٣٨٥٥ - حَدَّثَنا حَفْصُ بْن عُمَرَ النَّمَري، حَدَّثَنا شُعْبَةُ، عَنْ زِيادِ بْنِ عِلاقَةَ، عَنْ أُسامَةَ بْنِ شَرِيكٍ قالَ: أَتَيْتُ النَّبي -ﷺ- وَأَصْحابُهُ كَأَنَّما عَلَى رُؤوسِهِمُ الطَّيْرُ فَسَلَّمْتُ ثُمَّ قَعَدْتُ، فَجاءَ الأَعْرابُ مِنْ ها هُنا وَها هُنا فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أَنَتَداوى؟ فَقالَ: "تَداوَوْا فَإِنَّ اللَّهَ -﷿- لَمْ يَضَعْ داءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَواءً غَيْرَ داءٍ واحِدٍ الهَرَمُ" (١).
* * *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين
أول كتاب الطب
_________________
(١) رواه الترمذي (٢٠٣٨)، وابن ماجه (٣٤٣٦)، وأحمد ٤/ ٢٧٨. وصححه الألباني.
[ ١٥ / ٥٣٩ ]
باب الرجل يتداوى
[٣٨٥٥] (حدثنا حفص بن عمر) الحوضي (النمري) بفتح النون والميم، صدوق، يحفظ عامة حديثه (حدثنا شعبة، عن زياد بن علاقة) الثعلبي (عن أسامة بن شريك) الثعلبي، من ثعلبة بن يربوع، وقيل: من ثعلبة بن سعد، وصححه الذهبي.
(قال: أتيت النبي -ﷺ- وأصحابه) بالرفع مبتدأ، والواو الداخلة عليه واو الحال (كأنما على رؤوسهم الطيرُ) بالرفع مبتدأ مؤخر، و(على رؤوسهم) في موضع رفع خبر مقدم، والجملة الاسمية في موضع رفع.
قال في "النهاية": وصف الصحابة بالسكون والوقار خصوصًا في حضرة النبي -ﷺ- وصفهم بأنهم لم يكن فيهم طيش ولا خفة حركة؛ لأن الطائر لا يكاد يقع إلا على شيء ساكن (١).
[(فسلمت) عليهم، فردوا علي السلام] (٢) (ثم قعدت فجاء الأعراب) يسألونه (من هاهنا وهاهنا) أي: من عن يمينه ويساره، وهذا يدل على أن الصحابة كانوا جالسين تجاه وجهه (فقالوا: يا رسول اللَّه، هل نتداوى؟) (٣) ولابن ماجه زيادة، ولفظه: عن أسامة بن شريك قال: شهدت الأعراب يسألون رسول اللَّه -ﷺ-: أعلينا حرج في كذا؟، أعلينا حرج في كذا؟، فقال لهم: "عباد اللَّه، وضع الحرج، إلا من اقترض
_________________
(١) "النهاية في غريب الحديث والأثر" ٣/ ١٥٠.
(٢) ما بين المعقوفتين ساقط من (ح).
(٣) في هامش (ح) وصلب (ل)، (م): نسخة. أنتداوى.
[ ١٥ / ٥٤٠ ]
من عرض أخيه شيئًا فذلك الذي حرج". قالوا: يا رسول اللَّه، هل علينا جناح أن نتداوى (١)؟ ولفظ رواية أحمد والترمذي: (فقال) "نعم، يا عباد اللَّه" (تداووا) (٢) فيه الأمر بالتداوي، وأنه لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع داء الجوع والعطش والحر والبرد الشديدين بأضدادها، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها اللَّه مقتضيات لمسبباتها قدرًا وشرعًا، وأَنَّ تعطيلها يقدح في نفس التوكل، كما يقدح في الأمر.
وفيه رد على من أنكر التداوي، وقال: إن كان الشفاء قد قدر، فالتداوي لا يفيد، وإن لم يكن قدرًا فكذلك. وأيضًا فإن المرض حصل بقدرة اللَّه تعالى، وقدر (٣) اللَّه لا يدفع ولا يرد.
وهذا السؤال هو الذي أورده الأعراب على رسول اللَّه -ﷺ-، وأما أفاضل الصحابة فأعلم باللَّه وحكمته من أن يوردوا مثل هذا، وقد أجابهم النبي -ﷺ- بما شفى وكفى، فقال: هذِه الأدوية من قدر اللَّه، فما خرج شيء عن قدره.
(فإن اللَّه -﷿- لم يضع)؛ لم يخلق (داء) أي: لم يصب أحدًا بداء (إلا وضع) أي: قدر (له دواء) أي: دواءً شافيًا.
لفظ البخاري: "ما أنزل اللَّه داءً إلا أنزل له شفاءً" (٤) فيه حذف
_________________
(١) "سنن ابن ماجه" (٣٤٣٦).
(٢) "سنن الترمذي" (٢٠٣٨) وأحمد ٤/ ٢٧٨.
(٣) في (م)، (ل): وقدرة.
(٤) "صحيح البخاري" (٥٦٧٨) من حديث أبي هريرة.
[ ١٥ / ٥٤١ ]
الموصوف؛ أي: دواءً شافيًا. والمراد بإنزاله؛ إنزال الملائكة الموكلين بمباشرة مخلوقات اللَّه تعالى بالداء والدواء. فإن قيل: نحن نجد كثيرًا من المرضى يتداوون ولا يبرؤودن. قلت: إنما جاء ذلك من جهة الجهل بحقيقة المداواة وعدم تشخيص الداء لا لفقد الدواء.
(غير) بالنصب على الاستثناء؛ لأنه من موجب (داءٍ واحد الهرم) بالجر بدل مما قبله، وبالرفع خبر مبتدأ محذوف، أي: وهو الهرم، وهو الكبر، وقد هرم يهرم فهو هرم.
زاد ابن ماجه: ما خير ما أعطي العبد؟ قال: "خلق حسن" (١) وجعل الهرم داءً تشبيهًا به؛ لأن الموت يتعقبه، فهو كالأدواء التي يتعقبها الموت، ومنه الحديث: "ترك العشاء مهرمة" (٢) رواه ابن ماجه من حديث جابر (٣)، وقيل: الداء تغير يسير يعتري البدن مدة عن حال القوة والاعتدال، والهرم تغيير كثير يعتري البدن، ويستمر إلى الموت، فسمي به مجازًا.
وقيل: إنه استثناء منقطع في الهرم، وهو كثير في الكتاب والسنة.
* * *
_________________
(١) "سنن ابن ماجه" (٣٤٣٦).
(٢) رواه بهذا اللفظ الترمذي من حديث أنس (١٨٥٦) وقال: هذا حديث منكر لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وعنبسة يضعف في الحديث، وعبد الملك بن علاق مجهول. ضعفه الألباني في "الضعيفة" (١١٦)، قال: ضعيف جدًّا.
(٣) "سنن ابن ماجه" (٣٣٥٥) بلفظ: "لا تدعوا العشاء ولو بكف من تمر، فإن تركه يُهرِم".
[ ١٥ / ٥٤٢ ]