* اسمه وكنيته:
هو محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين بن يوسف بن محمود
العينتابي الحلبي الأصل، العينتابي المولد، ثم القاهري الحنفي المعروف بالعيني
أبو الثناء ابن الشهاب، أبو محمد، بدر الدين.
* مولده:
ولد في درب كيكين في السابع عشر من رمضان سنة اثنتين وستين وسبعمائة
من الهجرة، الموافق سنة إحدى وستين وثلاثمائة وألف من الميلاد.
. نشأته العلمية ورحلته في طلب العلم ووظائفه:
ولد- رحمه الله تعالى- في درب كيكين، ونشأ بعينتاب، وقرأ القرآن،
ولازم الشيخ محمد الراعي بن الزاهد ابن أحد الآخذين عن الركن قاضي قرم
وأكمل الدين ونظرائهما في الصرف والعربية والمنطق وغيره، وكذا أخذ الصرف
والفرائض السراجية وغيرهما عن البدر ومحمود بن أحمد العينتابي الواعظ،
وقرأ " المفصل " في النحو، و" التوضيح " مع متنه " التنقيح " على الأثير جبريل
ابن صالح البغدادي تلميذ التفتازاني، و" المصباح " في النحو على خير الدين
القصير، وسمع " ضوء المصباح " على ذي النون، وقرأ على الحسام الرهاوي
_________________
(١) انظر ترجمته في: " الضوء اللامع " (١٠/١٣١- ١٣٥)، و" البدر الطالع " (٢/٢٩٤- ٢٩٥)، و" شذرات الذهب " (٧/٢٨٧- ٢٨٨)، و" نظم العقيان " (١٧٤- ١٧٥)، و" بغيه الوعاة " (٢/٢٧٥- ٢٧٦)، و" حسن المحاضرة " (١/٢٧٠)، و" معجم المؤلفين (١٢/١٥٠)، و" الأعلام " للزركلي (٧/١٦٣) .
[ ١ / ٧ ]
مصنفه " البحار الزاخرة في المذاهب الأربعة "، ولازم في المعاني والبيان
والكشاف وغيرهما الفقيه عيسى بن الخاص بن محمود السرماوي تلميذ الطيبي
والجاربردي، وبرع في هذه العلوم، وناب عن أبيه في قضاء بلده، وارتحل إلى
حلب في سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة، فقرأ على الجمال يوسف بن موسى
الملطي البزدوي، وسمع عليه في الهداية وفي الأخسيكتي، وأخذ عن حيدر
الرومي، شارح الفرائض السراجية، ثم عاد إلى بلده، ولم يلبث أن مات
والده فارتحل أيضا، فأخذ عن الولي البهستي ببهستا، وعلاء الدين بكختا،
والبدر الكشافي بملطية، ثم رجع إلى بلده، ثم حج ودخل دمشق، وزار بيت
المقدس، فلقي فيه العلاء أحمد بن محمد السيرافي الحنفي، فلازمه، واستقدمه
معه إلى القاهرة في سنة تسع وثمانين وسبعمائة، ولازمه في الفقه وأصوله
والمعاني والبيان وغيرها، وأخذ محاسن الإصلاح عن مؤلفه البلقيني، وسمع
على العسقلاني " الشاطبية "، وعلى الزين العراقي " صحيح مسلم "،
و" الإلمام " لابن دقيق العيد، وقرأ على التقي الدجوي الكتب الستة، و" مسند
عبد بن حميد "، و" مسند الدارمي "، وقريب الثلث الأول من " مسند
أحمد "، وعلى القطب عبد الكريم حفيد الحافظ القطب الحلبي بعض المعاجم
الثلاثة للطبراني، وعلى الشرف بن الكويك الشفا، وعلى تغري برمش " شرح
معاني الآثار " للطحاوي، وفي غضون هذا دخل دمشق، فقرأ بها بعضًا من
أول البخاري على النجم بن الكشك الحنفي، عن الحجار- وكان حنفيا-،
وعن ابن الزبيدي الحنفي، وقرأ " مسند أبي حنيفة " للحارثي على الشرف بن
الكويك، ولم يزل في خدمة البرقوقية حتى مات شيخها العلاء، فأخرجه
جركس الخليلي أمير آخور منها، بل رام إبعاده عن القاهرة أصلًا، مشيًا مع
بعض حسدة الفقهاء، فكفه السراج البلقيني، ثم بعد يسير توجه إلى بلاده، ثم
عاد وهو فقيه مشهور، ثم حج سنة تسع وتسعين وسبعمائة، فلما مات الطاهر
برقوق سعي له في حسبة القاهرة، فاستقر فيها في مستهل ذي الحجة سنة إحدى
وثمانمائة، ثم انفصل عنها قبل تمام شهر بالجمال الطنبذي ابن عرب، وتكررت
ولايته لها، وكان في مباشرته لها يعزر من يخالف أمره بأخذ بضاعته غالبًا،
[ ١ / ٨ ]
وإطعامها الفقراء والمحابيس، وكذا ولي في الأيام الناصرية عدة تداريس،
ووظائف دينية، كتدريس الفقه بالمحمودية، ونظر الأحباس، ثم انفصل عنها،
وأعيد إليها في أيام المؤيد، وقرره في تدريس الحديث في المؤيدية أول ما فتحت،
ولما استقر الظاهر ططر زاد في إكرامه لسبق صحبته معه، بل نزايد اختصاصه بعدُ
بالأشراف حتى كان يسامره، ويقرأ له التاريخ الذي جمعه باللغة العربية، ثم
يفسره له بالتركية، لتقدمه في اللغتين، ويعلمه أمور الدين، وعرض عليه النظر
على أوقاف الأشراف فأبى، ولم يزل يترقى عنده إلى أن عينه لقضاء الحنفية،
وولاه إياها مسؤولًا على حين غفلة في ربيع الآخر سنة تسع وعشرين وثمانمائة،
ومات الأشراف وهو قاض، ثم صُرف بالسعد بن الديري سنة اثنتين وأربعين
وثمانمائة، ولزم بيته مقبلًا على الجمع والتصنيف، مستمرًا على تدريس الحديث
بالمؤيدية ونظر الأحباس حتى مات، غير أنه عزل عن الأحباس بالعلاء بن أقبرس
سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة، ولم يجتمع القضاء والحسبة ونظر الأحباس في آن
واحد لأحد قبله ظنا.
" مكانته العلمية:
كان﵀- إمامًا عالمًا، علامة، فقيهًا، أصوليا، مفسرًا، محدثًا،
مؤرخًا، لغويا، نحويا، عارفًا بالصرف والعربية، حافظًا للتاريخ واللغة،
مشاركًا في الفنون، ذا نظم ونثر، لا يمل من المطالعة والكتابة، وكان كثير
التصنيف، وقد قيل: إنه كتب الحاوي في ليلة، وكذا " القدوري " في ليلة،
اشتهر اسمه، وبعُد صيتُه مع لطف العشرة والتواضع، وعمر مدرسة مجاورة
لسكنه بالقرب من جامع الأزهر، وكان يصرح بكراهة الصلاة في جامع الأزهر
لكون واقفه رافضيا.
" عقيدته:
كان﵀- على عقيدة السلف الصالح إلا في باب الأسماء
والصفات، ويبدو أنه تأثر- كغيره- بأهل عصره ومشايخه، حيث كانوا يؤولون
الأسماء والصفات، وكانوا ينتهجون في ذلك منهج الأشاعرة القديم، الذي
نشره في مصر والشام الآمدي (المتوفى ٦٣١ هـ)، والأرموي (المتوفى ٦٨٢ هـ)
[ ١ / ٩ ]
وأعقبهم الإيجي صاحب " المواقف "، وكان معاصرا لشيخ الإسلام ابن تيمية،
وكتابه " المواقف " يعتبر تقنينًا وتنظيمًا لفكر الرازي ومدرسته، وهو عمدة مذهب
الأشاعرة قديمًا وحديثًا، ويظهر ذلك واضحًا جليا عند كلامه على صفات الله
وأسمائه، كما في الحديث (٢٢٢، ١٤٥٨)، فقد أول صفة الحياء بأنها عبارة
عن الكرم، فرحم الله الشيخ وغفر له (١) .
* شيوخه:
١- محمد الراعي بن الزاهد.
٢- محمود بن أحمد العينتابي الواعظ.
٣- جبريل بن صالح البغدادي.
٤- خير الدين القصير.
٥- الحسام الرهاوي.
٦- عيسى بن الخاص بن محمود السرماوي.
٧- يوسف بن موسى جمال الدين الملطي.
٨- حيدر الرومي.
٩- الولي البهستي.
١٠- أحمد بن محمد السيرافي علاء الدين.
١١- أحمد بن خاص التركي.
١٢- سراج الدين البلقيني.
١٣- التقي الدجوي.
١٤- العز بن الكويك.
١٥- الشرف بن الكويك، وغيرهم كثير.
١٦- وكان من أفضل تلاميذه ابن تغري بردي.
_________________
(١) انظر مزيدًا لهذا في ترجمتنا له في: " العلم الهيب في شرح الكلم الطيب " للشارح.
[ ١ / ١٠ ]
* مصنفاته:
كان﵀- كثير التصانيف، ونذكر منها:
١- عمدة القاري شرح صحيح البخاري.
٢- العلم الهيب في شرح الكلم الطيب.
٣- شرح قطعة من سنن أبي داود، وهو كتابنا هذا.
٤- عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان.
٥- مغاني الأخيار في رجال معاني الآثار.
٦- تاريخ البدر في أوصاف أهل العصر.
٧- مباني الأخبار في شرح معاني الآثار.
٨- نخب الأفكار في تنقيح الأخبار.
٩- البناية في شرح الهداية.
١٠- رمز الحقائق في شرح كنز الدقائق.
١١- الدرر الزاهرة في شرح البحار الزاخرة.
١٢- المسائل البدرية.
١٣- السيف المهند في سيرة الملك المؤيد أبي النصر.
١٤- منحة السلوك في شرح تحفة الملوك.
١٥- المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفية، ويعرف بالشواهد
الكبرى.
١٦- فرائد القلائد، مختصر شرح شواهد الألفية، ويعرف بالشواهد
الصغرى.
١٧- الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر ططر.
١٨- طبقات الشعراء.
١٩- طبقات الحنفية.
[ ١ / ١١ ]
٢٠- اختصار تاريخ ابن خلكان وغيرها من التصانيف الكثيرة.
* وفاته:
توفي﵀- في ليلة الثلاثاء، رابع ذي الحجة، سنة خمس
وخمسين وثمانمائة من الهجرة، الموافق إحدى وخمسين وأربعمائة وألف من
الميلاد، ودفن بمدرسته التي أنشأها، بعد أن صلى عليه المناوي بالأزهر.
فرحمه الله رحمة واسعة، فقد خلف علمًا نافعًا، وكتبًا خالدة، تشهد له
بالعلم والفضل، فجزاه الله- هو وأئمة المسلمين- خير الجزاء.
[ ١ / ١٢ ]