٣٨٠٠ - حَدَّثَنَا محَمَّدُ بْنُ داوُدَ بْنِ صُبَيْحٍ، حَدَّثَنَا الفَضْل بْن دُكَيْنٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -يَعْني: ابن شَرِيكٍ المَكِّيِّ- عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ، عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قالَ: كانَ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ يَأْكُلُونَ أَشْيَاءَ وَيَتْرُكُونَ أَشْيَاءَ تَقَذُّرًا فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالَى نَبِيَّه وَأَنْزَلَ كِتابَهُ وَأَحَلَّ حَلالَهُ، وَحَرَّمَ حَرامَهُ فَما أَحَلَّ فَهُوَ حَلالٌ، وَما حَرَّمَ فَهُوَ حَرامٌ، وَمَا سَكَتَ عَنْة فَهُوَ عَفْوٌ وَتَلا: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ (١).
* * *
باب ما لم يذكر تحريمه
[٣٨٠٠] (حدثنا محمد بن داود بن صبيح) بفتح الصاد المهملة وكسر الباء الموحدة وسكون المثناة تحت، المصيصي، صدوق عاقل ورع (حدثنا الفضل بن دكين، حدثنا محمد بن شريك) أبو عثمان (المكي) وثقه أحمد وغيره، وقال أبو حاتم: لا بأس به (٢). (عن عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء) جابر بن زيد الأزدي البصري (عن ابن عباس -﵄- قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء) تطيب أنفسهم لأكلها (ويتركون أشياء تقذرًا) أي: لكراهة أنفسهم لها، ولا يتمسكون بشريعة يعملون بها (فبعث اللَّه تعالى نبيه) محمدًا -ﷺ- (وأنزل) عليه (كتابه) العزيز (وأحل حلاله) وهو الطيبات (وحرم حرامه) وهو الخبائث (فما أحل) أكله (فهو حلال وما حرم) أكله (فهو حرام) عليكم.
_________________
(١) رواه الحاكم ٢/ ٣١٧، ٤/ ١١٥، والبيهقي ٩/ ٣٣٠، وصححه الألباني في "غاية المرام" (٣٤).
(٢) "الجرح والتعديل" ٧/ ٢٨٤.
[ ١٥ / ٤٢٢ ]
قال ابن عطية: لفظة التحريم إذا وردت على لسان رسول اللَّه -ﷺ- فهي صالحة أن ينتهى بالشيء المذكور غاية التحريم، وصالحة بحسب اللغة أن يقف دون الغاية في خبر الكراهة ونحوها بما اقترنت به قرينة التأويل من الصحابة كتحريمه لحوم الحمر الإنسية، فتأول بعض الصحابة أنها نجس، وتأول بعضهم لأنها حمولة الناس، فجائز لمن ينظر من العلماء أن يحمل التحريم بحسب اجتهاده (١).
(وما سكت عنه) فلم يبين تحريمه رحمة لكم غير نسيان (فهو عفو) أي: ما أمسك عن ذكره فلم يوجب عليكم فيه حكمًا فهو معفو عنه، أي: عفي عن الحرج في أكله تسهيلًا عليكم، فيباح لكم أكله، وهذا على أن الأصل في الأشياء الإباحة، كما تقتضيه عموم النصوص، وهذا الحديث بخصوصه، قيل: يقتضي الإباحة مطلقًا. والصحيح أن الأصل في المنافع [الإباحة، وفي المضار التحريم، ويستثنى من المنافع] (٢) الأموال فإن الظاهر أن الأصل فيها التحريم؛ لحديث جابر: "إن دماءكم وأموالكم حرام" (٣) (وتلا: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ إلى آخر الآية) فهي دالة على أن التحريم والتحليل إنما يثبت بالوحي والتنزيل.
* * *
_________________
(١) "المحرر الوجيز" ٥/ ٣٧٧ - ٣٧٨.
(٢) ما بين المعقوفتين ساقط من (م).
(٣) رواه مسلم (١٢١٨).
[ ١٥ / ٤٢٣ ]