٤٠١٢ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْن مُحَمَّدِ بْنِ نُفَيْلٍ، حَدَّثَنا زُهَيْرٌ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمانَ العَرْزَمي، عَنْ عَطاءٍ، عَنْ يَعْلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- رَأى رَجُلًا يَغْتَسِلُ بِالبَرازِ بِلا إِزارٍ فَصَعِدَ المِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قالَ -ﷺ-: "إِنَّ اللَّهَ ﷿ حَيي سِتِّيرٌ يُحِبُّ الحَياءَ والسَّتْرَ فَإِذا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ" (١).
٤٠١٣ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْن أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ، حَدَّثَنا الأَسْوَدُ بْن عامِرٍ، حَدَّثَنا أَبُو بَكْرٍ بْنُ عيّاشٍ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمانَ، عَنْ عَطاءٍ، عَنْ صَفْوانَ بْنِ يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبي -ﷺ- بهذا الحَدِيثِ. قالَ أَبُو داوُدَ: الأَوَّلُ أَتَمُّ (٢).
٤٠١٤ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكٍ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ زُرْعَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَزهَدٍ، عَنْ أَبِيهِ -قالَ: كانَ جَرْهَدٌ هذا مِنْ أَصْحابِ الصُّفَّةِ- قالَ: جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عِنْدَنا وَفَخِذي مُنْكَشِفَةٌ فَقالَ: "أَما عَلِمْتَ أَنَّ الفَخِذَ عوْرةٌ" (٣).
٤٠١٥ - حَدَّثَنا عَلي بْنُ سَهْلٍ الرَّمْلي، حَدَّثَنا حَجّاجٌ، عَنِ ابن جُرَيْجٍ، قالَ: أُخْبِرْتُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثابِتٍ، عَنْ عاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلي -﵁-، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لا تَكْشِفْ فَخِذَكَ وَلا تَنْظُرْ إِلَى فَخِذِ حَي وَلا ميِّتٍ".
قالَ أَبُو داوُدَ: هذا الحَدِيثُ فِيهِ نَكارَةٌ (٤).
* * *
_________________
(١) رواه النسائي ١/ ٢٥٠، وأحمد ٤/ ٢٢٤. وصححه الألباني.
(٢) انظر السابق.
(٣) رواه الترمذي (٢٧٩٨)، وأحمد ٣/ ٤٧٨. وصححه الألباني "صحيح الجامع" (١٦٨٣).
(٤) رواه ابن ماجه (١٤٦٠)، وأحمد ١/ ١٤٦. وضعفه الألباني "ضعيف الجامع" (٦١٨٧).
[ ١٦ / ١٦٣ ]
[٤٠١٢] (حدثنا عبد اللَّه بن محمد بن نفيل) النفيلي (ثنا زهير) (١) بن معاوية (عن عبد الملك بن أبي سليمان العَرْزَمِيِّ) بفتح العين المهملة وسكون الراء وفتح الزاي ثم ميم، نسبة إلى عرزم قبيلة من فزارة، نزلوا في جبانة عرزم بالكوفة، فنسبوا إليها، الكوفي. قال أحمد: ثقة، يخطئ، من أحفظ أهل الكوفة (٢)، رفع أحاديث.
(عن عطاء) بن أبي رباح (عن يعلى) (٣) بن أمية التميمي، حليف قريش، شهد حنينًا والطائف وتبوك، وأسلم يوم الفتح، حمل عائشة على جمل يقال له: عسكر. كان اشتراه بمائتي دينار (٤).
(أن رسول اللَّه -ﷺ- رأى رجلًا يغتسل بالبَرَاز بلا إزار) بفتح الموحدة، هو الفضاء الواسع.
(فصعِد) بكسر العين (المِنْبَر) بكسر الميم، ليكون أبلغ في سماع كلامه (فحمِد) بكسر الميم (اللَّه تعالى، وأثنى عليه) بما هو أهله سبحانه، وفيه استحباب الابتداء بحمد اللَّه لكل خطيب وواعظ.
(ثم قال) نبي اللَّه (-ﷺ-: إن اللَّه تعالى حَيِيٌّ) بكسر الياء الأولى، والحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به ويذم (٥)، والتغير لا يعقل إلا في حق الجسم، لكنه لوروده في الحديث يُؤول
_________________
(١) فوقها في (ل)، (ح): (ع).
(٢) انظر: "التاريخ الكبير" ١٨/ ٣٢٤ (٣٥٣٢).
(٣) بعدها في (ل)، (م): عن صفوان بن يعلى.
(٤) انظر: "الاستيعاب" ٤/ ١٤٧.
(٥) انظر: "فتح الباري" ١/ ٥٢.
[ ١٦ / ١٦٤ ]
وجوبًا بما هو قانون في أمثال هذِه الأشياء، أن كل صفة ثبتت للعبد مما يختص بالأجسام، فإذا وصف اللَّه بذلك فذاك محمول على نهايات الأعراض لا على بدايات الأعراض، مثاله أن الحياء حالة تحصل للإنسان لكن لها مبدأ ومنتهى، أما المبدأ فهو التغير الجسماني الذي يلحق الإنسان من خوف أن ينسب إلى القبيح، وأما النهاية فهي أن يترك الإنسان ذلك الفعل، فإذا ورد الحياء في حق اللَّه فليس المراد منه ذلك الخوف الذي هو مبدأ الحياء ومقدمته، بل ترك الفعل الذي هو منتهاه وغايته.
وكذلك الغضب له مقدمة، وهي غليان دم القلب، وشهوة الانتقام، وله غاية وهو إنزال العقاب بالمغضوب عليه (١).
(سِتِّير) بكسر السين، أي: يحب الحياء والستر، أو هو فعيل بمعنى فاعل، أي: من شأنه وإرادته حب الستر والصون، أو هو فعيل بمعنى مفعول، أي: هو مستور عن العيون في الدنيا.
_________________
(١) ما ذكره المصنف من التأويلات لصفتي الحياء والستر، ومعهم صفة الغضب، ليس بمستغرب؛ إذ ظهر من كلامه -﵀- أنه أشعري العقيدة، ولكن الحق أن يتبع؛ فنقول: الصحيح من مذهب سلف الأمة وخلفها من لدن الصحابة إلى اليوم أن للَّه ﷾ أسماء وصفات لا تماثل صفات المخلوقين بحال كما يزعم المشبهة، ومع ذلك فله كيفية ومعنى، ونحن نعلم المعنى ونجهل الكيفية ونثبتها على الوجه اللائق به ﷿. وقد توافرت الأدلة -غير هذا الدليل- على إثبات هذِه الصفات للَّه ﷿، إلا أن المقام لا يتسع لذكرها. انظر: "الأسماء والصفات" للبيهقي ٢/ ٤٣٣، "مجموع الفتاوى" لشيخ الإسلام ٤/ ١٨١، "النهج الأسنى في شرح أسماء اللَّه الحسنى" ٣/ ٩٩، ١١٥.
[ ١٦ / ١٦٥ ]
(يحب الحياء والسَّتر) بفتح السين، أي: يحب من فيه الحياء، ولهذا جاء في الحديث: "الحياء من الإيمان" (١) ويحب الستر. وفي الحديث المتقدم: "من ستر مسلمًا ستره اللَّه" (٢). وفي حديث ماعز: "ألا سترته بثوبك" (٣) إنما قال (٤) ذلك حبًّا لإخفاء الفضيحة وكراهيةً لإشاعتها.
(وإذا اغتسل أحدكم فليستتر) فيه دليل لما قاله أصحابنا وغيرهم أن من اغتسل بحضرة الناس وجب عليه ستر عورته، فإن كان خاليًا جاز الغسل مكشوف العورة، والتستر أفضل، هذا مذهبنا (٥)، ونقل القاضي عياض جواز الاغتسال عريانًا في الخلوة عن جماهير العلماء (٦) لحديث البخاري أن موسى اغتسل عريانًا، فذهب الحجر بثوبه (٧)، وأن أيوب كان يغتسل عريانًا (٨)، وهذان الحديثان مفرعان على الاحتجاج بشرع من قبلنا.
[٤٠١٣] (حدثنا محمد بن أحمد بن أبي خلف) البغدادي، شيخ مسلم (ثنا الأسود بن عامر) شاذان البغدادي.
_________________
(١) رواه البخاري (٢٤)، ومسلم (٣٦) من حديث ابن عمر.
(٢) رواه البخاري (٢٤٤٢)، ومسلم (٢٥٨٠) من حديث ابن عمر.
(٣) يأتي برقم (٤٣٧٧) ورواه أيضًا أحمد ٥/ ٢١٦، ٢١٧، والنسائي في "الكبرى" ٤/ ٣٠٦ - ٣٠٧.
(٤) في (ل)، (م): كان.
(٥) انظر: "روضة الطالبين" ١/ ٩٠.
(٦) "إكمال المعلم" ٧/ ١٧٥.
(٧) رواه البخاري (٢٧٨)، ومسلم (٣٣٩) من حديث أبي هريرة.
(٨) رواه البخاري (٧٤٩٣) من حديث أبي هريرة.
[ ١٦ / ١٦٦ ]
(ثنا أبو بكر بن عياش، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن صفوان بن يعلى، عن أبيه) يعلى بن أمية (عن النبي -ﷺ- بهذا الحديث) المذكور.
(قال) المصنف (و) الحديث (الأول أتم) من هذا.
[٤٠١٤] (حدثنا عبد اللَّه بن مسلمة) القعنبي (عن مالك، عن أبي النضر) سالم بن أبي أمية المدني (عن زرعة) بضم الزاي أوله (بن عبد الرحمن بن جرهد) بفتح الجيم والهاء.
(عن أبيه) عبد الرحمن بن جرهد، قال المنذري: رواه بعضهم عن زرعة عن أبيه، عن جده، وذكر البخاري في "التاريخ الكبير" الاختلاف فيه (١)، وقال في "الصحيح": حديث أنس أسند، وحديث جرهد أحوط (٢). يشير إلى حديث أنس بن مالك قال: حسر النبي -ﷺ- عن فخذه (٣). ومعنى قول البخاري: أسند. أي: أحسن إسنادًا من حديث جرهد، ومعنى: أحوط: أقرب إلى التقوى.
وأخرج الترمذي هذا الحديث في "جامعه" من حديث سفيان بن عيينة، عن أبي النضر، عن زرعة، عن جده جرهد، وقال: حديث حسن، ما أرى إسناده بمتصل (٤)!
(قال:) و(كان جرهد) بن خويلد الأسلمي المدني الصحابي (٥) (من أصحاب الصفة) وهو موضع مظلل من مسجد رسول اللَّه -ﷺ-، كان يأوي
_________________
(١) "التاريخ الكبير" ٢/ ٢٤٩.
(٢) "صحيح البخاري" قبل حديث (٣٧١).
(٣) "مختصر سنن أبي داود" ٦/ ١٧ - ١٨. والحديث رواه البخاري (٣٧١).
(٤) "سنن الترمذي" (٢٧٩٥).
(٥) انظر: ترجمته في "الاستيعاب" ١/ ٣٣٥.
[ ١٦ / ١٦٧ ]
إليه المساكين؛ لأنهم كانوا غرباء لا منازل لهم. وقيل: سموا أصحاب الصفة؛ لأنهم كانوا يصفون (١) على أبواب المساجد (أنه قال: جلس رسول اللَّه -ﷺ- عندنا) على الصفة، وفيه (٢) فضيلة الجلوس إلى المساكين وتعليمهم أمور دينهم.
(وفَخِذي) بكسر الخاء (منكشفة، فقال: أما علمت) يا جرهد (أن الفخذ عورة) وفيه حجة لمذهب الشافعي (٣) وموافقيه أن الفخذ عورة. فإن قيل: ما الجواب عن حديث أنس (٤) الذي جعله البخاري أحسن سندًا؟ فالجواب أنه محمول على أنه حسر عن النبي -ﷺ- بغير اختياره بسبب ازدحام الناس عليه، ويدل على ذلك مس ركبة أنس فخذه -ﷺ-.
[٤٠١٥] (حدثنا علي بن سهل) بن قادم (الرملي) قال النسائي: هو نسائي ثقة، سكن الرملة (٥).
(ثنا حجاج) بن محمد الأعور (عن) عبد الملك (ابن جريج قال: أخبرت عن حبيب (٦) بن أبي ثابت) الأسدي مولاهم الكوفي.
(عن عاصم بن ضمرة) السلولي، وثقه يحيى بن معين (٧) وعلي بن المديني، قال أبو حاتم في "العلل": إن الواسطة بينهما هو الحسن بن ذكوان. قال: ولا تثبت لحبيب رواية عن عاصم (٨). وكذا قال ابن
_________________
(١) في (ل)، (م): يصطفون.
(٢) ساقطة من (ل)، (م).
(٣) "الأم" ٨/ ٣٣، وانظر: "نهاية المطلب" ٢/ ١٩٣.
(٤) رواه البخاري (٣٧١).
(٥) انظر: "تهذيب الكمال" ٢٠/ ٤٥٤.
(٦) فوقها في (ل)، (ح): (ع).
(٧) "تاريخ ابن معين" رواية الدارمي ص ١٤٩ (٥١٦).
(٨) "العلل" (٢٣٠٨).
[ ١٦ / ١٦٨ ]
معين: إن حبيبًا (١) لم يسمع من عاصم، وبين البزار أن بينهما عمرو بن خالد الواسطي، فهو الواسطة.
(عن علي -﵁-: قال رسول اللَّه -ﷺ-: لا تكشف فخذك) فيه النهي عن كشف الفخذ؛ لأنه عورة، ويدل عليه رواية الدارقطني والبيهقي: عورة الرجل ما بين سرته إلى ركبته (٢).
(ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت) فيه أن الفخذ من الحي والميت عورة، فلا ينظر الغاسل من بدن الميت إلا بقدر الحاجة؛ لأنه عورة، وغير الغاسل أولى بمنع النظر، وحكم المس حكم النظر، بل أولى؛ لأنه أبلغ، فلو وقعا منه بغير شهوة في غير العورة لم يحرم، بل هو تارك الأولى. وقيل: ارتكب المكروه، وأما النظر إلى تحريمها فلا شك فيه.
(قال:) المصنف (هذا الحديث فيه نكارة) الظاهر أن النكارة من جهة الانقطاع المذكور، فإن رجال إسناده ثقات، وقد زال الانقطاع بواسطة الحسن بن ذكوان كما قال أبو حاتم، أو عمرو بن خالد كما ذكره البزار، والحسن بن ذكوان البصري أخرج له البخاري في الرقاق من "الصحيح" (٣)، وعمرو بن خالد الحراني المصري أخرج له البخاري في الإيمان والتفسير.
* * *
_________________
(١) في النسخ الخطية: حبيب والجادة ما أثبتناه.
(٢) "سنن الدارقطني" ١/ ٤٣١، "سنن البيهقي" ٢/ ٢٢٨ من حديث عبد اللَّه بن عمرو.
(٣) "صحيح البخاري" (٦٥٦٦).
[ ١٦ / ١٦٩ ]