٢٠٣٤ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنا سُفْيانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْراهِيمَ التَّيْميِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلي - ﵁ - قَالَ: ما كَتَبْنا عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - إِلَّا القُرْآنَ وَما في هذِه الصَّحِيفَةِ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "المَدِينَةُ حَرامٌ ما بَيْنَ عائِرٍ إِلَى ثَوْرٍ فَمَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَوْ آوى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أَجْمَعِينَ لا يُقْبَلُ مِنْهُ عَدْلٌ وَلا صَرْفٌ وَذِمَّةُ المُسْلِمِينَ واحِدَةٌ يَسْعَى بِها أَدْناهُمْ فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ والمَلاِئكَةِ والنّاسِ أَجْمَعِينَ لا يُقْبَلُ مِنْهُ عَدْلٌ وَلا صَرْفٌ وَمَنْ والَى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْنِ مَوالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أَجْمَعِينَ لا يُقْبَلُ مِنْهُ عَدْلٌ وَلا صَرْفٌ" (١).
٢٠٣٥ - حَدَّثَنا ابن المُثَنَّى، حَدَّثَنا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنا هَمّامٌ، حَدَّثَنا قَتادَةُ، عَنْ أَبي حَسّانَ، عَنْ عَلي - ﵁ - في هذِه القِصَّةِ عَنِ النَّبي - ﷺ - قَالَ: "لا يُخْتَلَى خَلاها وَلا يُنَفَّرُ صَيْدُها وَلا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُها إلَّا لِمَنْ أَشادَ بِها وَلا يَصْلُحُ لِرَجُلٍ أَنْ يَحْمِلَ فِيها السِّلاحَ لِقِتالٍ وَلا يَصْلُحُ أَنْ يُقْطَعَ مِنْها شَجَرَةٌ إلَّا أَنْ يَعْلِفَ رَجُلٌ بَعِيرَهُ" (٢).
٢٠٣٦ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ أَنَّ زَيْدَ بْنَ الحُبابِ حَدَّثَهُمْ، حَدَّثَنا سُلَيْمانُ بْن كِنانَةَ مَوْلَى عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، أَخْبَرَنا عَبْد اللهِ بْن أَبي سُفْيانَ، عَنْ عَدي بْنِ زَيْدٍ قَالَ: حَمَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - كُلَّ ناحِيَةٍ مِنَ المَدِينَةِ بَرِيدًا بَرِيدًا لا يُخْبَطُ شَجَرُهُ وَلا يُعْضَدُ إِلَّا ما يُساق بِهِ الجَمَلُ (٣).
_________________
(١) رواه البخاري (١٨٧٠، ٣١٧٢، ٣١٧٩)، ومسلم (١٣٧٠).
(٢) رواه أحمد ١/ ١١٩، ١٢٢. وصححه الألباني في "صحيح أبي داود" (١٧٧٤).
(٣) رواه الطبراني ١٧/ (٢٧٢). وصححه الألباني في "صحيح أبي داود" (١٧٧٤/ م).
[ ٩ / ٢٢٢ ]
٢٠٣٧ - حَدَّثَنا أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَنا جَرِيرٌ - يَعْني: ابن حازِمٍ - حَدَّثَني يَعْلَى بْنُ حَكيمٍ، عَن سُلَيْمانَ بْنِ أَبي عَبْدِ اللهِ قَالَ: رَأَيْتُ سَعْدَ بْنَ أَبي وَقّاصٍ أَخَذَ رَجُلًا يَصِيدُ في حَرَمِ المَدِينَةِ الذي حَرَّمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَسَلَبَهُ ثِيابَهُ فَجاءَ مَوالِيهِ فَكلَّمُوهُ فِيهِ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - حَرَّمَ هذا الحَرَمَ وقَالَ: "مَنْ وَجَدَ أَحَدًا يَصِيدُ فِيهِ فَلْيَسْلُبْهُ ثِيابَهُ". فَلا أَرُدُّ عَلَيْكُمْ طُعْمَةً أَطْعَمَنِيها رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ولكن إِنْ شِئْتُمْ دَفَعْتُ إِلَيْكُمْ ثَمَنَهُ (١).
٢٠٣٨ - حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أَبي شَيْبَةَ، حَدَّثَنا يَزِيدُ بْنُ هارُونَ أَخْبَرَنا ابن أَبي ذِئْبٍ، عَن صالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ عَنْ مَوْلًى لِسَعْدٍ أَنَّ سَعْدًا وَجَدَ عَبِيدًا مِنْ عَبِيدِ المَدِينَةِ يَقْطَعونَ مِنْ شَجَرِ المَدِينَةِ فَأَخَذَ مَتاعَهُمْ وقَالَ - يَعْني لِمَوالِيهِمْ - سَمِعْت رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَنْهَى أَنْ يُقْطَعَ مِنْ شَجَرِ المَدِينَةِ شَيء وقَالَ: "مَنْ قَطَعَ مِنْهُ شَيْئًا فَلِمَنْ أَخَذَهُ سَلَبُهُ" (٢).
٢٠٣٩ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ حَفْصٍ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ القَطّانُ، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ خالِدٍ أَخْبَرَني خارِجَةُ بْنُ الحارِثِ الجُهَني أَخْبَرَني أَبي عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "لا يُخْبَطُ وَلا يُعْضَدُ حِمَى رَسُولِ الله - ﷺ - ولكن يُهَشُّ هَشّا رَفِيقًا" (٣).
٢٠٤٠ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا يَحْيَى ح وَحَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أَبي شَيْبَةَ، عَنِ ابن نُمَيْرٍ، عَن عُبَيْدِ اللهِ عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَأْتي قُباءً ماشِيًا وَراكِبًا زادَ ابن نُمَيْرٍ وَيُصَلّي رَكْعَتَيْنِ (٤).
* * *
_________________
(١) رواه أحمد ١/ ١٧٠، والبيهقي ٥/ ١٩٩. وصححه الألباني في "صحيح أبي داود" (١٧٧٥).
(٢) رواه مسلم (١٣٦٤) بنحوه.
(٣) رواه البيهقي ٥/ ٢٠٠. ورواه مسلم (١٣٦٢) بنحوه.
(٤) رواه البخاري (١١٩١، ١١٩٤)، ومسلم (١٣٩٩).
[ ٩ / ٢٢٣ ]
باب تحريم المدينة وغير ذلك
[٢٠٣٤] (ثنا محمد بن كثير العبدي) قال (ثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي) بن (١) يزيد بن شريك التيمي من تيم (٢) الرباب بكسر الراء وتخفيف الباء الأولى، [كوفي تابعي] (٣) مات في حبس الحجاج سنة ٩٢ (٤) (عن أبيه) يزيد بن شريك [(عن علي - ﵁ -] (٥) قال: ما كتبنا عن رسول الله - ﷺ - شيئًا) أي (٦): من أحكام الشريعة (إلا القرآن وما في هذِه الصحيفة) فيه تصريح من علي بإبطال ما زعمته الرافضة والشيعة من قولهم أن عليًّا أوصى إليه النبي - ﷺ - من كنوز الشريعة، وأنه خص أهل البيت بما لم يطلع عليه غيرهم.
فإن قلت: ليس الحكم منحصرًا فيهما؛ إذ عندهم من السنة كثير، فالجواب: المراد عندهم كثير من السنة، لكنه غير مكتوب؛ إذ لم تكن السنة في ذلك الوقت [مكتوبة في الكتب مدونة في الدواوين كما هو الآن، ولم يكن عندهم في ذلك الوقت] (٧) مكتوب من السنة إلا ما في هذِه (٨) الصحيفة.
فإن قلت: معلوم أن في الصحيفة العقل (٩) وفكاك الأسير، وليس هو مذكور هنا.
_________________
(١) سقط من (م).
(٢) في (م): تميم.
(٣) من (م).
(٤) في (م): اثنتين وسبعين.
(٥) و(٦) و(٧) و(٨) و(٩) سقط من (م).
[ ٩ / ٢٢٤ ]
قلت: لا منافاة بينهما (١)؛ لجواز كون الكل فيها.
(قال رسول الله - ﷺ -: المدينة حرام ما بين عائر إلى ثور) كذا رواية البخاري (٢)، ورواية (٣) مسلم: "ما بين عير إلى ثور" (٤) بالعين المهملة والياء المثناة تحت. قال مصعب الزبيري وغيره: ليس بالمدينة عير ولا ثور. قالوا: وإنما ثور بمكة، وكذا عير. قال القاضي عياض: أكثر رواة البخاري ذكروا (عير)، وأما (ثور) فمنهم من كنى عنه بكذا (٥). ومنهم من ترك مكانه بياضًا؛ لأنهم اعتقدوا أن ذكر ثور خطأ؛ إذ ليس في المدينة موضعًا يسمى ثورًا (٦). وقال بعضهم: الصحيح بدل أحد.
قال [النووي: يحتمل أن ثورًا كان اسمًا لجبل هناك إما أحد، وإما غيره (٧)، فخفي اسمه (٨). قال الطيبي: المراد أن حرم المدينة] (٩) قدر ما بين عير وثور من حرم مكة بتقدير حذف المضاف (١٠).
(من أحدث) منكم (١١) (حدثًا) أي عمل فيه بخلاف السنة منكم، (أو
_________________
(١) من (م).
(٢) "صحيح البخاري" (١٨٧٠، ١٣٧٩).
(٣) من (م).
(٤) "صحيح مسلم" (١٣٧٠).
(٥) في (م): بلفظ كذا.
(٦) "مشارق الأنوار" ١/ ١٣٦.
(٧) في الأصول الخطية: عير. والمثبت من "شرح النووي".
(٨) "شرح النووي" ٩/ ١٤٣.
(٩) سقط من (ر).
(١٠) في (ر): الكاف.
(١١) من (م).
[ ٩ / ٢٢٥ ]
آوى) بالقصر والمد في الفعل اللازم والمتعدي جميعًا، لكن القصر في اللازم والمد في المتعدي أشهر (محدثًا) بكسر الدال. يعني: من ضم إليه من ظلم أو [اعتدى ظلمًا] (١)، وحكى المازري (٢) فتح الدال على معنى أوجد الإحداث نفسه فيها، ومن كسر أراد فاعل الحدث.
[(فعليه لعنة الله) هذِه الجملة الإسمية خبر لقوله: (من) والأحسن أن تكون لعنة فاعلًا بالمجرور الذي هو قوله (عليه) لكونه قد اعتمد لكونه خبرًا بذي خبر، فرفع ما بعده على الفاعلية لكونه قد أخبرت عنه بمفرد، بخلاف الإعراب الأول، فإنك أخبرت عنه بالجملة، والمعنى أن عليه اللعنة المستقرة من الله على الكفار، فأضيف إلى الله على سبيل التخصيص لا على سبيل الحدوث] (٣) (والملائكة) ثنى بلعنة الملائكة لما في النفوس من عظم شأنهم وعلو مرتبتهم (والناس أجمعين) ثم ثلَّث بالناس لأنهم من جنسهم؛ فإن الإنسان يشق عليه إذا فاجأه مساويه بالمكروه، فهو أشق عليه من صدوره من أعلى منه (لا يقبل) بضم أوله وفتح ثالثه (منه عدل) بفتح العين (ولا صرف) العدل: الفدية، والصرف: التوبة، قاله الأصمعي، وقيل: الصرف: الفريضة، والعدل: التطوع، وعكس ذلك الحسن (٤). وفي هذا وعيد شديد، وقد أستدلوا به على أنه من الكبائر.
_________________
(١) في (م): عال ظالمًا.
(٢) في (ر): الماوردي.
(٣) سقط من (م).
(٤) "شرح النووي" ٩/ ١٤١.
[ ٩ / ٢٢٦ ]
(ومن والى قومًا) رواية البخاري: "تولى قومًا" (١) أي: اتخذهم أولياء له لغرض دنيا أو غيرها (بغير إذن مواليه) ليس هذا لتقييد الحكم بعدم الإذن وقصره (٢) عليه، وإنما المراد به إيراد الكلام على ما هو الغالب، وهذا صريح في تعظيم (٣) إثم من انتمى إلى غير أبيه، أو انتمى العتيق إلى غير معتقه، وفي معنى ذلك إذا انتمى المتعلم إلى غير من علمه؛ لكونه أعلى مرتبة ممن علمه أو غير ذلك؛ لما فيه من كفر النعمة وتضييع حقوق الإرث (٤) والولاء والعقل وغير ذلك [مع ما فيه من] (٥) قطيعة الرحم والعقوق (لا يقبل منه صرف ولا عدل) أي: لا يقبل منه الفريضة والنافلة قبول رضى ومحبة، وإن قبل منه لحصول الأجر والثواب.
[٢٠٣٥] (ثنا) محمد (ابن المثني) قال (ثنا عبد الصمد) قال (ثنا همام) قال (ثنا قتادة، عن أبي حسان) مسلم الأجرد الأعرج يعد في البصريين.
(عن علي في هذِه القصة) وفيها (عن النبي - ﷺ - قال (٦): لا يختلى خلاها) أي: لا يقطع حشيشها كما تقدم (ولا ينفر صيدها) أعلم أن الله تعالى اختص الحرم من أرض مكة والمدينة بأحكام لا يشاركه غيره من البلاد فيها، وهي مذكورة في أبوابها، منها أنه يحرم أخذ الصيد
_________________
(١) "صحيح البخاري" (١٨٧٠).
(٢) من (م).
(٣) سقط من (م).
(٤) في (ر): الأدب.
(٥) في (ر): مما فيه.
(٦) من (م).
[ ٩ / ٢٢٧ ]
منه وتنفيره، والثاني: يحرم قطع شجره وكلئه على جميع الناس، أهل الحرم وغيرهم.
(ولا تلتقط لقطتها) (١) هذا هو الثالث أنه لا يحل لقطته للتملك على المذهب (إلا لمن أشاد بها) أي: رفع صوته بتعريفها أبدًا لا سنة كما في غيرها (ولا يصلح (٢) لرجل أن يحمل فيها السلاح) ولا يشهره فيها (لقتال) ولا محاربة، وهذا محمول عند أهل العلم على حمل السلاح لغير ضرورة ولا حاجة؛ فإن كان لحاجة جاز (ولا يصلح أن يقطع منها شجرة) فيه حجة لمذهب الشافعي والجمهور أن قطع شجر المدينة حرام، وهو قول أحمد ومالك خلافًا لأبي حنيفة (٣). فإن قطع فلا ضمان عليه عند الشافعي ومالك؛ لأنه ليس بمحل النسك، فأشبه الحمى (٤) (إلا أن يعلف رجل بعيره) قال النووي: العلف بفتح اللام اسم [للحشيش و] (٥) التبن ونحوها، وفيه [دليل على] (٦) جواز أخذ الأشجار للعلف، بخلاف قطع الأغصان وخبطها فإنه حرام (٧).
[٢٠٣٦] [(ثنا محمد بن العلاء) بن كريب الهمداني (أن زيد (٨) بن
_________________
(١) في (م): لقيطها.
(٢) في (ر): يحل.
(٣) "الحاوي الكبير" ٤/ ٣٢٧، وانظر "المغني" ٥/ ١٩٠، و"المدونة" ١/ ٤٥٦. بمعناه، وانظر: "حاشية ابن عابدين" ٢/ ٦٢٦.
(٤) "الشرح الكبير" ٣/ ٥٢١ - ٥٢٢، وانظر "المدونة" ١/ ٤٥٦.
(٥) في (ر): للجنس في.
(٦) سقط من (م).
(٧) "شرح النووي" ٩/ ١٤٧ - ١٤٨.
(٨) في (م): يزيد.
[ ٩ / ٢٢٨ ]
الحباب) بضم الحاء المهملة وتكرير الباء الموحدة المخففة (حدثهم) قال (ثنا سليمان بن كنانة مولى عثمان بن عفان) قال (أخبرني عبد الله بن أبي سفيان) قال الذهبي: لا يعرف عدي إلا بهذا الحديث، وما ندري من عبد الله في خلق الله. تفرد عنه سليمان بن كنانة وما هو بالمشهور (١). وهو عجيب منه، قال في "الكاشف": عبد الله بن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد، عن أبيه، وعدي الحداني، وعنه ابن إسحاق وإبراهيم بن أبي يحيى وعدة، وثق (٢).
(عن عدي بن زيد) (٣) الجذامي، قال ابن الأثير: يذكر في الوحدان، مختلف في إسناد حديثه (٤) [قال الذهبي: روى عنه داود بن الحصين وغيره (٥)] (٦).
(قال: حمى رسول الله - ﷺ - كل (٧) ناحية من المدينة بريدًا) بفتح الباء أوله (بريدًا) والبريد أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، وهو موافق لما في الصحيحين من رواية أبي هريرة قال: حرم رسول الله - ﷺ - ما بين لابتي المدينة، وجعل اثني عشر ميلًا حول المدينة حمى (٨). وعند الأزهري:
_________________
(١) "ميزان الاعتدال" ٢/ ٤٣٠.
(٢) "الكاشف" للذهبي ٢/ ٩٢.
(٣) في (م): يزيد.
(٤) "أسد الغابة" ٤/ ١١.
(٥) "الكاشف" (٣٨١٣).
(٦) سقط من (م).
(٧) في (م): ظهرنا.
(٨) "صحيح مسلم" (١٣٧٢) (٤٧٢).
[ ٩ / ٢٢٩ ]
الميل عند العرب مقدار مد البصر من الأرض (١)، وقال الجيلي: الميل اثنا عشر ألف قدم وأربعة آلاف خطوة وستة آلاف ذراع بذراع اليد، والذراع أربعة وعشرون إصبعًا، والإصبع ست شعيرات مضمومة بعضها إلى بعض، والشعيرة ست شعرات من شعر البرذون.
(لا يخبط شجره) أي: لا يضرب بعضها ليسقط ورقه (ولا يعضد) أي: يقطع كما تقدم (إلا ما يساق به الجمل) أي: ما يقطع منه إلا ما تدعو الحاجة إليه كالقضيب الذي يساق به الجمل، والرحل الذي يوضع على ظهره، ويوضحه ما رواه الإمام أحمد عن جابر: أن النبي - ﷺ - لما أتى المدينة قالوا: يا رسول الله، إنا أصحاب عمل وأصحاب نضح، وإنا لا نستطيع أرضًا غير أرضنا فرخص لنا، فقال: "القائمتان والوسادة والعارضة والمسد، فأما غير ذلك فلا يعضد ولا يخبط منها شيء". قال خارجة: المسد (٢) مرود البكرة واستثنى ذلك وجعله مباحًا كالإذخر (٣).
[٢٠٣٧] (ثنا أبو سلمة موسى) بن إسماعيل المقرئ، قال: (ثنا جرير) بفتح الجيم (يعني: ابن حازم) بالحاء المهملة والزاي، قال: (حدثني يعلى بن حكيم) الثقفي ثقة (٤).
(عن سليمان بن أبي عبد الله) قال الذهبي: تابعي وثق (٥) (قال: رأيت
_________________
(١) "تهذيب اللغة" (مال).
(٢) في (ر): السيد.
(٣) انظر: "المغني" ٥/ ١٩٣، والحديث رواه الطبراني في "الأوسط" (٣٧٧٥).
(٤) انظر: "الكاشف" ٣/ ٢٩٥.
(٥) "الكاشف" (٢١٢٨).
[ ٩ / ٢٣٠ ]
سعد بن أبي وقاص - ﵁ - أخذ رجلًا يصيد في المدينة) صيدًا في المكان (الذي حرم رسول الله - ﷺ -) الصيد منها، وهو ما بين جبليها طولًا، وما بين لابتيها عرضًا (فسلبه ثيابه) أي أخذ ما عليه من الثياب، وفي هذا دلالة لقول الشافعي في القديم: إن من صاد في حرم المدينة أو قطع من شجرها أخذ سلبه (١). وبهذا قال سعد بن أبي وقاص وجماعة من الصحابة.
قال القاضي عياض: ولم يقل أحد بعد الصحابة إلا الشافعي في قوله القديم، وخالفه أئمة الأمصار.
قال النووي: ولا تضر مخالفته إذا كانت السنة معه، انتهى (٢).
وقد حكى ابن قدامة عن أحمد في إحدى الروايتين القول به، قال: وروي ذلك عن ابن أبي ذئب وابن المنذر (٣).
قال النووي: وهذا القول القديم هو المختار لثبوت الحديث (٤) فيه، وعمل الصحابة على وفقه، ولم يثبت له دافع.
قال أصحابنا: وإذا قلنا بالقديم ففي كيفية الضمان وجهان أحدهما (٥): يضمن الصيد والكلأ والشجر كضمان حرم مكة، وأصحهما وبه قطع جمهور المفرعين على القول القديم أنه يسلب الصائد وقاطع الشجر والكلأ، وبه قال أحمد، وعلى هذا فالمراد
_________________
(١) انظر: "الشرح الكبير" ٣/ ٥٢٢، و"المجموع" ٧/ ٤٨٠.
(٢) "شرط النووي" ٩/ ١٣٩.
(٣) "المغني" ٥/ ١٩١ - ١٩٢.
(٤) في (ر): الجديد.
(٥) في (ر): أصحهما.
[ ٩ / ٢٣١ ]
بالسلب قولان (١). أحدهما أنه ثيابه فقط، وأصحهما وبه قطع الجمهور أنه كسلب القتيل من الكفار فيدخل فيه فرسه وسلاحه ونفقته وغير ذلك مما يدخل في سلب القتيل (٢).
(فجاؤوا) يعني (مواليه) يدل على أن الرجل عبدًا كما سيأتي (فكلموه فيه) أي: في السلب الذي أخذه من عبدهم (فقال: إن رسول الله - ﷺ - (٣) حرم هذا الحرم) أشار إلى الحرم؛ لأنه كان فيه أو قريبًا منه (وقال: من أخذ أحدًا) [يعني: شخصًا] (٤) (يصيد فيه، فليسلبه) أي (٥): يأخذ (ثيابه) قال القرطبي: وهذا كله مبالغة في الردع والزجر، [لا أنها] (٦) حدود ثابتة في كل أحد وفي كلّ وقت (٧).
(فلا أرد عليه طعمة) بضم الطاء وكسرها، ومعنى الطعمة الأكلة، وأما الكسر فجهة الكسب (٨) وهيئته (أطعمنيها رسول الله - ﷺ -) أي: أعطانيها.
قال القرطبي: وامتناعه من رد السلب؛ لأنه رأى أن ذلك أدخل في باب الإنكار والتشديد ولتنتشر القضية في الناس فيكفوا عن الصيد، وقطع
_________________
(١) سقط من (م)، وفي "شرح النووي": وجهان.
(٢) "شرح النووي" ٩/ ١٣٩، و"المغني" ٥/ ١٩٢.
(٣) زاد في (ر): أي. وهي زيادة مقحمة.
(٤) سقط من (م).
(٥) من (م).
(٦) في الأصول الخطية: لأنها. والمثبت من "المفهم".
(٧) "المفهم" ٣/ ٤٨٤.
(٨) في (م): الكسر.
[ ٩ / ٢٣٢ ]
الشجر (١) (ولكن إن شئتم دفعت إليكم ثمنه) كائنًا مهما كان.
[٢٠٣٨] (ثنا عثمان بن أبي شيبة) قال (ثنا يزيد بن هارون) السلمي، أحد الأعلام، قال أحمد: حافظ متقن، وكان يصلي الضحى ستة عشر ركعة، وقد عمي (٢).
قال (ثنا) محمد بن عبد الرحمن (ابن أبي ذئب، عن صالح) بن نبهان (مولى التوأمة) بفتح التاء وسكون الواو وفتح الهمزة، وهي ابنة أمية بن خلف (عن مولى لسعد) بن أبي وقاص (أن سعدًا) قال الحافظ البزار: لا نعلم أحدًا رواه عن النبي - ﷺ - إلا سعد، ولا عنه إلا عامر بن سعد، انتهى (٣). وعامر هو ابن سعد بن أبي وقاص (وجد عبيدًا من عبيد المدينة) وأخرجه الحاكم، ولفظ ابن سعد: كان يخرج من المدينة فيجد الحاطب من الحطاب معه شجر رطب قد عضده من شجر المدينة فيأخذ سلبه فيكلم فيه، فيقول: لا أدع غنيمة غنمنيها رسول الله - ﷺ - وإني لمن أكثر الناس مالًا. وصححه (٤). (يقطعون من شجر المدينة) ورواية مسلم: وجد عبدًا يقطع شجرًا أو يخبطه (٥). وعجبت من الحاكم [أنه خرجه] (٦) في "المستدرك" وزعم أنهما لم يخرجاه، وقد عد من أوهامه.
_________________
(١) "المفهم" ٣/ ٤٨٤.
(٢) انظر: "الكاشف" (٦٤٧٣).
(٣) "مسند البزار" (١١٠٢).
(٤) "المستدرك" ١/ ٤٨٦ - ٤٨٧.
(٥) "صحيح مسلم" (١٣٦٤) (٤٦١).
(٦) سقط من (م).
[ ٩ / ٢٣٣ ]
(فأخذ متاعهم) قال ابن البلقيني في حواشي "الروضة": لو كان الصائد في حرم المدينة أو قاطع شجر حرم (١) المدينة عبدًا هل يسلب ثيابه كما اتفق لسعد؟ فالذي يقتضيه النظر أنه لا يسلب ثياب العبد؛ لأنه لا ملك له، وكذلك لو كان على الصائد ثوب مستأجر أو مستعار فإنه لا يسلب (٢). ولم أر من تعرض لذلك، وهذا عجب منه مع كثرة اطلاعه، فإن القمولي وابن الرفعة في "شرح الوسيط" قالا بعد ما قالا: قال الماوردي وصححه النووي: ليس له أخذ ما عليه من ثياب مغصوبة قطعًا، كما ليس لقاتل الحربي أخذ ما عليه من الثياب لمسلم (٣).
قال بعض شارحي الكتاب: فينبغي أن تكون الثياب المستعارة كذلك. قال: وينبغي أن لا يسلب العبد ثيابه (٤)؛ لأن جنايته تتعلق برقبته، وثيابه ملك لسيده، لكن قضية سعد كانت مع عبد، واستدل له بعموم الخبر، ولو لم يشاهده أحد عند اصطياده، قال: فالظاهر أنه يلزمه حمل (٥) السلبة إلى الإمام.
(وقال: يعني لمواليهم) على سبيل الاعتذار عن أخذ متاعهم لولا أني (سمعت رسول الله - ﷺ - ينهى أن يقطع من شجر المدينة شيء) أي: كما لا يقطع من شجر مكة (٦)، قال ابن قدامة: يفارق حرم (٧) المدينة حرم مكة
_________________
(١) من (م).
(٢) انظر: "الغرر البهية في شرح البهجة الوردية" ٢/ ٣٦٨.
(٣) "المجموع" ٧/ ٤٨٣.
(٤) و(٥) من (م).
(٥) في (م): المدينة. ولعل المثبت هو الصواب.
(٦) سقط من (م).
[ ٩ / ٢٣٤ ]
في شيئين: أحدهما: يجوز أن يؤخذ من شجر حرم المدينة ما تدعو الحاجة إليه للمساند والوسائد والرحل.
الثاني: أن (١) من صاد صيدًا خارج المدينة، ثم أدخله إليها لم يلزمه إرساله، نص عليه أحمد؛ لأن النبي - ﷺ - قال: "يا أبا عمير ما فعل النغير" (٢)، وهو طائر صغير، فظاهر هذا أنه أباح إمساكه بالمدينة؛ إذ (٣) لم ينكر ذلك. وحرمة مكة أعظم من حرمة المدينة، بدليل أنه لا يدخلها إلا محرم (٤).
(وقال: من قطع منه شيئًا فلمن أخذه سلبه) أي: جميعه.
قال الدارمي: إن كان عليه سراويل أخذه وستر المسلوب نفسه.
قال ابن الرفعة: وهذا صريح في أن لا يبقى له سترة، وقال الماوردي: يبقى له ما يستر عورته (٥). وصححه النووي (٦)، واختاره صاحب "البيان" (٧) وفي الحديث دلالة على أن السلب يستحقه السالب، وفي المسألة ثلاثة أوجه هذا أصحها، والثاني أنه لمساكين المدينة، والثالث أنه لبيت المال.
قال أصحابنا: يسلب بمجرد الاصطياد سواء تلف الصيد أم لا (٨).
_________________
(١) من (م).
(٢) أخرجه البخاري (٦١٢٩)، ومسلم (٢١٥٠).
(٣) في (م): و.
(٤) "المغني" ٥/ ١٩٣ - ١٩٤.
(٥) "المجموع" ٧/ ٤٨٣.
(٦) "الحاوي الكبير" ٤/ ٣٢٨.
(٧) "البيان" للعمراني ٤/ ٢٦٥.
(٨) انظر: "الشرح الكبير" ٣/ ٥٢٣.
[ ٩ / ٢٣٥ ]
[وأتلف المقطوع من الشجر أم لا] (١).
[٢٠٣٩] (ثنا أبو عبد الرحمن محمد بن حفص القطان) خال عيسى بن شاذان، قال: (ثنا محمد بن خالد) يعني: ابن عثمة بفتح العين المهملة وإسكان الثاء المثلثة البصري صدوق (٢)، قال (أخبرني خارجة) يعني (بن الحارث) بن رافع (الجهني) صدوق (٣)، قال (أخبرني أبي) الحارث بن رافع بن مكتب (عن جابر بن عبد الله أن رسول الله - ﷺ -، قال: لا يخبط ولا يعضد حمى رسول الله - ﷺ -) وهو اثنا عشر ميلًا كما تقدم (ولكن يهش هشًّا رفيقًا) قال الجوهري: هششت (٤) الورق أهشه هشّا: خبطته بعصا ليتحات (٥)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾ (٦) أي: أخبط بها الشجر ليتناثر ورقه فتأكله (٧) غنمي، فيه دليل على أنه ترخص لمن كان بالمدينة وقرب منه زرع أن يحتش منه ما تدعو الحاجة إليه لدوابه تعلف به؛ إذ لو منعناه من الاحتشاش مع الحاجة أفضى ذلك إلى الضرر فاستثني ذلك مع ورق الشجر وجوز للحاجة إليه كما استثني الإذخر بمكة.
[٢٠٤٠] (ثنا مسدد) قال: (ثنا يحيى) القطان (وثنا عثمان بن أبي شيبة، عن) عبد الله (ابن نمير، عن عبيد الله) بالتصغير (عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - كان يأتي قباء) قال النووي: المشهور فيه المد والتذكير والصرف، وهو قريب من المدينة في عواليها (٨). فيه أنه
_________________
(١) من (م).
(٢) "الكاشف" (٤٨٩١).
(٣) "الكاشف" (١٣٠٧).
(٤) في (م): هشت.
(٥) في (ر): ليتناثر.
(٦) طه: ١٨.
(٧) في (م): فترعاه.
(٨) "شرط النووي" ٩/ ١٧٠.
[ ٩ / ٢٣٦ ]
يستحب استحبابًا متأكدًا أن يأتي مسجد قباء إذا أمن على نفسه وماله وهو في يوم السبت آكد لرواية البخاري: كان يأتي مسجد (١) قباء كل سبت (٢)، ولرواية مسلم: أن ابن عمر كان يأتي قباء كل سبت ويقول: رأيت رسول الله - ﷺ - كان يأتيه كل سبت (٣).
(ماشيًا وراكبًا) فيه أنه يجوز زيارته راكبًا وماشيًا، وإن كان المشي أفضل لمن لا يشق عليه مشيه (زاد ابن نمير: ويصلي فيه ركعتين) وينوي في إتيانه التقرب إلى الله تعالى بزيارته والصلاة فيه، والاقتداء بالنبي - ﷺ -، والشرب من بئر أريس الذي عنده، والوضوء منه؛ لأن النبي - ﷺ - تفل فيه، وروى الطبراني [في "الكبير"] (٤) أن رسول الله - ﷺ - قال: "من توضأ فأحسن الوضوء ثم دخل مسجد قباء فيركع فيه أربع ركعات كان ذلك عدل رقبة" (٥) فعلى هذا يأتي بئر أريس أولًا ويتوضأ منه، ثم يأتي مسجد قباء ليحوز الفضيلة، قال القرطبي: قباء (٦) بينها وبين المدينة نحو ثلاثة أميال، وليست مما يشد إليها الرحال، وكان تعاهده لقباء لتعاهد مسجدها وتفقد أهلها واعتناء بهم، وليس في تعاهده مسجد قباء ما يدل على إلحاق مسجدها بالمساجد الثلاثة كما ذهب إليه محمد بن مسلمة (٧).
_________________
(١) من (م).
(٢) "صحيح البخاري" (١١٩٣).
(٣) "صحيح مسلم" (١٣٩٩) (٥٢٠).
(٤) سقط من (م).
(٥) "المعجم الكبير" (٥٥٦٠).
(٦) في (م): فيما.
(٧) "المفهم" ٣/ ٥١٠.
[ ٩ / ٢٣٧ ]