٣٩٠٣ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فارِسٍ، حَدَّثَنا نُوحُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ سيّارٍ، حَدَّثَنا إِبْراهِيمُ بْنُ سَعْدِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحاقَ، عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عائِشَةَ ﵂ قالَتْ: أَرادَتْ أُمِّي أَنْ تسَمِّنّي لِدُخولي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فلَمْ أَقْبَلْ عَلَيْها بِشَيء مِمّا تُرِيدُ حَتَّى أَطْعَمَتْني القِثّاءَ بِالرُّطَبِ، فَسَمِنْتُ عَلَيْهِ كَأَحْسَنِ السِّمَنِ (١).
* * *
باب في السمنة
السمنة بضم السين، وفي الحديث: "ويل للمسمنات يوم القيامة" (٢) أي: اللاتي يستعملن السمنة، وهو دواء تسمن به المرأة بالثمن الكثير؛ لتفتخر به على غيرها، أو لتحصل لها المنزلة الرفيعة في قلوب الرجال.
[٣٩٠٣] (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد اللَّه (بن فارس) الذهلي، شيخ البخاري (ثنا نوح بن يزيد بن سيار) بفتح السين المهملة، وتشديد المثناة تحت، وهو المؤدب، ثقة (حدثنا إبراهيم بن سعد) الزهري،
_________________
(١) رواه النسائي في "الكبرى" (٦٧٢٥)، وابن ماجه (٣٣٢٤). وصححه الألباني.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٧/ ٢٢٣ (٣٥٥٠٣) من حديث ثابت مقطوعًا، ولفظه: عن ثابت أن أبا ثامر رأى فيما يرى النائم: ويل للمتسمنات من فترة في العظام يوم القيامة. ورواه نعيم بن حماد في "الفتن" ١/ ٤٠٥ (١٢٢٣) من حديث عمران بن سليم الكلاعي مقطوعًا بلفظ: عن عمران بن سليم الكلاعي قال: "ويل للمسمنات، وطوبى للفقراء، ألبسوا نساءكم الخفاف المنعلة، وعلموهن المشي في بيوتهن؛ فإنه يوشك بهن أن يخرجن إلى ذلك".
[ ١٥ / ٦٥١ ]
من كبار العلماء (عن محمد بن إسحاق) صاحب "المغازي" (عن هشام بن عروة، عن أبيه) عروة بن الزبير.
(عن عائشة ﵂ قالت: أرادت أمي) وهي أم رومان زينب زوج أبي بكر الصديق، توفيت سنة ست، نزل رسول اللَّه -ﷺ- في قبرها واستغفر لها (أن تسمني) أصلها: تسمنني بنونين، فأدغمت الأولى في الثانية وشددت (لدخولي على رسول اللَّه -ﷺ-) رواه ابن ماجه من طريق يونس بن بكير، عن هشام بن عروة (١)، ويونس بن بكير احتج به مسلم، واستشهد به البخاري، ولفظ ابن ماجه: كانت أمي تعالجني للسمنة تريد أن تدخلني على رسول اللَّه -ﷺ- فما استقام لها ذلك حتى أكلت (٢).
(فلم أقبل عليها بشيء مما تريد حتى أطعمتني) وفيه دليل على تسمين المرأة لزوجها قبل الدخول السمن المعتدل دون المفرط، وتكون بالأشياء الرخيصة دون ما يستعمل في هذا الزمان بالأثمنة الكثيرة كالفستق، ودهن اللوز والأهليلجات، وغير ذلك مما يحتاج إلى ثمن كثير، بل تسمن برخيص الثمن -كما في الحديث- والسمن مطلوب في الزوجة، كما يطلب الجمال، وتحسين المرأة عند الدخول؛ لأنه أوقع في القلوب، وجالب للمحبة، وطول الصحبة، وذلك كما في النظر قبل الدخول إلى الزوجة، وغير ذلك مما ندب الشرع إليه من مراعاة أسباب الألفة.
_________________
(١) "سنن ابن ماجه" (٣٣٢٤).
(٢) السابق.
[ ١٥ / ٦٥٢ ]
(القثاء) فإنه (١) بارد رطب في الدرجة الثانية، فينبغي أن يستعمل معه ما يصلحه ويكسر برده ورطوبته (و) هو (الرطب) (٢) كما فعل رسول اللَّه -ﷺ-، فإذا أكل القثاء بتمر أو زبيب أو عسل عدله، وأنفعه الرطب، كما روى الترمذي وغيره عن عبد اللَّه بن جعفر أنه كان يأكل القثاء بالرطب (٣)، وتقدم حديث عائشة: كان رسول اللَّه -ﷺ- يأكل البطيخ (٤) بالرطب، ويقول: "نكسر حرّ هذا ببرد هذا، وبرد هذا بحرّ هذا" (٥) وتقدم حديث ابني بسر الأسلميين (٦) أنه كان يحب الزبد والتمر (٧). وهكذا كانت عادته -ﷺ-[أن الطعام] (٨) إذا كانت (٩) فيه كيفية تحتاج إلى كسر وتعديل، كسرها وعدلها بضدها إن أمكن -كما تقدم- وإن لم يجد ذلك تناوله على حاجة وداعية من النفس من غير إسراف، فلا تتضرر به الطبيعة، ولم يكن من عادته حبس النفس على نوع واحد من الأغذية لا يتعداه إلى ما سواه، فإن ذلك مضر بالطبيعة جدًّا، وقد يتعذر ذلك عليه أحيانًا، ففي أكل النوع الواحد خطر مضر، ولو أنه
_________________
(١) ساقطة من (م).
(٢) ورد في هامش (ح) وصلب (ل)، (م): نسخة: بالرطب.
(٣) سبق برقم (٣٨٣٥)، ورواه أيضًا البخاري (٥٤٤٠)، (٥٤٤٧)، (٥٤٤٩)، ومسلم (٢٠٤٣)، والترمذي (١٨٤٤).
(٤) في (ح): الطبيخ.
(٥) سبق برقم (٣٨٣٦).
(٦) هكذا في الأصول، والصواب: السلميين، كما في مصادر التخريج.
(٧) سبق برقم (٣٨٣٧).
(٨) ساقطة من (م).
(٩) من (م).
[ ١٥ / ٦٥٣ ]
أفضل الأغذية.
(فسمنت عليه) أي: على الرطب المكسورة حرارته بالقثاء، فإن طبع الرطب طبع الحياة حار رطب يخصب البدن كثيرًا، ويزيد في الباءة، ويقوي المعدة الباردة أو الرطبة، ويوافق أصحاب الأمزجة الباردة، ويغذو غذاء كثيرًا، وهو من أعظم الفواكه المخصبة للبدن، لا سيما لأهل المدينة وغيرها من البلاد التي هو فاكهتهم فيها، وأنفعها لأبدانهم، ومن لم يعتده يسرع إليه التعفن في جسده، ويتولد منه دم ليس بمحمود، ويكثر من إكثاره صداع وسوداء، وإصلاحه بالسكنجبين ونحوه، وفي فطر النبي -ﷺ-[عليه] (١)، أو على التمر تدبير لطيف جدَّا فإن الصوم يخلي المعدة من الغذاء، فلا يجد الكبد ما يجذبه فيضعف، والحلو أسرع شيء وصولًا إلى الكبد.
(كأحسن السمن) أي: أعدله؛ ولهذا لم تقل: كأعظم السمن أو أكثره، ولفظ ابن ماجه: كأحسن السمنة (٢)، وابن السني كلفظ المصنف.
* * *
_________________
(١) مكانها بياض في جميع النسخ، والمثبت ما يقتضيه السياق.
(٢) "سنن ابن ماجه" (٣٣٢٤).
[ ١٥ / ٦٥٤ ]