٣٧٩٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنَا غالِبُ بْنُ حَجْرَةَ، حَدَّثَنِي مِلْقامُ ابْنُ التَّلِبٍّ عَنْ أَبِيهِ قالَ: صَحِبْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- فلَمْ أَسْمَعْ لِحَشَرَةِ الأَرْضِ تَحْرِيمًا (١).
٣٧٩٩ - حَدَّثَنَا إِبْراهِيمْ بْن خالِدٍ الكَلْبيُّ أَبُو ثَوْرٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْن مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْن مُحَمَّدٍ، عَنْ عِيسَى بْنِ نُمَيْلَةَ، عَنْ أَبِيهِ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابن عُمَرَ فَسُئِلَ عَنْ أَكْلِ القُنْفذِ فَتَلا ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآيَةَ قالَ: قالَ شَيْخ عِنْدَهُ: سَمِعْتُ أَبا هُرَيْرَةَ يَقُول: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ -ﷺ- فقالَ: "خَبِيثَةٌ مِنَ الخَبائِثِ". فَقالَ ابن عُمَرَ: إِنْ كانَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- هذا فَهُوَ كَما قالَ ما لَمْ نَدْرِ (٢).
* * *
باب أكل حشرات الأرض
جمع حشرة وستأتي.
[٣٧٩٨] (حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا غالب) بغين معجمة (بن حجرة) بفتح الحاء المهملة وسكون الجيم (قال حدثني) عمي (ملقام) بكسر الميم وسكون اللام وبعدها قاف ثم ألف ثم ميم (ابن التلب) بكسر التاء المثناة وسكون اللام، وكان شعبة وحده يقول: الثلب. بالثاء المثلثة أوله؛ لأنه كان ألثغ لا يبين التاء.
_________________
(١) رواه الطبراني ٢/ ٦٣ (١٢٩٩)، والبيهقي ٩/ ٣٢٦. وضعفه الألباني في "ضعيف أبي داود".
(٢) رواه أحمد ٢/ ٣٨١، والبيهقي ٩/ ٣٢٦. وضعفه الألباني في "الإرواء" (٢٤٩٢).
[ ١٥ / ٤١٧ ]
(عن أبيه) تلب بن ثعلبة بن ربيعة بن عقبة بن أخب بضم الهمزة والخاء المعجمة التميمي العنبري من العنبر ابن عمرو بن تميم.
(قال: صحبت النبي -ﷺ- فلم أسمع لحشرة) بفتح الحاء المهملة والشين المعجمة، جمعه حشرات، وهي صغار دواب (الأرض) كالضب واليربوع والقنفذ وما أشبهها من دواب الأرض، وقيل: هي هوام الأرض مما لا سم فيه (١)، وفي حديث الهرة "لم تطعمها ولم تدعها تأكل من حشرات الأرض" (٢). (تحريمًا) ومن الحشرات: الديدان والجعلان بكسر الجيم، جمع جعل بوزن عمر، حيوان كالخنفساء، ومنها: بنات وردان، وهي دابة تتولد في الأرض الندية كالحمامات والسقايات، ومنها الأسود والأحمر، تبيض بيضا مستطيلًا، ومنها الخنافس والفأر والوزغ والحرباء والعضاءة -وهي السحلية- والجرذون والعقرب والحية، والجمهور على تحريمه، ورخص مالك في هذا كله؛ لهذا الحديث، إلا الأوزاغ، فإن ابن عبد البر قال: هو مجمع على تحريمه (٣). وقال مالك: الحية حلال إذا ذكيت، لهذا الحديث والآية، وهو قول ابن أبي ليلى والأوزاعي (٤)، قال الشاعر:
أكلت الرُّبى يا أم عمرو ومن يكن غريبًا لديكم يأكل الحشرات
_________________
(١) في (ح): له.
(٢) رواه البخاري (٣٣١٨)، ومسلم (٢٢٤٢) من حديث ابن عمر.
(٣) "التمهيد" ١٥/ ١٨٦.
(٤) انظر: "التمهيد" ١٥/ ١٧٧.
[ ١٥ / ٤١٨ ]
والرُّبى جمع ربية: ضرب من الحشرات، قال القرطبي: هي الفأرة.
وأجيب عن هذا الحديث كما قال الخطابي بأنه ليس في قوله (لم أسمع) دليل على إباحتها؛ لجواز أن يكون غير التلب قد سمعه. قال: وقد حضرنا فيه معنى آخر وهو أنه إنما عنى بهذا القول عادة القوم في زمان رسول اللَّه -ﷺ- في استباحة أكل الحشرة (١). وقد ذهب بعضهم إلى أن أصل الأشياء الإباحة فمتى تردد بين الإباحة والتحريم غلبت الإباحة؛ لأنها الأصل، ولعموم قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ الآية (٢).
[٣٧٩٩] (حدثنا إبراهيم بن خالد الكلبي) البغدادي المكنى (أبو ثور) أحد المجتهدين، قال أحمد: أعرفه بالسنة منذ خمسين سنة (٣) (حدثنا سعيد (٤) بن منصور) بن شعبة الخراساني (حدثنا عبد العزيز بن محمد) الدراوردي (عن عيسى بن نميلة) بضم النون وتخفيف الميم مصغر نملة، الفزاري، ذكره ابن حبان في "الثقات" (٥).
(عن أبيه) نميلة الفزاري (قال: كنت عند) عبد اللَّه (ابن عمر ﵄ فسئل عن أكل القنفذ) واحد القنافذ، والأنثى الواحدة: قنفذة، وهو
_________________
(١) "معالم السنن" ٢٢٩١٤.
(٢) الأنعام: ١٤٥.
(٣) انظر: "تاريخ بغداد" ٦/ ٦٦، "تهذيب الكمال" ٢/ ٨١ - ٨٢، "الجامع لعلوم الإمام أحمد" ١٦/ ١٤٨.
(٤) فوقها في (ح)، (ل): (ع).
(٥) "الثقات" ٨/ ٤٨٩.
[ ١٥ / ٤١٩ ]
بضم الفاء وبالذال المعجمة، وقد تفتح الفاء، ويقال: للقنافذ العساعس، لكثرة ترددها بالليل، وهو صنفان قنفذ يكون بأرض مصر قدر الفأر الكبير، وذكر لي يكودن بأرض الشام في قدر الكلب، وهو مولع بأكل الأفاعي ولا يتألم بها (فتلا) قوله (﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية) (١) إلى آخرها، فاحتج بهذِه الآية على إباحة القنفذ، كما احتج بالآية كثير من السلف على إباحة ما عدا المذكور في هذِه الآية، فمنها الحمر الأهلية أيضًا، كما روى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال: قلت لجابر بن زيد: إنهم يزعمون أن النبي -ﷺ- نهى عن لحوم الحمر الأهلية. قال: قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو الغفاري عندنا عن رسول اللَّه -ﷺ-، ولكن أبى ذلك البحر -يعني: ابن عباس- وقرأ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية (٢).
وعن عائشة أنها كانت لا ترى بلحوم السباع والدم الذي يكون في أعلى العروق بأسًا، وقرأت هذِه الآية: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ﴾ (٣).
﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ قال إلكيا الهراسي: اعلم أن ظاهر الآية [لا] يمنع [من تحريم] غير المذكور، إلا أنه لا يدل على (٤) أنه لا يحرم في الشرع الآن، ويجوز أن يكون قد تجدد بعده.
وقد قيل: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ مما كنتم تستبيحون
_________________
(١) الأنعام: ١٤٥.
(٢) رواه البخاري (٥٥٢٩).
(٣) رواه البزاز في "الغيلانيات" ٢/ ٧٦١ (١٠٤٥) بنحوه.
(٤) قبلها في (م): عليه.
[ ١٥ / ٤٢٠ ]
وتتناولون ولا تعدونه من الخبائث (١) إلا هذِه الأمور، وإلا فقد اشتمل القرآن على تحريم أشياء كالمنخنقة والموقوذة والمتردية، وأباح مالك أشياء كثيرة بهذِه الآية (٢).
(قال شيخ عنده) أي: عند ابن عمر (سمعت أبا هريرة، يقول: ذكر) القنفذ (عند النبي -ﷺ- فقال) هو (خبيثة من الخبائث) جعل أحمد الخبيث هنا الحرام (٣) كحديث: "مهر البغي خبيث وثمن الكلب خبيث" (٤). فحرم أكل لحم القنفذ لهذا الحديث، ولأنه يشبه المحرمات، فيأكل الحشرات، فأشبه الجرذان (فقال (٥): إن كان قال رسول اللَّه -ﷺ- هذا فهو كما قال) وكذا قال القفال: إن صح الخبر فهو حرام، وإلا رجعنا إلى العرب، والمنقول عنهم أنهم يستطيبونه. وقال مالك (٦) وأبو حنيفة (٧): القنفذ مكروه. ورخص فيه الشافعي (٨) والليث وأبو ثور (٩).
* * *
_________________
(١) في جميع النسخ: الخبالات. والمثبت من "أحكام القرآن".
(٢) "أحكام القرآن" ٣/ ١٢٧، وما بين المعقوفتين زيادة منه.
(٣) انظر: "المغني" ١٣/ ٣١٧.
(٤) رواه مسلم (١٥٨٦/ ٤١) من حديث رافع بن خديج.
(٥) في حاشية (ح): خ: ابن عمر.
(٦) في "المدونة" ١/ ٥٤١ عن مالك لا بأس بأكله.
(٧) انظر: "المبسوط" ١١/ ٢٥٥، "بدائع الصنائع" ٥/ ١٤٤، "تبيين الحقائق" ٥/ ٢٩٥.
(٨) "الأم" ط. دار الوفاء ٣/ ٦٣٠.
(٩) انظر: "المغني" ١٣/ ٣١٧.
[ ١٥ / ٤٢١ ]