٣٧٦٩ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنا سُفْيانُ، عَنْ عَليِّ بْنِ الأَقْمَرِ قالَ: سَمِعْتُ أَبا جُحَيفَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لا آكُلُ مُتَّكِئًا" (١).
٣٧٧٠ - حَدَّثَنا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا حَمّادٌ، عَنْ ثابِتٍ البُنانيِّ، عَنْ شُعَيْبِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِيهِ قالَ ما رُئِيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَأْكُلُ مُتَّكِئًا قَطُّ وَلا يَطَأُ عَقِبَهُ رَجُلانِ (٢).
٣٧٧١ - حَدَّثَنا إِبْراهِيمُ بْنُ مُوسَى الرّازيُّ، أَخْبَرَنا وَكِيعٌ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سُلَيْمٍ قالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: بَعَثَني النَّبيُّ -ﷺ- فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ فَوَجَدْتُهُ يَأْكُلُ تَمْرًا وَهُوَ مُقْعٍ (٣).
* * *
باب ما جاء في الأكل متكئًا
[٣٧٦٩] (حدثنا محمد بن كثير) العبدي (أنا سفيان) بن سعيد الثوري (عن علي بن الأقمر) الوادعي (قال: سمعت أبا جحيفة) وهب بن عبد اللَّه السوائي بضم السين وتخفيف الواو وبعد الألف همزة، نسبة إلى سواءة بن عامر بن صعصعة، توفي رسول اللَّه -ﷺ- وأبو جحيفة مراهق، وولي بيت المال لعلي -﵁-.
_________________
(١) رواه البخاري (٥٣٩٨).
(٢) رواه ابن ماجه (٢٤٤)، وأحمد ٢/ ١٦٥. وصححه الألباني في "الصحيحة" (٢١٠٤).
(٣) رواه مسلم (٢٠٤٤).
[ ١٥ / ٣٥٥ ]
(قال رسول اللَّه -ﷺ-: لا آكل متكئًا) كذا للبخاري (١)، وفي رواية له عن أبي جحيفة: كنت عند النبي -ﷺ- فقال لرجل عنده: "لا آكل وأنا متكئ" (٢).
قال في "النهاية": المتكئ في العربية كل من استوى قاعدًا على وطاء متمكنًا، والعامة لا تعرف المتكئ إلا من مال في قعوده معتمدًا على أحد شقيه، والتاء فيه بدل من الواو وأصله من الوكاء، وهو ما يشد به الكيس وغيره، كأنه أوكأ مقعدته وشدها بالقعود على الوطاء الذي تحته. ومعنى الحديث: إني إذا أكلت لم أقعد متمكنًا فعل من يريد الاستكثار منه، ولكن آكل بلغة فيكون قعودي له مستوفزًا، ومن حمل الاتكاء على الميل إلى أحد الشقين، تأوله على مذهب الطب (٣).
استثنى في "الإحياء" من الأكل متكئًا ما يتنقل به من الحبوب (٤).
وذكر بعضهم أن قوله: متكئًا هو الاتكاء على أحد الجانبين، وعلله بشيئين:
أحدهما: أنه فعل المتجبرين والمتكبرين.
والثاني: أنه يمنع نزول الطعام أن ينحدر في مجاري الأكل سهلًا (٥) ولا يسيغه هنيئًا، وربما تأذى به من جهة الطب، وفي الحديث: هذا
_________________
(١) البخاري (٥٣٩٨).
(٢) البخاري (٥٣٩٩).
(٣) "النهاية في غريب الحديث والأثر" ١/ ١٩٣.
(٤) "إحياء علوم الدين" ٢/ ٤.
(٥) ساقطة من (ل)، (م).
[ ١٥ / ٣٥٦ ]
الأبيض المتكئ (١). يريد الجالس المتمكن في جلوسه.
[٣٧٧٠] (حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد) بن سلمة (عن ثابت البناني) بضم الموحدة (عن شعيب) بن محمد (بن عبد اللَّه بن عمرو) شعيب هذا هو والد عمرو بن شعيب، وقوله هنا وفي ابن ماجه (٢): شعيب بن عبد اللَّه.
فإن كان ثابت البناني نسبه إلى جده حين حدث عنه. فذلك سائغ، وإن كان (٣) أراد بأبيه محمدًا، فيكون الحديث [مرسلًا، فإن محمدًا لا صحبة له، وإن كان أراد بأبيه] (٤) جده عبد اللَّه فيكون مسندًا، وشعيب قد سمع من عبد اللَّه بن عمرو بن العاص القرشي (عن أبيه) عبد اللَّه بن عمرو بن العاص السهمي، كان بينه وبين أبيه في السن [إحدى عشرة] (٥) سنة، وأسلم قبل أبيه، وقال فيهم النبي -ﷺ-: "نعم أهل البيت عبد اللَّه وأبو عبد اللَّه وأم عبد اللَّه" (٦).
(قال: ما رئي رسول اللَّه -ﷺ- يأكل متكئًا قط) قال مجاهد: ما أكل
_________________
(١) تقدم وتخريجه عند أبي داود برقم (٤٨٦) من حديث أنس.
(٢) "سنن ابن ماجه" (٢٤٤).
(٣) ساقطة من (ح).
(٤) ما بين المعقوفتين ساقط من (م).
(٥) في جميع النسخ: أحد عشر. والمثبت هو الصواب.
(٦) رواه أحمد ١/ ١٦١، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" ٢/ ١٠٠ (٧٩٨)، وأبو يعلى في "المسند" ٢/ ١٨ - ١٩ (٦٤٥ - ٦٤٧)، والشاشي في "مسنده" ١/ ٧٩ - ٨٠ (١٨، ١٩) من حديث طلحة بن عبيد اللَّه. وضعف إسناده الشيخ أحمد شاكر في "شرح المسند" ٢/ ٣٥٨ - ٣٥٩ (١٣٨٢).
[ ١٥ / ٣٥٧ ]
متكئًا قط إلا مرة، ففرغ فجلس فقال: "اللهم أنا عبدك ورسولك" (١). تواضعًا للَّه؛ فإن الاتكاء هيئة المتكبرين، وقد بين هذا في حديث أيوب عن الزهري أن النبي -ﷺ- أتاه ملك لم يأته قبل تلك المرة ولا بعدها فقال: إن ربك يخيرك بين أن تكون عبدًا نبيًّا أو ملكًا نبيّا، قال: فنظر إلى جبريل كالمستشير له، فأشار إليه أن تواضع، فقال: "بل عبدًا نبيًّا"، فما أكل متكئًا بعد (٢).
ومن أكل متكئًا لم يأت محرمًا وإنما يكره ذلك؛ لأنه خلاف التواضع، وقد أجاز ابن سيرين (٣) والزهري الأكل متكئًا.
(ولا يطأ) بهمز آخره (عقبه) بفتح العين وكسر القاف، لفظ ابن ماجه: عقبيه (٤). بالتثنية (رجلان) أي: لا يمشي خلفه رجلان ولا أكثر من ذلك كما يفعل الملوك، يتبع الملك الناس يمشون وراءه كالخدم، وبين ابن ماجه بذلك المشي عقبيه، فروى عن نبيح العنزي عن جابر قال: كان
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة ٥/ ١٣٩ (٢٤٥٠٦).
(٢) ذكره ابن بطال في "شرح البخاري" ٩/ ٤٧٤. قال الحافظ في "الفتح" ٩/ ٥٤١: هذا مرسل أو معضل. ورواه ابن المبارك في "الزهد والرقائق" (٧٦٦)، والنسائي في "الكبرى" ٤/ ١٧١، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" ٥/ ٣٣٨ (٢٠٩٢)، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٧/ ٤٩، والبغوي في "شرح السنة" ١٣/ ٢٤٨ - ٢٤٩ (٣٦٨٤)، والضياء في "المختارة" ١٣/ ٦٢ (٩٥) من طريق بقية بن الوليد، عن الزبيدي، عن الزهري، عن محمد بن عبد اللَّه بن عباس قال: كان ابن عباس يحدث. . . الحديث.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٥/ ١٣٩ (٢٤٥١٠).
(٤) "سنن ابن ماجه" (٢٤٤).
[ ١٥ / ٣٥٨ ]
النبي -ﷺ- إذا مشى يمشي أصحابه أمامه وتركوا ظهره للملائكة (١). وكذا رواه أبو نعيم بلفظ: "امشوا أمامي وخلوا ظهري للملائكة" (٢).
قال أبو نعيم: لأن الملائكة يحرسونه من أعدائه. قلت: لعل هذا قبل أن ينزل: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (٣).
[٣٧٧١] (حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي، أنا وكيع، عن مصعب بن سليم) مصغر، وهو عريف بني زهرة ومولى آل الزبير، كوفي معروف أخرج له مسلم.
(قال: سمعت أنسًا -﵁- يقول: بعثني رسول اللَّه -ﷺ-) في حاجة (فرجعت إليه [فوجدته] (٤) يأكل تمرًا وهو مقع) وللنسائي: فأتيته يأكل وهو مقع من الجوع (٥).
والإقعاء: إلصاق الأليتين بالأرض وينصب ساقيه. وقيل: هو أن يجلس على وركيه مستوفزًا. وكان جل أكله مستوفزًا، وقد روى أبو الحسن ابن المقرئ في "الشمائل": كان إذا قعد على الطعام استوفز
_________________
(١) "سنن ابن ماجه" (٢٤٦). ورواه أيضًا أحمد ٣/ ٣٠٢، ٣٣٢. وصححه الحاكم في "المستدرك" ٢/ ٤١٢، وابن حبان ١٤/ ٢١٨ (٦٣١٢)، والبوصيري في "مصباح الزجاجة" ١/ ٣٦، والألباني في "الصحيحة" (٤٣٦، ٢٠٨٧).
(٢) "حلية الأولياء" ٧/ ١١٧. ورواه أيضًا الحارث بن أبي أسامة كما في "بغية الباحث" (٩٤٦)، وكما في "إتحاف الخيرة المهرة" ٧/ ٩٢. وصححه الألباني في "الصحيحة" (١٥٥٧).
(٣) المائدة: ٦٧.
(٤) ساقطة من (ل، م).
(٥) "السنن الكبرى" ٤/ ١٧١ بنحوه، وهو أيضًا عند مسلم (٢٠٤٤).
[ ١٥ / ٣٥٩ ]
على ركبته اليسرى وأقام اليمنى وقال: "إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد، وأقعد كما يقعد العبد" (١)، ورواه البزار دون قوله: "وأجلس" (٢). وحاصل أكله -ﷺ- أنه يأكل أكلًا لا تصنع فيه ولا رياء ولا كبر.
* * *
_________________
(١) رواه أبو يعلى ٨/ ٣١٨ (٤٩٢٠)، والبغوي في "شرح السنة" ١١/ ٢٨٦ - ٢٨٧ (٢٨٣٩) من حديث عائشة بنحوه. وعزاه الحافظ العراقي في "تخريج الإحياء" ١/ ٣٤٨ لأبي الحسن ابن المقرئ في "الشمائل" وقال: وإسناده ضعيف. وحديث عائشة ضعفه الألباني في "الضعيفة" (٢٠٤٥).
(٢) "البحر الزخار" ١٢/ ١٥٤ (٥٧٥٢) من حديث ابن عمر. وقال: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن رسول اللَّه -ﷺ- بإسناد متصل عنه إلا من هذا الوجه، ولا نعلم رواه إلا ابن عمر، ولا رواه عن عبيد اللَّه إلا مبارك، ولا عن مبارك إلا حفص بن عمار، ولم يتابع عليه. وقال الهيثمي في "المجمع" ٩/ ٢١: رواه البزار، وفيه حفص بن عمارة الطاحي ولم أعرفه، وبقية رجاله وثقوا.
[ ١٥ / ٣٦٠ ]