٣٩٢٩ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قالا: حَدَّثَنا اللَّيْثُ، عَنِ ابن شِهابٍ، عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ بَرِيرَةَ جاءَتْ عائِشَةَ تَسْتَعِينُها في كِتابَتِها، وَلَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْ كِتابَتِها شَيْئًا فَقالَتْ لَها عائِشَة: ارْجِعي إِلَى أَهْلِكِ فَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ أَقْضي عَنْكِ كِتابَتَكِ وَيَكُونَ وَلاؤُكِ لي فَعَلْتُ. فَذَكَرَتْ ذَلِكَ بَرِيرَةُ لأَهُلِها فَأَبَوْا وَقالُوا إِنْ شاءَتْ أَنْ تَحْتَسِبَ عَلَيْكِ فَلْتَفْعَلْ وَيَكُونَ لَنا وَلاؤُكِ. فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقالَ لَها رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "ابْتاعي فَأَعْتِقي فَإِنَّما الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ". ثُمَّ قامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقالَ: "ما بالُ أُناسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ في كِتابِ اللَّهِ مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ في كِتابِ اللَّهِ فَلَيْسَ لَهُ وَإِنْ شَرَطَهُ مِائَةَ مَرَّةٍ شَرْطُ اللَّهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ" (١).
٣٩٣٠ - حَدَّثَنا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا وُهَيْبٌ، عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عائِشَةَ ﵂ قالَتْ: جاءَتْ بَرِيرَةُ لِتَسْتَعِينَ في كِتابَتِها فَقالَتْ إِنّي كاتَبْتُ أَهْلي عَلَى تِسْعِ أَواقٍ في كُلِّ عامٍ أُوقيَّةٌ فَأَعِينِينَي. فَقالَتْ: إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّها عَدَّةً واحِدَةً وَأُعْتِقَكِ وَيَكُونَ وَلاؤُكِ لي فَعَلْتُ. فَذَهَبَتْ إِلَى أَهْلِها وَساقَ الحَدِيثَ نَحْوَ الزُّهْري زادَ في كَلامِ النَّبي -ﷺ- في آخِرِهِ: "ما بالُ رِجالٍ يَقُولُ أَحَدُهُمْ: أَعْتِقْ يا فُلانُ والوَلاءُ لي إِنَّما الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ" (٢).
٣٩٣١ - حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيَى أَبُو الأَصْبَغِ الحَرّاني حَدَّثَني مُحَمَّدٌ -يَعْني ابن سَلَمَةَ- عَنِ ابن إِسْحاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عائِشَةَ ﵂ قالَتْ: وَقَعَتْ جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الحارِثِ بْنِ المُصْطَلِقِ في سَهْمِ ثابِتِ ابْنِ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ أَوِ ابن عَمٍّ لَهُ فَكاتَبَتْ عَلَى نَفْسِها وَكانَتِ امْرَأَةً مَلَّاحَةً تَأْخُذُها
_________________
(١) رواه البخاري (٤٥٦)، ومسلم (١٥٠٤).
(٢) رواه البخاري (٢١٦٨)، ومسلم (١٥٠٤).
[ ١٦ / ١٣ ]
العَيْنُ. قالَتْ عائِشَةُ ﵂: فَجاءَتْ تَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- في كِتابَتِها، فَلَمّا قامَتْ عَلَى البابِ فَرَأَيْتُها كَرِهْتُ مَكانَها، وَعَرَفْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- سَيَرى مِنْها مِثْلَ الذي رَأَيْتُ، فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ أَنا جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الحارِثِ وِإِنَّما كانَ مِنْ أَمْري ما لا يَخْفَى عَلَيْكَ، وإِنّي وَقَعْتُ في سَهْمِ ثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ، وِإِنّي كاتَبْتُ عَلَى نَفْسي فَجِئْتُكَ أَسْأَلُكَ في كِتابَتي.
فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "فَهَلْ لَكِ إلى ما هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ". قالَتْ: وَما هُوَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: "أُؤَدّي عَنْكِ كِتابَتَكِ وَأَتَزَوَّجُكِ". قالَتْ: قَدْ فَعَلْتُ قالَتْ: فَتَسامَعَ -تَعْني النَّاسَ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ تَزَوَّجَ جُوَيْرِيةَ فَأَرْسَلُوا ما في أَيْدِيهِمْ مِنَ السَّبْى فَأَعْتَقُوهُمْ وَقالُوا: أَصْهارُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَما رَأَيْنا امْرَأَهَ كانَتْ أَعْظَمَ بَرَكَةً عَلَى قَوْمِها مِنْها أُعْتِقَ في سَبَبِها مِائَةُ أَهْلِ بَيْتٍ مِنْ بَني المُصْطَلِقِ.
قالَ أَبُو داوُدَ: هذا حُجَّةٌ في أَنَّ الوَلي هُوَ يُزَوِّجُ نَفْسَهُ (١).
* * *
باب في بيع المكاتب إذا فسخت الكتابة
[٣٩٢٩] (حدثنا عبد اللَّه بن مسلمة) القعنبي (وقتيبة بن سعيد قالا: حدثنا الليث عن ابن شهاب) الزهري (عن عروة) بن الزبير.
(أن عائشة ﵂ أخبرته أن بريرة) وفي اسمها سؤال، وهو أنه ثبت في "الصحيح" أن جويرية زوج النبي -ﷺ- كان اسمها برة فغير النبي
_________________
(١) رواه أحمد ٦/ ٢٧٧، وابن سعد في "طبقاته" ٨/ ١١٦، وإسحاق بن راهويه في "مسنده" ٢/ ٢١٦ (٧٢٥)، وأبو يعلى في "مسنده" ٨/ ٣٧٣ (٤٩٦٣)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" ٣/ ٢١، وابن حبان في "صحيحه" (٤٠٥٤) و(٤٠٥٥)، والطبراني في "الكبير" ٢٤/ ٦٠ (١٥٩)، والحاكم في "المستدرك" ٤/ ٢٦، والبيهقي في "السنن" ٩/ ٧٤ - ٧٥.
[ ١٦ / ١٤ ]
-ﷺ- اسمها إلى جويرية (١). وكذلك غير أيضًا اسم برة بنت أبي سلمة (٢)، وبرة بنت جحش (٣)، فسمى كل واحدة منهما زينب.
وقال: "لا تزكوا أنفسكم، اللَّه أعلم بأهل البر منكم" (٤) ولم يغير ﵇ اسم بريرة مع أنها على بنية من أبنية المبالغة، وهي فعيلة بخلاف برة، فكانت على هذا المعنى بالتغيير أولى، وجوابه أن يقال: هذا السؤال مغالطة، وقائله يخدع بها من ليس له اعتناء باللغة، فإن لفظ بريرة ليس مما نحن (٥) بصدده؛ لأنه اسم جامد في الأصل غير صفة، وهي واحدة البرير، والبرير ثمر الأراك، فليس من اللغة في شيء، فلذلك لم يغيره ﵇ (٦).
(جاءت عائشة ﵂ تستعينها) أي: تستعين بها (في كتابتها) والكتابة هي: العقد المشهور بين العبد وسيده، فإما أن يكون مأخوذًا من كتابة الخط؛ لوجودها عند العقد، وإما من معنى الإلزام كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (٧) لإلزام كل واحد من السيد والعبد بما شرط من العتق والأداء اللذين تكاتبا عليه (ولم تكن قضت من كتابتها شيئًا) ورواية الصحيحين عن عائشة:
_________________
(١) رواه مسلم (٢١٤٠) من حديث ابن عباس.
(٢) رواه مسلم (٢١٤٢).
(٣) رواه البخاري (٦١٩٢)، ومسلم (٢١٤١).
(٤) مسلم (٢١٤٢/ ١٩).
(٥) بعدها في (ح): فيه.
(٦) انظر: "فتح الباري" ٥/ ١٨٨.
(٧) النساء: ١٠٣.
[ ١٦ / ١٥ ]
جاءتني بريرة فقالت: كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية، فأعينيني (١). وسيأتي.
(فقالت لها عائشة: ارجعي إلى أهلك) المراد هنا بأهلها مواليها، وللأهل إطلاقات كثيرة، كما يقال: أهل القرآن، أي: حفظته، وأهل الرجل زوجته وعياله، وأهل اللَّه المشغولون بعبادته كما يشتغل الرجل بأهله عمن سواهم.
(فإن أحبوا أن أقضي عنك كتابتك) مَنْ منع بيعَ المكاتب، كما تقدم عن الشافعي وغيره يحتاج إلى تأويل بيع بريرة، وهي مكاتبة، ومن أجاز بيعه للعتق لا للخدمة يقول: إن عائشة اشترت بريرة للعتق، ومن يجيز بيع كتابة المكاتب يقول: لعلها اشترت كتابتها. ويحتج بقول عائشة: (فإن أحبوا أن أقضي عنك كتابتك) فإن هذا ظاهر في أنها لم تشتر الرقبة، ومن يمنع بيع المكاتب وكتابته، يقول: عجزت ورضيت بالبيع. فلهذا اشترتها عائشة.
(ويكون ولاؤك لي فعلت) والولاء بفتح الواو والمد، مأخوذ من الولي، بسكون اللام مع فتح الواو، وهو القرب، والمراد به هنا: وصف حكمي ثبت عنه ثبوت حق الإرث من العتيق الذي لا وارث له من جهة نسب أو زوجية أو الفاضل عن ذلك، وقد كانت العرب تبيع هذا الحق وتهبه، فنهى الشرع عنه كما سيأتي.
(فذكرت ذلك بريرة لأهلها فأبوا) من ذلك (وقالوا: إن شاءت أن
_________________
(١) "صحيح البخاري" (٢١٦٨)، "صحيح مسلم" (١٥٠٤/ ٨).
[ ١٦ / ١٦ ]
تحتسب عليك) الاحتساب هنا كناية عن الصدقة، والمعنى أنها تحتسب بأجرها عند اللَّه تعالى (فلتفعل) ذلك ويسقط ولاؤها (ويكون لنا ولاؤك) كانت العرب تسقط الولاء وتبيعه وتهبه، فنهى الشرع عنه؛ لأن الولاء كالنسب ولحمته كلمة النسب (١)، فلا يقبل الزوال بالإزالة. (فذكرت ذلك لرسول اللَّه -ﷺ-، فقال لها رسول اللَّه -ﷺ-: ابتاعي) منهم الجارية (فأعتقي) (٢) بفتح الهمزة (فإنما) كلمة (إنما) تقتضي الحصر. أي: حصر ثبوت (الولاء) للمعتق (لمن أعتق) ونفيه عن غيره، والحصر في (إنما) فائدة جليلة عند معظم أهل الأصول في الحصر بالحكم، وإذا ثبت أنها للحصر اقتضى ذلك أمرين: أحدهما: ثبوت الولاء في سائر العتق كالكتابة والتدبير والتعليق بالصفة، ونحو ذلك. والثاني: بطلان الولاء بالحلف والموالاة، وإسلام الرجل على يد الرجل، والتقاط اللقيط.
_________________
(١) وهو حديث رواه ابن حبان (٤٩٥٠)، والطبراني في "الأوسط" ٢/ ٨٢، والحاكم ٤/ ٣٤١، والبيهقي في "الكبرى" ١٠/ ٢٩٢، جميعهم من حديث ابن عمر عن النبي -ﷺ- قال: "الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب". قال الحاكم: صحيح الإسناد لم يخرجاه. وقال البيهقي ٦/ ٢٤٠ بعد روايته عن الحسن مرسلًا: وروي هذا موصولًا عن ابن عمر وليس بصحيح، ورواه عبد الرزاق ٩/ ٥ (١٦١٤٩) عن ابن المسيب مرسلًا، والبيهقي في "الكبرى" ٦/ ٢٤٠ عن الحسن مرسلًا، وابن أبي شيبة ١٠/ ٥٩٧ (٢٠٨٤٥) عنهما -محمد والحسن- قال البيهقي في "الكبرى" ١٠/ ٢٩٢: وقد روي من أوجه أخر كلها ضعيفة.
(٢) في حاشية (ح) وصلب (ل)، (م): رواية، وأعتقي.
[ ١٦ / ١٧ ]
(ثم قام رسول اللَّه -ﷺ- فقال:) فيه: القيام للخطبة (ما بال أناس) أي: ما حالهم. والبال من الألفاظ المشتركة تفسر في كل موضع بما يليق به (يشترطون شروطًا) الشروط جمع شرط، والشرط لغة مخفف من الشرط بفتح الراء وهوالعلامة [وجمعه أشراط] (١)، وأما في الاصطلاح فله إطلاقات: أحدها: الشرط المعنوي، وهو ما يلزم من عدمه عدم مشروطه، ولا يلزم من وجوده وجوده ولا عدمه. والثاني: الشرط اللغوي، وهو ما يؤتى فيه بصيغ التعليق نحو (إن) و(إذا) وغيرهما. قال القرافي وغيره: الشروط اللغوية أسباب بوضع المعلق يلزم وجودها الوجود ومن عدمها العدم (٢).
والثالث: جعل شيء قيدًا لآخر كشرط عليه في بيعه كذا وفي إجارته كذا ونحو ذلك، وهو المراد هنا.
(ليست في كتاب اللَّه [من اشترط شرطا ليس في كتاب اللَّه]) (٣) أي: في حكم اللَّه الذي كتبه على عباده وشرعه لهم. وقيل: المراد بكتاب اللَّه القرآن (فليس له) به حق (وإن شرطه مائة شرط) كأنه من باب قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ (٤) ومعناه -واللَّه أعلم- أنه لو شرط مائة شرط كان باطلًا، وهو تأكيد لما قبله (شرط اللَّه أحق و) كتاب اللَّه (أوثق) معناه شرط اللَّه الذي شرعه وجعله شرطًا هو أحق أن يتبع من
_________________
(١) ما بين المعقوفتين ساقط من (ل)، (م)، وبعدها في (ح): وهو العلامة.
(٢) "شرح تنقيح الفصول" ١/ ٨٥.
(٣) ما بين المعقوفتين ساقط من (ح).
(٤) التوبة: ٨٠.
[ ١٦ / ١٨ ]
الشروط الباطلة، وكتاب اللَّه تعالى الذي أنزله أوثق، أي: أقوى، والمراد أنه قوي وما سواه واهٍ، فأفعل التفضيل فيه وفيما قبله ليست على بابها.
[٣٩٣٠] (حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا وهيب، عن هشام بن عروة، عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة ﵂ قالت: جاءت بريرة) مولاتها (لتستعين) بما تدفعه إليها (في كتابتها فقالت: إني كاتبت أهلي) أي: مواليَّ، وهم بعض بني هلال كانوا كاتبوها ثم باعوها لعائشة ثم عتقت تحت زوجها مغيث، فخيرها رسول اللَّه -ﷺ-.
(على تسع أواقي) (١) جمع أوقية، وهي أربعون درهمًا كما تقدم، قال في "الصحاح": فأما اليوم فيما يتعارفه الناس ويقدر عليه الأطباء بوزن عشرة دراهم وخمسة أسباع درهم، وهو إستار وثلثا إستار (٢). انتهى. فالإستار على هذا ستة دراهم وثلاثة أسباع درهم.
واعلم أن البخاري أخرج رواية تعليقًا أن بريرة دخلت عليها تستعينها في كتابتها وعليها خمس أواق نجمت عليها في خمس سنين (٣). ورجح القرطبي رواية تسع التي ذكرها المصنف؛ لأن هشامًا أثبت في حديث أبيه وجدته من الأجانب (٤).
قال: ويحتمل أن تكون هذِه الخمس الأواقي هي التي استحقت
_________________
(١) في حاشية (ح) وصلب (ل)، (م): نسخة أواقٍ.
(٢) "الصحاح" ٦/ ٢٥٢٨.
(٣) البخاري (٢٥٦٠).
(٤) في (ل)، (م): الأحاديث.
[ ١٦ / ١٩ ]
عليها بحلول نجومها من جملة التسع (١). وقال غيره: لولا ما روي أنها لم تكن أدت من كتابتها شيئًا كما تقدم في رواية المصنف يجمع بينهما بأن يكون أصل الكتابة تسعًا، ولكن الباقي وقت استعانتها بعائشة خمس.
(في كل عام أوقية) بضم الهمزة، ووقع في بعض نسخ مسلم المعتمدة: وقية (٢). بغير ألف وهي لغة، وإثبات الألف أفصح. (فأعينيني) على كتابتي (فقلت: إن أحب أهلك أن أعدها) لهم (عدة واحدة) فيه: جواز الكتابة على الدراهم المعلومة بالعدد، وأن الدراهم كانت معاملة الناس بها على عهد النبي -ﷺ- بالعدد دون الوزن (وأعتقك) بضم الهمزة، أجاز بعضهم بيع المكاتب للعتق لا للاستخدام، وفي بيع العبد القن بشرط العتق من مشتريه اختلاف بين العلماء، أجازه مالك (٣) والشافعي (٤) ومنعه أبو حنيفة (٥).
(ويكون ولاؤك لي) كما كان (فعلت. فذهبت إلى أهلها) وذكرت ذلك لأهلها، فأبوا (وساق الحديث) المذكور (نحو) حديث (الزهري).
و(زاد في كلام النبي -ﷺ- في آخره: ما بال رجال يقول أحدهم: أعتق) بفتح الهمزة، (يا فلان) هذا الرقيق (والولاء لي) الظاهر أن هذا يقوله
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٣٢١.
(٢) "صحيح مسلم" (٧١٥/ ١١٣) كتاب الطلاق، باب بيع البعير واستثناء ركوبه، و"صحيح البخاري" (٢١٦٨، ٢٥٦٣). وانظر: "شرح النووي على مسلم" ١٠/ ١٤٥.
(٣) "البيان والتحصيل" ٧/ ٢٥٩.
(٤) انظر: "نهاية المطلب" ٥/ ٣٧٧.
(٥) انظر: "المبسوط" ١٣/ ١٤١.
[ ١٦ / ٢٠ ]
البائع للمشتري الذي يدفع الثمن: أعتق ما اشتريته مني ويبقى الولاء مستمر لي.
فأبطل النبي -ﷺ- ذلك بقوله: (إنما الولاء لمن أعتق) أجمع المسلمون على ثبوت الولاء لمن أعتق عبده أو أمته عن نفسه، وأنه يرث به (١). وأما العتيق فلا يرث سيده عند الجماهير. وقال جماعة من التابعين: يرثه. كعكسه.
وفي حصر الحديث دلالة على أنه لا ولاء لمن أسلم على يديه، ولا لملتقط اللقيط ولا بالمخالفة.
[٣٩٣١] (حدثنا عبد العزيز بن يحيى أبو الأصبغ) بالباء الموحدة والغين المعجمة (الحراني) بالحاء المهملة وبعد الألف نون، ثقة، توفي سنة خمس وثلاثين ومائتين.
(حدثني محمد بن سلمة، عن) محمد (ابن إسحاق) صاحب "المغازي" (عن محمد (٢) بن جعفر بن الزبير) بن العوام الأسدي (عن) عمه (عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂ قالت: وقعت جويرية) بنت الحارث بن أبي ضرار بن حبيب بن عائذ بن مالك بن جذيمة، وجذيمة هو (المصطلق) بفتح الطاء وكسر اللام من خزاعة.
(في سهم ثابت بن قيس بن شماس) بفتح الشين المعجمة والميم المشددة، وكان خطيب النبي -ﷺ-، استشهد باليمامة سنة إحدى عشرة،
_________________
(١) "الإجماع" لابن المنذر ١/ ٧٥، "الأوسط" ٧/ ٥٣٨.
(٢) فوقها في (ح)، (ل): (ع).
[ ١٦ / ٢١ ]
وكانت قبل أن تسبى (١) تحت ابن عم لها يقال له مسافع بن صفوان بن [ذي] (٢) الشفر بن أبي السرح بن مالك بن جذيمة بن المصطلق (أو) في سهم (ابن عم له) والمشهور أنه ثابت، واقتصر عليه جماعة.
(فكاتبت) ثابتًا (على نفسها وكانت) جويرية (امرأة ملاحة) بضم الميم وتشديد اللام. أي: كثيرة الملاحة والحسن، وفعال بضم الفاء وتشديد اللام، مبالغة في فعيل نحو كريم وكرام، وكبير وكبار، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢)﴾ (٣) وقال الشماخ:
يا ظبية عطلا حسانة الجيد (٤)
أي: كانت مليحة حلوة لا يكاد يراها أحد إلا وقعت في قلبه وأخذت بنفسه (تأخذها العين) أي: تحب العين دوام النظر إليها، وتكره انقطاع رؤيتها (قالت عائشة ﵂: فجاءت تسأل رسول اللَّه -ﷺ-) أن يعينها (في كتابتها) التي كاتبت ثابتًا (٥) عليها (فلما قامت على الباب فرأيتها كرهت) بسكون الهاء وضم تاء المتكلم (مكانها) وفي رواية ذكرها ابن عبد البر: قالت: فواللَّه ما هو إلا أن رأيتها على باب الحجرة فكرهتها (٦).
_________________
(١) بياض في (م).
(٢) ما بين المعقوفتين ساقط من النسخ، والمثبت من كتب السير.
(٣) نوح: ٢٢.
(٤) نسبه له الخليل في "العين" ٢/ ٩، والخطابي في "غريب الحديث" ١/ ١١٦، ٢٦٤، والجوهري في "الصحاح" ٥/ ٢٠٩٩. وانظر: "معالم السنن" ٤/ ٦٢.
(٥) في النسخ الخطية: (ثابت) والمثبت هو الصواب.
(٦) "الاستيعاب" ٤/ ٣٦٧.
[ ١٦ / ٢٢ ]
(وعرفت أن رسول اللَّه -ﷺ- سيرى منها) أي: من ملاحتها وحسنها (مثل الذي رأيت) منها (فقالت: يا رسول اللَّه، إني أنا جويرية بنت الحارث) المصطلقية (وإني كان من أمري) من الاسترقاق (ما لا يخفى عليك (١) وإنا كان من أمرنا وإني وقعت في سهم) أي: نصيب (ثابت بن قيس بن شماس) خطيب العرب، أو لابن عم له، وقد أصابني كان الأمر ما لم يخف عليك (وإني كاتبت) ثابتًا (على نفسي) فيه: دليل على جواز كتابة الأنثى وذات الزوج من الإماء ودخولهن في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ﴾ (٢) وإنه لا حق للزوج في منعها كما في قضية بريرة.
(فجئت أسألك) أن تعيينني بشيء (في كتابتي) لثابت بن قيس (فقال) لها (رسول اللَّه -ﷺ-:) عندما رآها ورأى منها ما رأته عائشة منها (فهل لك إلى) فعل (ما هو خير) لك من هذا الذي ذكرت، وأنفع لك (منه؟ قالت: وما هو يا رسول اللَّه؟ قال: أؤدي عنك) أي: أقضي عنك لثابت مال (كتابتك وأتزوجك) وهذا هو الذي كرهته عائشة وخافت من وقوعه.
وفيه: دليل على جواز كتابة الأمة (٣). وفيه: أن مال الكتابة يكون في الذمة. وفيه: جواز أداء دين المديون بإذنه، وأن الدين ينتقل إلى المؤدي، يطالب به ويتعوض عنه عرضًا أو غيره، وأنه يجوز أن يكون صداقًا للدافع
_________________
(١) بعدها في النسخ الخطية: نسخة: وإنا كان من أمرنا.
(٢) النور: ٣٣.
(٣) انظر: "شرح صحيح البخاري" لابن بطال ٧/ ٨٤، "التمهيد" ٢٢/ ١٦٢، "فتح الباري" ٥/ ١٩٢.
[ ١٦ / ٢٣ ]
على المكاتبة، وأن الزوجة إذا كان في ذمتها مال يجوز أن يتزوجها ويقاصها بصداقها عما في ذمتها (قالت: قد فعلت) قد يؤخذ منه أنه يجوز نكاحه -ﷺ-، وينعقد بلا ولي ولا شهود، إذ لو كان هنا ولي وشهود لنقل.
ويحتمل أنه دفع عنها مال كتابتها تبرعًا، وأنه تزوجها بلا مهر، إذ لو كان مال الكتابة صداقًا لقال: جعلت مال كتابتك صداقًا لك.
(قالت) عائشة (فتسامع الناس) وخرج الخبر إليهم [(أن رسول اللَّه -ﷺ- قد تزوج جويرية).
فيه: إشاعة خبر النكاح وإظهاره ولو بالدف والصوت] (١)؛ لرواية الترمذي عن محمد بن حاطب: "فصل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت" (٢)، (فأرسلوا) يعني الناس (ما في أيديهم من السبي) أي: من سبايا بني المصطلق (فأعتقوهم وقالوا) لأنهم قد صاروا (أصهار) بالرفع خبر مبتدأ محذوف، أي: هم أصهار (رسول اللَّه -ﷺ-) قال الخليل: الصهر: أهل بيت الزوجة (٣). وقال غيره: الصهر: ما كان من خلطة تشبه القرابة يحدثها التزويج (٤).
(فما رأينا) هذا من قول عائشة ﵂ (امرأة) تزوجت
_________________
(١) ما بين المعقوفتين ساقط من (م).
(٢) "سنن الترمذي" (١٠٨٨) ورواه أيضًا النسائي ٦/ ١٢٧، وأحمد ٤/ ٢٥٩. وانظر: "البدر المنير" ٩/ ٦٤٤.
(٣) انظر: "العين" ٤/ ٢٣٨.
(٤) انظر: "الفائق في غريب الحديث" ٢/ ٣٢٣، "النهاية في غريب الحديث والأثر" ٢/ ٣٢٣.
[ ١٦ / ٢٤ ]
و(كانت أعظم) بالنصب (بركة على قومها منها أعتق) بضم الهمزة وكسر التاء (في سبيها) (١) أي: في السبي التي كانت فيه بسبب تزويج رسول اللَّه -ﷺ- إياها (مائة أهل) بالإضافة (بيت) ورواية "جامع الأصول" عن أبي داود: أكثر من مائة أهل بيت (٢). وأهل بيت الرجل أولاده وأقاربه وأتباعه وزوجاته.
قال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ (٣) ففي الآية دليل بين على أن نساء النبي -ﷺ- من أهل بيته.
وذكر ابن سعد أن النبي كان مائتي بيت (٤) (من بني المصطلق) بكسر اللام كما تقدم، والمصطلق هو: جذيمة بن كعب من خزاعة، وتسمى غزوة المريسيع، والمريسيع ماء لهم بينه وبين الفرع نحو من يوم، وبين الفرع والمدينة ثمانية برد.
(قال) المصنف: و(هذا) الحديث (حجة في) أن (الولي هو يزوج نفسه) إذا أراد نكاح من لا ولي لها، وهو وجه عند الشافعية، نقله البلخي (٥). واختاره ابن المنذر من أصحابنا (٦)، وهو قول مالك (٧)
_________________
(١) في حاشية (ح) وصلب (ل)، (م): نسخة: بسبيها.
(٢) "جامع الأصول" ١١/ ٤١٩.
(٣) الأحزاب: ٣٣.
(٤) "الطبقات الكبرى" ٨/ ١١٦ وفيه: مائة أهل.
(٥) انظر: "روضة الطالبين" ٧/ ٧١.
(٦) "الأوسط" ٨/ ٣٠١.
(٧) "المدونة" ٢/ ١٠٨.
[ ١٦ / ٢٥ ]
وأبي حنيفة (١)، ورواية عن أحمد (٢).
ووجه الدليل أنه تزوج جويرية بغير ولي، ولما روى البخاري قال عبد الرحمن بن عوف لأم حكيم ابنة قارظ: أتجعلين أمرك إليَّ؟ قالت: نعم. قال: قد تزوجتك (٣). ولحديث صفية أن النبي -ﷺ- أعتقها وجعل عتقها صداقها (٤).
والمذهب عند الشافعي (٥)، وهو رواية عن أحمد (٦) أنه يوكل رجلًا يزوجه إياها بإذنها، والذي يوكله أن يزوجه من فوقه من الولاة، أو من هو مثله، وأجيب عن حديث الباب وما معه أن هذا من خصائصه -ﷺ-.
* * *
_________________
(١) انظر: "المبسوط" ٥/ ٩.
(٢) انظر: "الكافي" ٤/ ٢٣٦.
(٣) "صحيح البخاري" معلقا بصيغة الجزم قبل حديث (٥١٣١).
(٤) رواه البخاري (٣٧١، ٤٢٠٠)، ومسلم (١٣٦٥).
(٥) انظر: "الروضة" ٧/ ٧١.
(٦) انظر: "المغني" ٩/ ٣٧٤ - ٣٧٥.
[ ١٦ / ٢٦ ]