٣٧٨٢ - حَدَّثَنا القَعْنَبيُّ، عَنْ مالِكٍ، عَنْ إِسْحاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مالِكٍ يَقُولُ: إِنَّ خيّاطًا دَعا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لِطَعامٍ صَنَعَهُ قالَ أَنَسٌ: فَذَهَبْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إلَى ذَلِكَ الطَّعامِ فَقَرَّبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- خُبْزًا مِنْ شَعِيرٍ وَمَرَقًا فِيهِ دُبّاءٌ وَقَدِيدٌ. قالَ أَنَسٌ: فَرَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَتَتَبَّعُ الدُّبّاءَ مِنْ حَوالَى الصَّحْفَةِ، فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبّاءَ بَعْدَ يَوْمِئِذٍ (١).
* * *
باب في أكل الدباء
[٣٧٨٢] (حدثنا) عبد اللَّه بن محمد (٢) بن قعنب (القعنبي، عن مالك، عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة) زيد بن سهل الأنصاري.
(أنه سمع أنسًا -﵁- يقول: إن خياطًا) كان مولى للنبي -ﷺ- (دعا رسول اللَّه -ﷺ- لطعام صنعه) فيه فضيلة طبخ الطعام لأهل الدين والصلاح، ودعاؤهم إلى بيته للتبرك بهم ودعائهم، والاقتداء بهم في أكلهم وغيره.
(قال أنس -﵁- فذهبت مع رسول اللَّه -ﷺ- إلى ذلك الطعام) فيه استتباع الضيف معه غيره إذا أذن الداعي، وفيه إجابة الدعوة، وإباحة كسب الخياط (فقرب) بفتح القاف والراء، أي: قرب الخياط، وفي نسخة معتمدة (فقرب) بضم القاف مبني لما لم يسم فاعله (إلى رسول اللَّه -ﷺ-) فيه خدمة صاحب الطعام الضيف بنفسه في التقديم للطعام
_________________
(١) رواه البخاري (٢٠٩٢)، ومسلم (٢٠٤١).
(٢) كذا في النسخ الخطية والصواب: مسلمة كما في مصادر ترجمته.
[ ١٥ / ٣٨١ ]
ورفعه، وتقديم الطست والصب على أيديهم، كما روي أن هارون الرشيد دعا أبا معاوية الضرير، فصب الرشيد على يديه في الطست، فلما فرغ، قال: يا أبا معاوية أتدري من صب على يديك؟ قال: لا. قال. صبه أمير المؤمنين. فقال: يا أمير المؤمنين إنما أكرمت العلم وأجللته أكرمك اللَّه وأجلك كما أكرمت وأجللت العلم وأهله (١).
(خبزًا من شعير ومرقًا) فيه إباحة كثرة المرق في الطعام (دباءً) بالمد، وحكى فيه ابن السراج القصر، واحدته دباءة، وهو اليقطين ويسمى القرع، وقد روى الطبراني بسند فيه أرطاة، عن واثلة بن الأسقع قال رسول اللَّه -ﷺ-: "عليكم بالقرع فإنه يزيد في العقل والدماغ". انتهى (٢). وهو بارد رطب يقطع العطش ويلين البطن، ويغذو سريعًا، وأجوده الأخضر (وقديد) بالرفع، وهو اللحم المشرح طوالًا يجفف ويرفع للطبخ.
(قال أنس: فرأيت رسول اللَّه -ﷺ- يتتبع) (٣) بمثناتين مفتوحتين مخففتين، فيه دليل على نظره إلى من يأكل معه إذا كان ممن يقتدى به ليتعلم منه آداب الأكل، وإلا فلا ينظر إلى أصحابه ولا يراقب أكلهم،
_________________
(١) رواه الخطيب في "تاريخ بغداد" ١٤/ ٨.
(٢) "المعجم الكبير" ٢٢/ ٦٣ (١٥٢)، "مسند الشاميين" ١/ ٢٦٤ (٤٥٧)، ٤/ ٣١١ (٣٤٠٠) من طريق عمرو بن الحصين، ثنا محمد بن عبد اللَّه بن علاثة، عن ثور بن يزيد عن مكحول عن واثلة، به. ورواه أيضًا أبو نعيم في "الطب النبوي" ٢/ ٦٢١ (٦٨٨). قال الهيثمي في "المجمع" ٥/ ٤٤: فيه عمرو بن الحصين وهو متروك. وقال الألباني في "الضعيفة" (٤٠): موضوع.
(٣) ورد في هامش (ح) وصلب (ل)، (م): نسخة: يتبع. بتشديد التاء.
[ ١٥ / ٣٨٢ ]
لأنهم يستحيون منه، بل يغض بصره ويشتغل بأكل نفسه (الدباء) ليأخذها (من حوالي) بفتح اللام (القصعة) (١) بفتح القاف، أي: جوانبها؛ بدليل رواية مسلم: من جوانب الصحفة (٢). هذا يفسر قوله في الحديث قبله: "كل مما يليك". ويدل على أن المراد بذلك إذا كان يأكل مع غير عياله يتقذر بجولان يده في الطعام، فأما إذا أكل مع أهله، ومن ليس عليه منهم من خواص (٣) إخوانه، فلا بأس أن تجول يده في الطعام؛ استدلالًا بهذا الحديث في تتبعه للدباء، وإنما جالت يده ﵇ في الطعام؛ لأنه [علم] (٤) أن أحدًا لا يكره ذلك منه ولا يتقذر منه، بل كل مؤمن ينبغي له أن يتبرك بريقه، وكل شيء (٥) مسه بيده الكريمة، وشرب بعضهم بوله، وبعضهم دمه (فلم أزل أحب الدباء (٦) بعد) بالنصب (يومئذ) بكسر الميم، فيه الحرص على التشبه بالصالحين، والاقتداء بأهل الخير في مطاعمهم واقتفاء آثارهم تبركًا بهم.
* * *
_________________
(١) ورد في هامش (ح) وصلب (ل)، (م): نسخة: الصحفة.
(٢) مسلم (٢٠٤١) بلفظ: من حوالي الصحفة.
(٣) في (م): خالص.
(٤) ليست في النسخ الخطية، والمثبت من "شرح ابن بطال" ٩/ ٤٦٢.
(٥) ساقطة من (ح).
(٦) ساقطة من (ل)، (م).
[ ١٥ / ٣٨٣ ]