أي: باب في حكم الاستتار في الخلاء.
٢٤- ص- ثنا إبراهيم بن موسى الرازي قال: أنبأ عيسى بن يونس، عن
ثور، عن الحصين الحُمْراني (٢)، عن أبي سعيد، عن أبي هريرة، عن النبي
- ﵇- قال: " من اكْتحل فليُوترْ، منْ فعل فقدْ أحسن، ومن لا
فلا حرج، ومن اسْتجْمر فليُوترْ، منْ فعل فقدْ أحسن، ومن لا فلا حرج،
ومنْ كل فما تخلل فليلفظْ، وما لاك بلسانه فليبْتلعْ، منْ فعل فقدْ أحسن،
ومنْ لا فلا حرج، ومنْ أتى الغائط فليستتر، فإنْ لمْ يجدْ إلا أنْ يجْمع كثيبًا
من رمْل فليسْتدْبرْهُ، فإن الشيطان يلعبُ بمقًاعد بنى آدم، منْ فعل فًقدْ
أحسن، ومن لا فلا حرج " (٣) .
ش- إبراهيم بن موسى بن يزيد بن زاذان التميمي الرازي أبو إسحاق
الفراء، يعرف بالصغير، سمع عبد الوارث بن سعيد، وأبا الأحوص،
_________________
(١) المصدر السابق (٣/٥٠٩) .
(٢) في سنن أبي داود: " الحبراني " وهو مروي فيه.
(٣) ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: الارتياد للغائط والبول (٣٣٧)، وروى الجملة الأولى فقط في الطب (٣٤٩٨) .
[ ١ / ١١٨ ]
ويحيى بن زكرياء، وخالد بن عبد الله، وغيرهم. روى عنه: البخاري،
ومسلم، وأبو داود، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وروى الترمذي عن
البخاري عنه، وروى له ابن ماجه (١) .
وعيسى بن يونس قد مر ذكره.
وثور بن يزيد بن زياد الكلاعي، ويقال: الرحبيُ أبو خالد، الشامي
الحمصي، سمع خالد بن معدان، ومكحولًا، وأبان بن أبي عياش،
وعمرو بن شعيب، والزهري، ونافعًا، وغيرهم. روى عنه: مالك،
والثوري، وابن عيينة، ومحمد بن إسحاق بن يسار، وابن المبارك،
وجماعة آخرون كثيرة. وقال ابن سعد: ثقة في الحديث، ويقال: إنه
كان قدريا. وقال ابن عدي: لا أرى بحديثه بأسًا إذا روى عنه ثقة أو
صدوق. توفي بالقدس سنة ثلاث وخمسين ومائة، وهو ابن بضع وستين
سنة. روى له الجماعة إلا مسلمًا (٢) .
والحصين الحُمْراني- بضم الحاء المهملة، وسكون الميم- ويقال:
الحُبْراني، روى عنه: ثور المذكور، وأبو عاصم عن ثور عنه (٣) .
وأبو سعيد هذا هو أبو سعيد الخير الحمصي، روى عن أبي هريرة.
روى عنه حصين الحُمراني ٠ وقال أبو داود: أبو سعيد الخير من الصحابة.
وروى ثور بن يزيد، عن الحصن الحُمْراني [عنه. قال عبد الرحمن بن
أبي حاتم:] (٤) سألت أبا زرعة عنه فقال: لا أعرفه. قلت: لقي
أبا هريرة؟ قال: على هذا يوضع (٥) .
قوله: " من اكتحل فليوتر " أي: فليجعل الاكتحال فردًا، إما واحدة،
أو ثلاثًا، أو خمسًا، وإنما أمر بالإيتار لقوله﵇-: " إن الله
_________________
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢/٢٥٤) .
(٢) الصدر السابق (٤/٨٦٢) .
(٣) الصدر السابق (٦/١٣٧٨) .
(٤) زيادة من تهذيب الكمال.
(٥) الصدر السابق (٣٣/٧٣٩٤) .
[ ١ / ١١٩ ]
وتر يحب الوتر " (١) . وهذا الأمر من الأمور الندبية، كقوله تعالى:
(فكاتبُوهُمْ) (٢)، والأولى أن يكون للإرشاد، والفرق بينهما:/أن
الندب لثواب الآخرة، والإرشاد لمنافع الدنيا، غير مشتمل على ثواب
الآخرة فافهم. وقد علم في الأصول أن الأمر يستعمل في أكثر من خمسة
عشر معنى.
قوله: " من فعل فقد أحسن " أي: من فعل الإيتار فقد أحسن في فعله،
أي: أتى بالفعل الحسن، ولتضمن " منْ " هاهنا معنى الشرط دخل في
جوابه الفاء.
قوله: " ومن لا فلا حرج " أي: ومن لم يفعل الإيتار فلا حرج عليه،
أي: لا إثم عليه. وقد دل معنى الحرج على أن الإيتار ليس بواجب،
وإنما هو مندوب كما ذكرناه.
قوله: " ومن استجمر فليوتر " الاستجمار: التمسح بالجمار، وهي
الأحجار الصغار، ومنه سُميت جمار الحج، وهي الحصى التي يرمى
بها، سمي استجمارًا (٣) لأنه يطيب المحل كما تطيبه الاستجمار بالبخور.
وقد قيل في قوله: " من استجمر فليوتر " إنه البخور، مأخوذ من الجمر
الذي يوقد فيه، وقد كان الإمام مالك يقوله ثم رجع عنه، ومعنى قوله:
" فليوتر ": اجعل الحجارة التي تستنجي بها فردًا، إما واحدة، أو ثلاثًا،
أو خمسًا، وبهذا احتج أبو حنيفة وأصحابه على أن الاستنجاء ليس فيه
عدد مسنون؛ لأن الإيتار يقع على الواحد كما يقع على الثلاثة.
قوله: " من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج " قال الخطابي (٤):
" معناه: التخيير بين الماء الذي هو الأصل، وبين الأحجار التي هي
_________________
(١) البخاري: كتاب الدعوات، باب: لله مائة اسم غير واحدة (٦٤١٠)، مسلم: كتاب الذكر والدعاء، باب: في أسماء الله تعالى وفضل من أحصاها (٢٦٧٧/٥، ٦) من حديث أبي هريرة.
(٢) سورة النور: (٣٣) .
(٣) في الأصل: " استجمارٌ ".
(٤) انظر: معالم السنن (١/٢٢) .
[ ١ / ١٢٠ ]
للترخيص، لكنه إذا استجمر بالحجارة فليجعل وترا ثلاثًا وإلا فلا حرج إن
تركه إلى غيره، وليس معناه ترك التعبد أصلًا، بدليل حديث سلمان:
" نهانا أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار " (١) .
قلت: قال الأستاذ فخر الدين في التمسك بالحديث: الشارعُ نفى
الحرج عن تارك الاستنجاء، فدل على أنه ليس بواجب، وكذلك ترك
الإيتار لا يضر؛ لأن ترك أصله لما لم يكن مانعًا، فما ظنك في ترك
وصفه؟ فدل الحديث على انتفاء المجموع.
وقال الخطابي (٢): " وفيه وجه آخر: وهو رفع الحرج في الزيادة على
الثلاث، وذلك أن مجاوزة الثلاث في الماء عدوان، وترك للسُنة،
والزيادة في الأحجار ليست بعدوان وإن صارت شفعًا ".
قلت: هذا الوجه لا يفهم من هذا الكلام على ما لا يخفى على
الفطن، وأيضًا مجاوزة الثلاث في الماء، كيف يكون عدوانًا إذا لم تحصل
الطهارة بالثلاث؟ والزيادة في الأحجار وإن كانت شفعًا كيف لا تصير
عدوانًا، وقد نص على الإيتار؟ فافهم.
قوله: " ومن كل فما تخلّل فليلفظْ " " الفاء " في قوله: " فما تخلل "
للترتيب المعنوي، وهو عطف مفصل على مجمل، نحو قوله: " توضأ،
فغسل وجهه ويديه، ومسح على رأسه، وغسل رجليه ". وقوله:
" تخلل " أي: تخلل بالخلال بعد الأكل.
قوله: " فليلفظْ " أي: فليرم؛ لا معنى " اللفظ " في اللغة: الرمي،
يقال: أكلت التمرة ولفظت نواها، ولفظت الرحى الدقيق، أي: رمتهُ،
وهذا أيضًا من الأمور الإرشادية.
قوله: " وما لاك " عطف على قوله: " فما تخلل " من اللوْك، يقال:
لكْتُ الشيء في فمي ألوكه، إذا علكتُه، وقد لاك الفرس اللجام.
_________________
(١) مسلم: كتاب الطهارة، باب: الاستطابة (٢٦٢/٥٧) .
(٢) المصدر قبل السابق.
[ ١ / ١٢١ ]
قوله: " فليبتلع " أمر من الابتلاع، البلع والابتلاع بمعنى، وإنما أمر في
التخلل برمي الخلالة، لأنها تنْتنُ بين الأسنان، فتصير مستقذرة، وروي
عن ابن عمر أن تركها توهن الأضراس. وفي اللوْك بالابتلاع؛ لأن رمي
اللقمة بعد لوكها إسراف وبشاعة للحاضرين.
قوله: " كثيبًا من رمل " الكثيب: الرمل المستطيل المُحْدودب.
قوله: " فليستدبره " أي: فليستدبر الكثيب، أي: يجعله عند دبره.
قوله: " فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم " يعني: أن الشياطين تحضر
تلك الأمكنة وترصدها بالأذى والفساد؛ لأنها موضع يخلى منها ذكر الله
تعالى، وتكشف فيها العورات، وهو معنى قوله: " إن هذه الحشوش
محتضرة " (١) . وأمر بالتستر ما أمكن، وألا يكون قعوده في براح من
الأرض تقع عليه أبصار الناظرين، أو تهب الريح عليه، فيصيبه نشر
البول، فيلوث بدنه أو ثيابه، وكل ذلك من لعب الشيطان به، والمقاعد:
مواضع قعود الناس في الأسواق وغيرها، ولعب الشيطان بمقاعد بني آدم
كناية عن إيصاله الأذى والفساد إليهم.
قوله: " من فعل فقد أحسن " يعني: من فعل الاستدبار بالكثيب
ونحوه فقد أحسن فيه، ومن تركه فلا حرج عليه، وإنما قلنا هكذا لأن
التستر واجب، وكيف لا يكون/في تركه حرج؟ اللهم إلا إذا كان في
حالة لا يقدر فيها على التستر أصلًا، يكون حينئذ لا حرج عليه، ويكون
المعنى في هذه الصورة: ومن لم يفعل ذلك لأجل ضرورة لا حرج عليه،
فافهم، فإنه موضع دقيق.
ص- قال أبو داود: رواه أبو عاصم عن ثور. قال حصين الحمراني:
ورواه عبد الملك بن الصباح عن ثور فقال: أبو سعيد الخبر. قال أبو داود:
أبو سعيد الخير هو من أصحاب النبي﵇-.
_________________
(١) أبو داود: كتاب الطهارة، باب: ما يقول الرجل إذا دخل الخلاء (٦)، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما يقول الرجل إذا دخل الخلاء (٢٩٦) من حديث زيد بن أرقم.
[ ١ / ١٢٢ ]
ش- أبو عاصم هو: الضحاك بن مخلد بن الضحاك البصري،
أبو عاصم النبيل، سمع عبد الله بن عون، والأوزاعي، وثور بن يزيد
وغيرهم. روى عنه: محمد بن المثنى، وابن بشار، وأحمد بن حنبل،
وغيرهم. وقال ابن معين: ثقة. توفي سنة اثنتي عشرة ومائتين بالبصرة،
وهو ابن تسعين سنة. روى له الجماعة. سمي نبيلًا لأنه [كان لا يلبس
الخُزُوز (١) وجيد] (٢) الثياب (٣) .
وعبد الملك بن الصباح المسْمعي أبو محمد البصري، روى عن عبد الله
ابن عون، وهشام بن حسان، وثور بن يزيد، وعمران بن حدير (٤)،
وشعبة، وعبد الحميد بن جعفر الأنصاري. روى عنه: إسحاق بن
راهويه، ومحمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، ونعيم بن حماد،
وغيرهم. قال أبو حاتم: هو صالح. روى له: البخاري، ومسلم،
وابن ماجه (٥) .
***