حَجَّتِهِ - قَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَتْقَنْتُ مِنْ ها هُنا مِنْ هُدْبَةَ وَسَمِعْتُهُ مِنْ أَبي الوَلِيدِ وَلَمْ أَضْبِطْهُ - عُمْرَةً زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ أَوْ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ وَعُمْرَةَ القَضاءِ في ذي القَعْدَةِ وَعُمْرَةً مِنَ الجِعْرانَةِ حَيْثُ قَسَمَ غَنائِمَ حُنَيْنٍ في ذي القَعْدَةِ وَعُمْرَةً مَعَ حَجَّتِهِ (٤).
* * *
_________________
(١) قواه ابن حجر في "فتح الباري" ٣/ ٦٠٠ وقال الألباني: صحيح لكن قوله في شوال يعني ابتداء وإلا فهي كانت في ذي القعدة أيضًا.
(٢) رواه النسائي في "السنن الكبرى" ٤/ ٢٣٤، وعبد بن حميد (٨٠٩). وضعفه الألباني.
(٣) رواه الترمذي (٨١٦)، وابن ماجه (٣٠٠٣). وصححه الألباني.
(٤) رواه البخاري (١٧٧٩)، ومسلم (١٢٥٣).
[ ٩ / ١٢٠ ]
أبواب العمرة
[باب العمرة] (١)
[١٩٨٦] (ثنا عثمان بن) محمد بن إبراهيم (أبي شيبة) قال (ثنا مخلد بن يزيد) الحراني (ويحيى بن زكريا) بن أبي زائدة الوادعي [(عن ابن جريج، عن عكرمة بن خالد) بن العاص المخزومي القرشي.
(عن ابن عمر - ﵄ -] (٢) قال: اعتمر رسول الله - ﷺ - قبل أن يحج) ثلاث عمر، عمرته التي صده عنها المشركون عن البيت من ذي الحديبية في ذي القعدة كما سيأتي حيث ذكره المصنف، وعمرته أيضًا من العام المقبل حين صالحوه في ذي القعدة، وعمرته حين قسم غنائم حنين (٣) من الجعرانة في ذي القعدة، وبعد هذِه الثلاثة عمرته في الحجة التي حج فيها.
[١٩٨٧] (ثنا هناد بن السري، عن) يحيى [بن زكريا] (٤) (بن أبي زائدة) قال (ثنا ابن جريج ومحمد بن إسحاق) صاحب المغازي.
(عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه) طاوس بن كيسان اليماني من أبناء فارس (عن ابن عباس - ﵄ - قال: والله ما أعمر رسول الله - ﷺ - عائشة في ذي الحجة) مع أخيها (إلا ليقطع بذلك أمر أهل الشرك) أي: أهل الجاهلية في تحكماتهم التي ابتدعوها واعتقدوها، وتصرفهم في شرع الله بآرائهم
_________________
(١) و(٢) من (م).
(٢) في (م): خيبر.
(٣) من (م).
[ ٩ / ١٢١ ]
الفاسدة، وتغيير أحكام الله بأهوائهم الباردة.
(فإن هذا الحي من قريش) قيل: إن أول من ابتدع هذا في الجاهلية جنادة (١) بن عوف بن أمية الكناني، ويكنى أبا ثمامة، وكان يوافي الموسم في كل عام على حمار له فيقف عليه في الموسم فيقول: يا أيها الناس، إني لا أعاب ولا أجاب (٢)، ولا مرد [لما أقول، ويبتدع] (٣) لهم أشياء منها أنه كان يحرم المحرم ويحل صفر، ويأتي في عام آخر يحل المحرم ويحرم صفر.
(ومن دان دينهم) من سائر القبائل، أي: ومن أطاعهم في اعتقادهم (٤) والدين الطاعة، يقال: دان له، أي: أطاعه (كانوا يقولون: إذا عفا) أي: [انمحى واندرس] (٥)، ويقال: عفا، أي: كثر من قولهم: عفا القوم، أي: كثروا، والوبر وبر الإبل الذي حلقته حمال الجمال (٦).
(الوبر) بفتح الواو والباء، ورواية مسلم: "وعفا الأثر" (٧)، وفي الحديث: "لا توبروا آثاركم (٨) "، قال الرياشي: التوبير التعفية ومحو
_________________
(١) في (م): جبار.
(٢) في (ر): أخاف.
(٣) في (م): ثم يبتدع.
(٤) في (م): اعتادهم.
(٥) في (م): امحى ودرس.
(٦) في (م): الحج.
(٧) في (ر): الإبر. والمثبت من "صحيح مسلم" (١٢٤٠) (١٩٨).
(٨) في (ر): أباكم.
[ ٩ / ١٢٢ ]
الأثر (١).
(وبرأ الدبر) أي: أفاق، والدبر يعني به دبر ظهور الإبل عند انصرافها من الحج، [يعني: إذا امحى أثر طرق الحاج وبرئت ظهور الإبل عند انصرافها من الحج] (٢) (ودخل) شهر (صفر) رواية الصحيحين: "وانسلخ صفر" (٣). (فقد حلت العمرة لمن اعتمر) وهذِه الألفاظ تقرأ كلها ساكنة الآخر ويوقف عليها؛ لأن مرادهم السجع، وكانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض، فأراد النبي - ﷺ - أن يبطل ذلك فقال أولًا لهم في حجته "فمن أراد أن يجعلها عمرة فليفعل" تأنيسًا لهم، فلما رآهم يترددون لأنهم ما كانوا يرون العمرة جائزة في أشهر الحج ويقولون: إن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، فلما رأى أكثر الناس قد أحرم بالحج مجتنبًا للعمرة أمرهم بالتحلل بالعمرة (٤) عند قدومهم مكة شرفها الله تعالى، ولذلك أعمر عائشة في ذي الحجة ليقطع تحكماتهم وابتداعهم في أمر الدين (فكانوا يحرمون العمرة) في أشهر الحج (حتى ينسلخ ذو الحجة والمحرم) فأبطل النبي - ﷺ - ما كانوا يعتقدونه.
[١٩٨٨] (ثنا أبو كامل) فضيل بن الحسين الجحدري (٥) قال (ثنا أبو عوانة) الوضاح مولى زيد بن عطاء اليشكري
_________________
(١) "تهذيب اللغة" (وبر).
(٢) سقط من (م).
(٣) "صحيح البخاري" (١٥٦٤)، و"صحيح مسلم" (١٢٤٠) (١٩٨).
(٤) من (م).
(٥) في (م): الحجازي.
[ ٩ / ١٢٣ ]
(عن إبراهيم بن مهاجر) البجلي (١) الكوفي (عن أبي بكر بن عبد الرحمن) بن الحارث بن هشام المخزومي، يقال: اسمه بكر، قال: (أخبرني رسول مروان) بن الحكم الأموي (الذي (٢) أرسل) بضم الهمزة على البناء للمفعول، أي: أرسله مروان (إلى أم معقل) بفتح الميم وسكون العين وكسر القاف الأنصارية، زوجة أبي معقل الصحابية الأسدية أنها (قالت: جاء أبو معقل) زوجها، واسمه الهيثم الأسدي، شهد مع رسول الله - ﷺ - أحد وهو والد معقل راوي حديث النهي عن استقبال القبلة (٣) بغائط.
(حاجّا مع رسول الله - ﷺ -، فلما قدم من حجته قالت) له زوجته (أم معقل) [زينب الأسدية] (٤) (قد علمت أن علي) يعني: في ذمتي (حجة) لأنه المتبادر عرفًا.
(فانطلقا يمشيان) فيه أن المشي إلى أهل العلم للسؤال (٥) أولى من الركوب، وأن غير المخدرة (٦) تحضر إلى مجلس القضاء، وأما المخدرة (٧) فيرسل إليها الحاكم من يسمع كلامها (حتى دخلا عليه) أي: على النبي - ﷺ -، ولم (٨) يذكر الاستئذان والسلام، فلعلهما تركا لكونهما معلومين عند السامع.
(فقالت (٩): يا رسول الله إن علي حجة) يحتمل أن يكون سبب
_________________
(١) في (م): النخعي.
(٢) من (م)، و"سنن أبي داود".
(٣) في (م): القبلتين.
(٤) سقط من (م).
(٥) من (م).
(٦) في (م): المخدورة.
(٧) في (م): المخدورة.
(٨) سقط من (م).
(٩) في (م): فقلت.
[ ٩ / ١٢٤ ]
الوجوب [وجود الاستطاعة] (١) أو النذر أو غيرهما (وإن لأبي معقل بكرًا) بفتح الباء وإسكان الكاف هو الفتي من الإبل (قال أبو معقل: صدقت) لي بكر، ولكن (جعلته في سبيل الله) فيه أن جعلت من صيغ الوقف، فلو قال: جعلته وقفًا [في سبيل الله] (٢)، أو جعلته لله، أو في سبيل الله صار وقفًا، وظاهر الحديث أنه لا يشترط في الوقف القبول؛ لأنه وقف على جهة عامة فهو كالوقف على الفقراء والمسجد.
(فقال رسول الله - ﷺ -: أعطها) البكر (فلتحج) بضم الحاء (عليه) فيه وقوع الأمر للغائب (فإنه) أي: فإن (٣) الحج داخل (في سبيل الله) فيه أن من أراد الحج (٤) يعطى من سهم الغزاة؛ لأن الحج في (٥) سبيل الله، ولا يعطى عند الشافعي إلا من سهم ابن السبيل؛ لأنه مسافر (٦).
(فأعطاها البكر، فقالت: يا رسول الله إني قد كبرت) بكسر الباء، أي: كبرت في السن، (وسقمت) بكسر القاف، أي: مرضت، (فهل من عمل يجزئ) بفتح الياء (عني من حجتي) قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ﴾ (٧) وقرأ أبو السماك العدوي: [لا يجزئ] بضم الياء من أجزأ، أي: أغنى، ويقال: جزا وأجزأ بمعنى واحد.
(فقال: عمرة) مبتدأ، وهو نكرة لكنه وصف بقوله (في رمضان تجزئ)
_________________
(١) في (ر): الوجوب بالاستطاعة.
(٢) و(٣) من (م).
(٣) سقط من (م).
(٤) من (م).
(٥) "الأم" ٤/ ١٢٥. بمعناه.
(٦) البقرة: ٤٨.
[ ٩ / ١٢٥ ]
جملة في موضع الخبر (حجة) أي: تعدل حجة، وفي رواية لابن ماجه: "تعدل حجة" (١)، وفي رواية "تقضي حجة" (٢)، أي: تقوم مقامها في الثواب لا أنها تقوم عن حجة الإسلام ولا عن غيرها؛ فإنه لو كان على الإنسان حجة فاعتمر في رمضان لم تجزئه عن الحجة بالاتفاق، لكن لما صحت نيتها (٣) في الحج وجعلت البكر له ورأت أنها عاجزة عن الحج لما حصل لها من الكبر والضعف جعل ثواب ذلك في العمرة في رمضان، خير لها ومجازاة لاحتراصها على الخير ورغبتها فيه، ومجازاة بنيتها.
قال المنذري: ورواه البزار والطبراني في "الكبير" في حديث طويل بإسناد جيد عن أبي طليق أنه قال للنبي - ﷺ -: فما يعدل الحج معك؟ قال: "العمرة في رمضان" (٤)، قال: وأبو طليق هو أبو معقل، وكذا زوجته أم معقل تكنى أم طليق أيضًا، ذكره ابن عبد البر (٥).
وقال الترمذي: قال إسحاق: معنى هذا الحديث مثل ما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: "من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فقد قرأ ثلث القرآن" (٦). يعني: لكن يفرق بينهما بأن من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فقد قرأ ثلث القرآن بلا مضاعفة ثواب، ومن قرأ ثلث القرآن كان ثوابه
_________________
(١) "سنن ابن ماجه" (٢٩٩٣).
(٢) "صحيح البخاري" (١٨٦٣).
(٣) في (ر): بعينها.
(٤) "المعجم الكبير" ٢٢/ ٣٢٤ (٨١٦)، و"كشف الأستار" (١١٥١).
(٥) "الاستيعاب" (٤٢١٦).
(٦) "جامع الترمذي" (٩٣٩).
[ ٩ / ١٢٦ ]
مضاعفًا، وهكذا هذا الحديث.
[١٩٨٩] (حدثنا محمد بن عوف) (١) بن سفيان أبو جعفر (الطائي) قال: (ثنا أحمد بن خالد) بن موسى (الوهبي) بإسكان الهاء الكندي صدوق، مات سنة أربعة عشر (٢)، قال (ثنا محمد بن إسحاق، عن عيسى بن معقل بن (٣) أم معقل) الأسدية (الأسدي) بفتح السين وهو أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس، واحترز به من أسد بن ربيعة بن نزار، وهو بفتح السين أيضًا، وأما أسد بإسكان السين فهو لغة في الأزد، قال (حدثني يوسف بن [عبد الله بن سلام]) (٤) بتخفيف اللام، وهو الذي أجلسه النبي - ﷺ - في حجره وسماه.
(عن جدته أم معقل) وتسمى أم الهيثم الأسدية (قالت: لما حج رسول الله - ﷺ - حجة الوداع وكان لنا جمل فجعله أبو معقل في سبيل الله، وأصابنا مرض فهلك) بفتح اللام (أبو معقل) أي: من ذلك المرض (وخرج النبي - ﷺ -) أي: إلى الحج (فلما فرغ من حجه) أي: رجع منه (٥) (جئته) لأسلم عليه (فقال: يا أم معقل ما منعك أن تخرجي (٦) معنا) وهكذا قال لأم سنان الأنصارية لما رجع من حجته، وكان هذا السؤال منه لينبه على المانع من حجها؛ إذ كان أذن في
_________________
(١) في (م): عون.
(٢) يعني بعد المائتين. انظر: "تقريب التهذيب" ص ٣٠.
(٣) في (ر): عن.
(٤) في (م): عبد السلام.
(٥) سقط من (م).
(٦) في (ر): تجيء.
[ ٩ / ١٢٧ ]
الناس بالحج أذانًا يعم الرجال والنساء.
(قالت: لقد تهيأنا) للحج (فهلك أبو معقل) ظاهر هذا يدل على رد قول من قال: إن أبا معقل كان مع النبي - ﷺ - في حجة الوداع، ومات معه (وكان لنا جمل هو الذي نحج عليه، فأوصى به أبو معقل في سبيل الله) أي: بأن ينتفع به في الغزو، وفيه صحة الوصية بالحيوان، وتكون وصية بمنافعه، فلو صرح بالوصية بالمنافع لم يصح، وهذِه الوصية محمولة على أن النبي - ﷺ - علم أنه يخرج من ثلث ماله الذي يتصرف فيه المريض.
(قال: فهلا خرجت عليه؟ فإن الحج في سبيل الله) أحتج به أحمد في إحدى الروايتين عنه، وهو مذهب ابن عباس وابن عمر وإسحاق، على أن الحاج يعطى منها، أي: من الزكاة وإن كان غنيّا، وعن أحمد رواية أخرى: لا يتصرف منها في الحج. وبه قال مالك وأبو حنيفة والثوري والشافعي (١) وأبو ثور وابن المنذر، وهذا أصح عند أحمد؛ لأن سبيل الله عند الإطلاق إنما ينصرف إلى الجهاد، فإن (٢) كل ما في القرآن من ذكر سبيل الله إنما أريد به الجهاد إلا اليسير، فيجب أن يحمل ما في الآية على الكثير؛ لأن الظاهر إرادته به، ولأن الزكاة إنما تدفع للمحتاج إليها أو من يحتاج إليه (٣) المسلمون كالعامل، وإذا قلنا
_________________
(١) "الاستذكار" ٩/ ٢٢٢، و"فتح القدير" ٤/ ١٧٥، و"الأم" ٤/ ١٢٥.
(٢) في (ر): وقال.
(٣) من (م).
[ ٩ / ١٢٨ ]
[يجوز دفع] (١) الزكاة في الحج فلا تدفع إلا بشرطين أحدهما: أن يكون ممن ليس له ما يحج به سواها، والثاني: أن يأخذه لحجة الفرض؛ لأنه يحتاج إلى إسقاط فرضه وإبراء ذمته، وأما المتطوع فله مندوحة عنه (٢). وأما هذا (٣) الحديث فلا يمتنع أن يكون الحج في سبيل الله، والمراد بالآية غير سبيل الحج؛ لما ذكرناه.
(فأما إذ فاتتك هذِه الحجة) التي (معنا فاعتمري في رمضان فإنها كحجة) وفي رواية مسلم: "تقضي (٤) حجة - أو حجة معي" (٥) على الشك، ورواه الحاكم بزيادة "معي" (٦) من غير شك، ولما حج النبي - ﷺ - بأزواجه وأخبرته بعذرها بأنها لم تكن لها (٧) راحلة، فلما تحقق عذرها وأنها متحسرة على ما فاتها من الحج معه حضها على العمرة في رمضان وأخبرها أنها تعدل لها حجة معه.
(فكانت) [أم معقل] (٨) (تقول: الحج حج [والعمرة عمرة]) (٩) أي أجره معلوم وثوابه مشهور أنه أفضل من العمرة (والعمرة عمرة) أي لها أجر وثواب دون الحج، ولهذا فضلت العمرة في رمضان لشدة
_________________
(١) في (ر): بجواز.
(٢) "المغني" ٩/ ٣٢٨ - ٣٢٩.
(٣) من (م).
(٤) في (م): تقتضي.
(٥) "صحيح مسلم" (١٢٥٦) (٢٢٢).
(٦) "المستدرك" ٥/ ٢٣٠.
(٧) من (م).
(٨) من (م).
(٩) سقط من (م).
[ ٩ / ١٢٩ ]
المشقة اللاحقة من عمل العمرة في الصوم (وقد قال هذا لي رسول الله - ﷺ - ما أدري أ) هذا الثواب العظيم (لي خاصة) بي دون غيري من النساء والرجال، أم لي ولهم، وهذا ليس خاص بها كما قال القرطبي وغيره، بل كل من يساويها في تلك الحال والنية من النساء والرجال، واعتمر في رمضان كان له مثل ذلك الثواب (١).
[١٩٩٠] (ثنا مسدد) قال (ثنا عبد الوارث) [بن سعيد] (٢) بن ذكوان التيمي (٣) (عن عامر) بن عبد الواحد (الأحول) وفيه ذكر الإنسان بلقبه المعروف به إذا لم يرد به التنقيص كالأعرج، والأصم، وذلك جائز بنية التعريف، وهذا أحد المواضع الستة المستثناة من الغيبة، فإن ذكر هذا اللقب على جهة التنقيص ولو أمكن التعريف بغيره كان أولى.
(عن بكر بن عبد الله) بن عمرو المزني البصري، تابعي، أدرك (٤) ثلاثين من فرسان (٥) مزينة منهم عبد الله بن مغفل ومعقل بن يسار، وكان عابدًا من خيار الناس (٦).
(عن ابن عباس ﵄ قال: أراد رسول الله - ﷺ - الحج) أي: حجة الوداع (فقالت امرأة لزوجها) لعل المرأة هي أم معقل (٧)، فإن أكثر
_________________
(١) "المفهم" ٣/ ٣٦٩.
(٢) في الأصول الخطية: شعيب. والمثبت من "تهذيب الكمال" ١٨/ ٤٧٨.
(٣) زاد في (م): بن شعيب بن العتكي المروزي. وهي زيادة مقحمة.
(٤) زاد في (ر): خمس و. وهي زيادة مقحمة.
(٥) في (م): قريتان.
(٦) "تهذيب الكمال" ٤/ ٢١٨.
(٧) في (م): عقيل.
[ ٩ / ١٣٠ ]
الطرق المصرحة باسمها هي أم معقل، وسمى المرأة البخاري أم سنان، وفي رواية ابن حبان في "صحيحه" والطبراني: جاءت أم سليم فقالت: حج أبو طلحة وابنه وتركاني. فقال: "يا أم سليم عمرة في رمضان تعدل حجة" (١) وإذا صحت الروايات حمل على تعدد القصة.
(أحجني) بكسر الحاء وفتح الجيم المشددة على الأكثر لخفة الفتحة؛ لئلا يجتمع ساكنان، ويجوز كسر الجيم لإتباع الحاء قبلها، ولأن الأصل في التقاء الساكنين الكسر (مع رسول الله - ﷺ - على جملك) وفي رواية في "الصحيح" أنها جعلت عليها حجة معك.
قال القرطبي: معناه أنها همت بذلك وعزمت عليه، لا أنها أوجبت ذلك عليها بالنذر؛ إذ لو كان ذلك لما أجزأها عن العمرة (٢).
(فقال: ما عندي ما أحجك) بضم الهمزة وكسر الحاء وبرفع الجيم (عليه) الظاهر أنه أراد: ما لي ما أحجك عليه؛ لأن سياق الكلام يدل على أن الجمل كان عنده ولكنه كان قد وقفه وحبسه فصار ملكًا لله؛ فإن الأصح أن الوقف ملك لله.
(فقالت: أحجني) بكسر الجيم كما تقدم، ويجوز إظهار التضعيف على لغة نجد فتقول: أحججني (على جملك فلان) فيه دليل على تسمية الدواب؛ فإنه مستحب أو سنة (قال: ذاك) بكسر الكاف؛ لأنه خطاب للمؤنث (حبيس في سبيل الله) فيه أن التحبيس صريح (٣) في الوقف، وهو قول الجمهور، وعن الإصطخري أن التحبيس كناية (٤).
_________________
(١) "صحيح ابن حبان" (٣٦٩٩)، و"المعجم الكبير" (١١٣٢٢).
(٢) "المفهم" ٣/ ٣٧٠.
(٣) سقط من (م).
(٤) "الوسيط" ٤/ ٢٤٤.
[ ٩ / ١٣١ ]
فلا بد من ضم النية إليه أو ضم لفظ آخر.
وفيه دليل على جواز الوقف في (١) سبيل الله، قال ابن الصباغ وغيره: إذا وقف في (٢) سبيل الله يكون للغزاة الذين لهم معايش يغزون إذا نشطوا (٣) دون أهل الفيء الذين هم مدونون للغزو.
(فأتى رسول الله - ﷺ - فقال: إن امرأتي تقرأ) بفتح التاء والراء (عليك السلام ورحمة الله) فيه إرسال المرأة السلام مع زوجها إلى أجنبي إذا كان من أهل العلم والصلاح، وإذا أرسل السلام مع أحد وجب عليه تبليغ السلام إليه، ويقول المبلغ هكذا، ولا يقول ما كثر استعماله في هذا الزمان: فلان يقبل أياديك؛ فإن فيه مخالفة السنة والكذب.
(وإنها سألتني الحج معك فقلت) لها (: ما عندي ما أحجك) بضم الهمزة وكسر الحاء أيضًا (عليه) فيه دليل على أنه لو قال: والله ما لي جمل أحملك عليه، [أو: ما عندي ما أحملك عليه] (٤)، وكان له جمل وقفه لله تعالى أنه لا يحنث، وقد قال أصحابنا أنه لو حلف أنه لا مال له، وله مكاتب أو موقوف أو منفعة لم يحنث، ويحنث بما إذا كان له مدبرًا أو معلق عتقه بصفة (٥)، أو عبد يخدمه (٦).
(فقالت: أحجني) ويجوز: أحججني (على جملك فلان) بالجر على البدل (فقلت: ذاك) بكسر الكاف (حبيس) بفتح الحاء، فعيل بمعنى
_________________
(١) في (م): على.
(٢) في (م): على.
(٣) زاد في (م): أو.
(٤) و(٥) سقط من (م).
(٥) "روضة الطالبين" ١١/ ٥٢.
[ ٩ / ١٣٢ ]
مفعول كخضيب بمعنى مخضوب.
(فقال: أما إنك لو أحججتها عليه كان في سبيل الله) استدل به أحمد على أن الحج في سبيل الله (١). ولو وقف على سبيل الله كان وقفًا على مستحقي سهم الزكاة، واستدل بالحديث، وأجاب أصحابنا عن هذا الحديث بأنه يحتمل أن النبي - ﷺ - علم أو ذكر له ما يقتضي أنه أراد سبيل الخير وقصده، أو ما يدخل فيه الحج، فإنا (٢) نقول أنه يجوز إطلاق سبيل الله على الحج بقرينة، أما عند الإطلاق وعدم القرينة فيجب حمله على المعهود الشرعي وهو الغزو (٣). وأيضًا لم يكن وقف حجة الوداع غزوًا؛ لأن الغزو إنما يكون مع النبي - ﷺ - أو سراياه، ولم يكن في (٤) ذلك الوقت، فالحج عليه أولى من تعطيله، فيؤخذ منه أنه إذا كان موقوفًا على الغزو وتعذر الغزو في أفضل الأوقات وأمكن استعماله في غيره من سبيل الخير ولا [يضر به] (٥) جاز، بل يستحب. قاله السبكي، ثم قال: وهذا الحكم وهو حمل سبيل الله على الغزاة لا خلاف فيه عندنا.
وأما سبيل الخير وسبيل البر قال الرافعي: لو وقف على سبيل البر والخير صرف إلى أقارب الواقف؛ فإن لم يوجدوا فإلى أهل الزكاة (٦).
_________________
(١) "المغني" ٩/ ٣٢٨.
(٢) في (م): فإنه.
(٣) "الحاوي الكبير" ٨/ ٥١٢.
(٤) سقط من (م).
(٥) في (م): يصرفه.
(٦) انظر "الفتاوى الفقهية الكبرى" ٣/ ٢٦٠، و"روضة الطالبين" ٥/ ٣٢١.
[ ٩ / ١٣٣ ]
قال البغوي: الموقوف على سبيل البر يجوز صرفه إلى ما فيه صلاح المسلمين من أهل الزكاة وإصلاح القناطر ودفن الموتى وغيرهم، ولو جمع بين سبيل الله وسبيل الخير صرف النصف إلى الغزاة والنصف إلى أقاربه. قال (١) السبكي: وأنا أختار في سبيل البر أن يصرف إلى الستة الذين ذكرهم الله في قوله: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ (٢) الآية.
(قال (٣) وإنها) بكسر الهمزة معطوف على ما (٤) تقدم. (أمرتني أن أسألك) فيه أن الأمر يستعمل للمساوي، والمشهور أن الطلب ممن هو دونه أمر (٥) ولمن هو مساويه التماس، ولمن هو فوقه دعاء وطلب (ما يعدل حجة معك) رواية النسائي: إن أم معقل جعلت عليها حجة معك، ولم يتيسر لها ذلك فما يجزئ عنها (٦).
(فقال رسول الله - ﷺ -: اقرئها) بكسر الهمزة أوله (٧) وسكون الهمزة آخره قبل الهاء مني (السلام ورحمة الله) بالنصب بالعطف (وأخبرها أنها) أن عمرة في رمضان (تعدل حجة معي عمرة) بالرفع (في رمضان).
قال القرطبي: وإنما عظم أجر العمرة في رمضان لعظم حرمة شهر
_________________
(١) في (ر): قاله.
(٢) البقرة: ١٧٧.
(٣) سقط من (م).
(٤) سقط من (م).
(٥) من (م).
(٦) "سنن النسائي الكبرى" (٤٢١٤).
(٧) زاد في (م): وسكون أوله.
[ ٩ / ١٣٤ ]
رمضان، ولشدة النصب والمشقة اللاحقة من عمل العمرة في الصوم، لا سيما لمن اعتمر ماشيًا في شدة الحر أو البرد، وقد أشار إلى هذا قوله - ﷺ - لعائشة وقد أمرها بالعمرة: "وأجرك على قدر نصبك" (١).
[١٩٩١] (ثنا عبد الأعلى بن حماد) بن نصر البصري، قال: (ثنا داود بن عبد الرحمن) العطار.
(عن هشام بن عروة) بن الزبير (عن أبيه) [عروة بن الزبير] (٢) رضي الله تعالى عنه.
(عن عائشة: أن رسول الله - ﷺ - اعتمر عمرتين: عمرة في ذي القعدة) بفتح القاف.
(وعمرة في شوال) قال القرطبي: هذِه (٣) العمرة المنسوبة إلى [شوال فهي] (٤) والله أعلم عمرة الجعرانة، أحرم بها في أخريات (٥) شوال، وكملها (٦) في ذي القعدة فصدق عليها نسبة شوال وذي القعدة (٧).
[١٩٩٢] (ثنا النفيلي) قال (ثنا زهير) بن معاوية، قال (ثنا أبو إسحاق) السبيعي (عن مجاهد) بن جبر.
(قال: سئل ابن عمر - ﵄ -: كم اعتمر رسول الله - ﷺ -؟ فقال: مرتين)
_________________
(١) رواه البخاري (١٧٨٧)، ومسلم (١٢١١/ ١٢٦) من حديث عائشة.
(٢) من (م).
(٣) من (م).
(٤) في (ر): رسول الله - ﷺ -.
(٥) في (ر): آخر باب.
(٦) في "المفهم": كلها.
(٧) "المفهم" ٣/ ٣٦٧.
[ ٩ / ١٣٥ ]
أي: عمرتين (فقالت عائشة: لقد علم ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - قد اعتمر ثلاثًا) قد يستدل به من يقول بمفهوم العدد، فإن عائشة فهمت منه في قوله: مرتين. الحصر في عدد ما أضمره (١)، فأنكرت عليه بحسن بلاغتها في قولها: لقد علم ابن عمر أن رسول الله قد اعتمر ثلاثًا (سوى التي قرنها بحجة الوداع) كما سيأتي.
[١٩٩٣] (حدثنا النفيلي، وقتيبة) بن سعيد (قالا: ثنا داود بن عبد الرحمن العطار) قال الذهبي: ثقة، وكان أبوه عطارًا نصرانيّا بمكة، وكان يحض بنيه على القرآن ومجالسة العلماء، قال الشافعي: ما رأيت أورع من داود (٢).
(عن عمرو بن دينار) مولى قريش المكي (عن عكرمة، عن ابن عباس قال: اعتمر رسول الله أربع عمر: عمرة) يجوز فيه الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، والنصب على أنه بدل من أربع، والجر على أنه بدل من عمر (الحديبية) بتخفيف الياء الثانية - يعني: التي صده فيها المشركون عن البيت فحل فيها من الحديبية، وحلق ونحر ورجع إلى المدينة كما صالحهم عليه.
(و) العمرة (الثانية) عمرته (حين تواطؤوا) أي: توافقوا، قال الله تعالى: ﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ (٣) (على عمرة من قابل) أي: من السنة الثانية المستقبلة. قال قتيبة بن سعيد: يعني: عمرة القضاء،
_________________
(١) في (م): اعتمره.
(٢) "الكاشف" للذهبي ١/ ٢٩٠.
(٣) التوبة: ٣٧.
[ ٩ / ١٣٦ ]
سميت بذلك وبعمرة القضية أيضًا؛ لأنه إنما (١) اعتمرها في السنة الثانية في ذي القعدة على ما كان قاضاهم عليه، أي: صالحهم، وذلك أنهم شرطوا عليه أن لا يدخل عليهم مكة في سنتهم تلك (٢)، بل في السنة الثانية، ولا يدخلها عليهم بشيء من السلاح إلا بالسيف في (٣) قرابه، وأنه لا يمكث فيها أكثر من ثلاثة أيام إلى غير ذلك من الشروط المذكورة في كتب السير، ووفى لهم النبي - ﷺ - بذلك.
(والثالثة) (٤) عمرته (من الجعرانة) بكسر الجيم وسكون العين وتخفيف الراء، هكذا صوابها عند الشافعي والأصمعي وأهل اللغة ومحققي المحدثين، ومنهم من يكسر العين ويشدد الراء، وعليه أكثر المحدثين، وكانت هذِه العمرة بعد منصرفه من حنين ومن الطائف.
(والرابعة التي قرن مع حجته) هذا هو الصواب عند أصحابنا: أنه - ﷺ - أحرم مفردًا في أول إحرامه، ثم أحرم بالعمرة وقرنها بالحج فصار قارنًا. قال النووي: وأما قوله في مسلم أن النبي - ﷺ - كان في حجة الوداع مفردًا لا قارنًا فليس كما قال (٥).
[١٩٩٤] (ثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك (الطيالسي، وهدبة) بضم الهاء (بن خالد) بن الأسود بن هدبة الأزدي، ويلقب بهداب،
_________________
(١) من (م).
(٢) من (م).
(٣) في (ر): و.
(٤) في (ر): الثانية.
(٥) انظر "المجموع" ٧/ ١٥٩.
[ ٩ / ١٣٧ ]
وإنما اسمه هدبة (١) كما حكاه الجياني وغيره.
(قالا: حدثنا همام) بن يحيى العودي. قال أحمد: ثبت في كل المشايخ (٢).
(عن قتادة، عن أنس: أن النبي - ﷺ - اعتمر أربعًا، كلهن) بنصب اللام في ذي القعدة) قال العلماء: وإنما اعتمر - ﷺ - هذِه العمرة في ذي القعدة لفضيلة ذي القعدة، ولمخالفة أهل الجاهلية، فإنهم كانوا يرونه من أفجر الفجور كما سبق، ففعله - ﷺ - مرات (٣) في هذِه الأشهر ليكون أبلغ في بيان جوازه فيها، وأبلغ في إبطال ما كانت الجاهلية عليه.
(إلا التي مع حجته) وكان إحرامها في ذي القعدة وأعمالها في ذي الحجة (عمرة زمن الحديبية) في ذي القعدة سنة ست (أو من الحديبية) رواية مسلم: عمرة من الحديبية (وعمرة القضاء) في سنة سبع (وعمرة من الجعرانة حيث (٤) قسم علينا) أي: كانت عمرة الجعرانة بعد قسم (غنائم حنين في ذي القعدة) سنة ثمان، وهي عام الفتح (وعمرة مع (٥) حجته) وكان إحرامها في ذي القعدة وأعمالها في ذي (٦) الحجة.
قال القاضي عياض: ما ذكره أنس أن العمرة الرابعة كانت مع (٧)
_________________
(١) من (م).
(٢) "الكاشف" للذهبي ٣/ ٢٢٦.
(٣) في (ر): عمرات.
(٤) في (ر): حين.
(٥) في (ر): في.
(٦) سقط من (م).
(٧) في (ر): في.
[ ٩ / ١٣٨ ]
حجته فيدل على أنه كان قارنًا، وقد رده كثير من الصحابة، والصواب أنه أحرم مفردًا ثم أحرم بالعمرة فصار قارنًا (١) كما تقدم.
_________________
(١) "شرح النووي" ٨/ ٢٣٥.
[ ٩ / ١٣٩ ]