فمن أحب أن يميز هذه الأحاديث مع الألفاظ، فربما يجيء حديث من طريق
وهو عند العامة من طريق الأئمة الذين هم مشهورون، غير أنه ربما طلبتُ (٢)
اللفظة التي تكون لها معان (٣) كثيرة (٤)، وممن عرفت نقل من جميع هذه
الكتب (٥) .
فربما يجيء الإسناد فيُعلم من حديث غيره أنه (غير) (٦) متصل ولا يتبينه
السامع إلا بأن يعلم الأحاديث، وتكون له فيه معرفة فيقف عليه، مثل ما يروى
_________________
(١) في الأصل: " كتبي ". (٢) في الأصل: " طلب "، ورجحت ما أثبت.
(٢) في الأصل: " معاني ".
(٣) في هذه العبارة بعض غموض، وقد نظرت فيها طويلًا فانتهيت إلى ما يلي- والله سبحانه أعلم-: يتحدث المؤلف عن اختياره للأحاديث، فهو يفضل الحديث الجامع لكثير من الأحكام الذي تتصف ألفاظه أو بعضها بكثرة المعاني، ويقول: فمن أحب أن يستخلص هذه الأحاديث مراعيًا الألفاظ فليعلم أنه ربما يجيء حديث من طريق الأئمة المشهورين، وهو معروف عند العامة، ولكنني أعدل عنه إلى حديث آخر فيه لفظة تدل على معان كثيرة، فهذا عندي- إن صح- مقدم على غيره؛ لاهتمامي بأحاديث الأحكام.
(٤) يعرض المؤلف بناس عرفهم ينقلون من الكتب ولا يراعون ما يراعي من ناحية لفظ الحديث وسنده.
(٥) سقطت من الأصل، والمعنى يقتضيها، وقد أثبتت في المطبوعة.
[ ١ / ٤٤ ]
عن ابن جُريج (١) قال: أخبرت (٢) عن الزهري (٣)، ويرويه البرساني (٤):
عن ابن جريج، عن الزهري.
فالذي يسمع يظن أنه متصل، ولا يصح بتة (٥)، فإنما تركناه (٦) لذلك (٧)
هذا (٨)؛ لأن أصل الحديث غير متصل ولا يصح، وهو حديث معلول، ومثل
هذا كثير.
والذي لا يعلم يقول: قد تركنا حديثًا صحيحًا من هذا وجاء بحديث معلول (٩) .
_________________
(١) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الرومي، الأموي ولاء، المكي، الإمام الحافظ فقيه الحرم، العابد، توفي سنة (١٥٠ هـ) . قال الدارقطني: تجنب تدليس ابن جريج، فإنه قبيح التدليس، لا يدلس إلا فيما سمعه من مجروح مثل إبراهيم بن أبي يحيى وموسى بن عبيدة وغيرهما. وأما ابن عيينة فكان يدلس عن الثقات. وقال قريش بن أنس عن ابن جريج قال: لم أسمع من الزهري شيئًا، إنما أعطاني جزءًا وأجاز له. انظر: " تهذيب التهذيب " (٦/٤٠٥- ٤٠٦) .
(٢) جاء في " تهذيب التهذيب " (٦/٤٠٤) عن أحمد قال: " إذا قال ابن جريج: " أخبرتُ " جاء بمناكير، وإذا قال: " أخبرني وسمعت " فحسبك به ".
(٣) هو محمد بن مسلم ابن شهاب الزهري المدني ثم الشامي، حدّث عن ابن عمر وأنس، وتتلمذ عليه الليث والأوزاعي ومالك وابن عيينة، كان حافظًا جوادا، توفي سنة (١٢٤ هـ) .
(٤) هو محمد بن بكر بن عثمان البرساني البصري. روى عن ابن جريج، وروى عنه أحمد. وقال فيه ابن معين: كان والله ظريفًا صاحب أدب. توفي سنة (٢٠٤ هـ) .
(٥) في المطبوعة: " عنه " وهو تحريف، ولم يشر إلى الأصل.
(٦) في الأصل: " تركنا ".
(٧) يعرض أبو داود هنا منهجًا مهما للمحدثين، وهو منهج مقابلة المرويات بعضها ببعض، وبهذا المنهج مع ملاحظة طبقات الرواة يعرف الحديث المتصل حقا وما ليس بمتصل وإن كان ظاهره الاتصال، ومن الواضح أن هذه المقابلة إنما يعرفها المختص بالحديث المطلع على طرق الحديث المتعددة، وهو إنما يسوق هذا لبيان السبب في تركه بعض الأحاديث وعدم إدخالها في كتابه.
(٨) في الأصل: " هو "، ورجحت أن تكون كلمة " هو " محرفة عن هذا.
(٩) يتحدث المؤلف عن تركه لبعض الأحاديث لانقطاعها فيقول: قد يأتي الحديث ويبدو للإنسان العادي أنه متصل، غير أن العارف يعلم من مقارنة هذه الرواية للحديث=
[ ١ / ٤٥ ]