أي: هذا باب فيه بيان الوضوء بسؤر الكلب، والسؤر: بقية الماء التي
يبقيها الشارب، والجمع " أسار "، والنعت سئار، مثل حبّار على غير
قياس؛ لأن القياس مسئر؛ لأنه من اسأر، يقال إذا شربت فاسْئر، أي:
أبق شيئًا من الشراب في قعر الإناء.
٦٠- ص- حدثنا أحمد بن يونس قال: نا زائدة في حديث هشام، عن
محمد، عن أبي هريرة، عن النبي﵇- قال: " طُهُورُ إناء
أحدكُمْ إذا ولغ الكلبُ فيه أن يُغْسل سبع مرارٍ، أولاهن بالتراب " (٣) .
قال أبو داود: وكذلك قال أيوب وحبيب بن الشهيد عن محمد.
ش- أيوب هذا ابن [أبي] تميمة، واسمه: كيسان أبو بكر السختياني
_________________
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣١/٦٨٣٤) .
(٢) المصدر السابق (١٩/٣٨٧٨) .
(٣) البخاري: كتاب الطهارة، باب: إذا شرب الكلب ما في الإناء بأطراف لسانه سبعًا (١٧٢)، مسلم: كتاب الطهارة (٢٧٩)، الترمذي: كتاب الطهارة
(٤) ، النسائي: كتاب الطهارة (١/٥٢- ٥٣)، ابن ماجه: كتاب الطهارة
(٥) . ١٤. شرح سنن أبي داوود ١
[ ١ / ٢٠٩ ]
البصري، مولى جهينة، رأى أنس بن مالك، وسمع عمرو بن سلمة،
وأبا عثمان النهدي، ومحمد بن سيرين، ومجاهد بن جبر، وسعيد بن
جبير، والزهري، وجماعة آخرين. روى عنه: قتادة، ويحيى بن
أبي كثير، والثوري، وابن عيينة، والحمادان، وجماعة آخرون كثيرة.
قال ابن معين: ثقة. توفي سنة إحدى وثلاثين ومائة. روى له الجماعة (١) .
وحبيب بن الشهيد البصري أبو شهيد الأزدي، مولى قُريْبة. روى
عن: الحسن، ومحمد وأنس ابني سيرين، وعكرمة مولى ابن عباس،
وغيرهم. روى عنه: شعبة، ويحيى بن سعيد، وإسماعيل ابن علية،
وغيرهم. قال أحمد: ثقة مأمون، وهو أثبت من حميد الطويل. وقال
ابن معين وأبو حاتم: ثقة. توفي سنة خمس وأربعين ومائة. روى له
الجماعة (٢) .
قوله: " طُهورُ إناء أحدكم " الطُهور- بضم الطاء- وهو الأشهر،
ويقال بفتحها أيضًا لغتان، وقد مر الكلام فيه، وارتفاعه على أنه مبتدأ
وخبره قوله: " أن يغسل "، و" أن " هاهنا مصدرية، والتقدير: طهارة
إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه غسلها سبع مرار.
قوله: " إذا ولغ " يقال: " (٣) ولغ الكلب في الإناء، يلغ- بفتح
اللام فيهما- ولوغًا، إذا شرب بأطراف لسانه. قال أبو زيد: يقال:
ولغ الكلب بشرابنا وفي شرابنا ومن شرابنا ".
وقال ابن الأثير: وأكثر ما يكون الولوغ من السباع.
قوله: " أولاهن بالتراب " جملة محلها النصب من الإعراب؛ لأنها
وقعت صفة لقوله: " سبع مرار "، والأولى تأنيث الأول، وإنما أنثه
باعتبار المرة، واحتج الشافعي بهذا الحديث [على] أن الكلب إذا ولغ في
الإناء لا يطهر إلا بالغسل سبع مرات، إحداهن بالتراب، وهو مذهب
_________________
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣/٦٠٧) .
(٢) المصدر السابق (٥/١٠٩٠) . (٣) انظر: شرح صحيح مسلم (٣/١٨٤) .
[ ١ / ٢١٠ ]
أحمد أيضًا، وبه قال مالك لكن استحبابًا، وعن الشافعي يغسل سبعًا
أُولاهن أو أخراهن (١) بالتراب، وعن أحمد ثمانية.
وقال أصحابنا: " (٢) يغسل ثلاثًا لا غير، واحتجوا بما رواه الدارقطني
في " سننه " (٣) عن عبد الوهاب بن الضحاك، عن إسماعيل بن عياش،
عن هشام بن عروة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال:
قال رسول الله ﷺ: " يغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاثًا، أو خمسًا،
أو سبعًا ". وقال الدارقطني: تفرد به عبد الوهاب عن ابن عياش وهو
متروك، وغيره يرويه عن ابن عياش بهذا الإسناد: " فاغسلوه سبعًا " وهو
الصواب. وأخرج الدارقطني (٤) أيضًا عن عبد الملك بن أبي سليمان،
عن عطاء، عن أبي هريرة قال: " إذا ولغ الكلب في الإناء فأهرقه، ثم
اغسله ثلاث مرات "، وأخرجه بهذا الإسناد عن أبي هريرة: " أنه كان إذا
ولغ الكلب في الإناء أهراقه، وغسله ثلاث مرات ".
وقال الشيخ تقي الدين في " الإمام ": " هذا سند صحيح ". وجه
استدلال أصحابنا بهذا ظاهر، ووجه الاستدلال بحديث الدارقطني: أنه
- ﵇-/خيّر فيما زاد على الثلاث، والتخيير ينافي الوجوب،
وما ورد من الأمر فيه محمول على الندب.
والجواب عن الأحاديث التي يحتج بها الخصوم، وهي التي رواها (٥)
الأئمة الستة في كتبهم من حديث أبي هريرة، فرواية البخاري ومسلم من
حديث الأعرج عن أبي هريرة: أن النبي﵇- قال: إذا
شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات " (٦)، ورواية مسلم من
حديث عبد الله بن مغفل: أن رسول الله﵇- قال: " إذا
_________________
(١) في الأصل: " وأخراهن " خطأ.
(٢) انظره في: نصب الراية (١/١٣١- ١٣٢) . (٣) (١/٦٥) .
(٣) (١/٦٦) . (٥) في الأصل: " رواه ".
(٤) البخاري (١٧٢)، مسلم (٢٧٩/٩٠) .
[ ١ / ٢١١ ]
ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات، والثامنة عفروه بالتراب " (١)،
وأخرجه أيضًا أبو داود والنسائي وابن ماجه، ورواية أبي داود من حديث
محمد عن أبي هريرة، عن النبي﵇- قال: " طُهورُ إناء
أحدكم " (٢) الحديث، وأخرجه مسلم والنسائي، وأخرجه الترمذي (٣)
وفيه: " أولاهن أو أخراهن بالتراب، وإذا ولغت فيه الهرة غسل مرة "
وقال: هذا حديث حسن صحيح. أنها محمولة على ابتداء الإسلام،
قلعًا لهم عما ألفوه من مخالطة الكلاب، فقال النبي﵇-
هذا القول للتغليظ عليهم، ولهذا أمر بقتل الكلاب أيضًا، ثم رخص في
كلب الصيد وفي كلب الغنم، كما روي في البخاري مثله.
وقال الطحاوي- وهو إمام في الحديث، عالم بمعانيه وعلله-: ثبت
بذلك- أي: بما روي عن أبي هريرة من حديث عبد الملك- نسخ السبع؛
لأنا نحسن الظن بأبي هريرة، ولا يجوز عليه أن يترك ما سمعه من النبي
- ﵇-، وإلا سقطت عدالته، ولم تقبل روايته، بل كان يجب
على الخصم المخالف أن يعمل بحديث عبد الله بن المغفل، عن النبي-
﵇-: " إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات، والثامنة
عفروه بالتراب "؛ لأنه قد زاد على السبع، والأخذ بالزائد أوجب عملًا
بالحديثين، وهم لا يقولون به، فثبت أنه منسوخ ".
وقال الخطابي (٤): " فيه دليل على أن الكلب نجس الذات ".
قلنا: نسلم أن فيه دليلًا على أن الكلب نجس، ولكن لا نسلم أنه نجس
الذات؛ لأن هذا قدر زائد ليس في الحديث دلالة عليه، وفرغ على كلامه
أن بيع الكلب حرام.
وقال أيضًا (٤): " وفيه البيان الواضح أنه لا يطهره- أي الإناء- أقل
من عدد السبع، وأن تعفيره بالتراب واجب ".
_________________
(١) مسلم (٩٣/٢٨٠)، أبو داود (٧٤)، النسائي (١/٥٤)، ابن ماجه (٣٦٥) .
(٢) مسلم (٩١/٢٧٩) .، أبو داود (٧٢، ٧٣)، النسائي (١/١٧٧- ١٧٨) .
(٣) الترمذي (٩١) . (٤) معالم السنن (١/٣٤- ٣٥) .
[ ١ / ٢١٢ ]
قلنا: كما ورد السبع ورد الثلاث كما بينا، والأمر بالتعفير محمول
على الندب.
وقال (١): " وفيه دليل على أن الماء المولوغ فيه باق على طهارته، إذ
لم يأمره بإراقته، وقد يكون لبنًا وزيتًا ".
قلنا: لا نسلم ذلك؛ لأن الإناء إذا تنجس بملاقاة لسانه، فالماء بطريق
الأولى.
فإن قيل: جاز أن يكون المراد بغسل الإناء التعبد لا التنجس.
قلنا: هذا لا يصح؛ لأن الجمادات لا تلحقها حكم العبادات؛ ولأنه
لو كان تعبدًا لوجب غسل غير موضع النجاسة كما في الحدث، ولا يقال
الحجر الذي استعمل في رمي الجمار يغسل ويرمى ثانيًا؛ لأنا نقول: إن
الحجر لإقامة القربة
وذهب أهل الظاهر إلى أن الماء طاهر، وأن غسل الإناء تعبدٌ، وهذا
فاسد كما قررنا، وذهب مالك إلى أنه إذا لم يجد ماء غيره توضأ به،
وزاد الثوري: ثم يتيمم.
ثم قوله﵇-: " إذا ولغ الكلب " معرف باللام يتناول
جنس الكلاب، سواء كان كلب البدوي، أو الحضري، أو كلب الصيد،
أو كلب الزرع، أو غير ذلك. وعن مالك أربعة أقوال: طهارته،
ونجاسته، وطهارة سؤر المأذون في اتخاذه دون غيره، وهذه الثلاثة عن
مالك. والرابع عن عبد الملك بن الماجشون: أن يفرق بين البدوي
والحضري، والخنزير كالكلب عندنا. وقال مالك: سؤر الخنزير أيضًا
طاهر.
٦١- ص- نا مسدد قال: نا المعتمر بن سليمان. قال: ونا محمد بن
عبيد قال: نا حماد بن زيد جميعًا عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة
بمعناه ولم يرفعاه، وزاد: " وإذا ولغ الهر غُسل مرةً " (٢) .
_________________
(١) معالم السنن (١/٣٤- ٣٥) . (٢) انظر تخريج الحديث رقم (٧١) .
[ ١ / ٢١٣ ]
ش- معتمر بن سليمان بن طرخان أبو محمد التيمي البصري، سمع
أباه، وعبد الملك بن عمير، وعاصمًا الأحول، وأيوب السختياني،
وشعبة، وجماعة آخرين. روى عنه: ابن المبارك، ومسدد، وأحمد بن
حنبل، وعبد الأعلى بن حماد، وغيرهم. قال محمد بن سعد: كان
ثقة. ولد سنة ست ومائة، ومات سنة سبع وثمانين ومائة بالبصرة، روى
له الجماعة (١) .
ومحمد بن عبيد بن حساب/الغُبري- بالغين المعجمة- البصري،
سمع حماد بن زيد، ومعاوية بن عبد الكريم، وعبد الوارث بن سعيد،
وغيرهم. روى عنه: مسلم، وأبو داود، والنسائي عن رجل عنه،
وأبو يعلى الموصلي، وغيرهم. مات سنة ثمان وثلاثين ومائتين (٢) .
وحماد بن زيد بن درهم قد مر ذكره، وأيوب هو السختياني، ومحمد
هو ابن سيرين، وأبو هريرة عبد الرحمن، وقد ذكروا.
قوله: " بمعناه " أي: بمعنى الحديث الذي سبقه.
قوله: " لم يرفعاه " الضمير المرفوع الذي فيه يرجع إلى المسدد وإلى
محمد بن عبيد، بمعنى: أن كلا منهما روى هذا الحديث موقوفًا على
أبي هريرة، وزاد فيه: " وإذا ولغ الهر غسل مرة ".
وقال البيهقي (٣): " أدرجه بعض الرواة في حديثه عن النبي- عليه
السلام-، ووهموا فيه، الصحيح أنه في ولوغ الكلب مرفوع، وفي
ولوغ الهرة موقوف ".
وقوله: " الهر " بكسر الهاء وتشديد الراء، وجمعه " هررةٌ "، كقرد
وقردة، والأنثى هرة وجمعها " هررٌ "، مثل قربة وقرب.
٦٢- ص- حدثنا موسى بن إسماعيل قال: نا أبان قال: نا قتادة: أن
محمد بن سيرين حدثه عن أبي هريرة: أن نبي الله﵇- قال:
_________________
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢٨/٦٠٨٠) .
(٢) المصدر السابق (٢٦/٥٤٤١) . (٣) السنن الكبرى (١/٢٤٧) .
[ ١ / ٢١٤ ]
" إذا ولغ الكلبُ في الإناء فاغْسلُوه سبْع مرار (١)، السابعة بالتراب " (٢) .
قال أبو داود: وأما أبو صالح وأبو رزين والأعرج وثابتٌ الأحنفُ وهمام بن
منبه [أخو وهب بن منبه] (٣) وأبو السدي عبد الرحمن رووه [كلهم] (٣)
عن أبي هريرة فلم يذكروا التراب.
ش- أبان هو أبان بن يزيد العطار البصري، يكنى أبا يزيد، سمع
قتادة، وغيلان بن جرير، ويحيى بن أبي كثير، وأبا عمران الجوْني.
روى عنه: الطيالسي، وحبان بن هلال، ويزيد بن هارون، وموسى بن
إسماعيل. روى له مسلم، وأبو داود، واستشهد به البخاري في غير
موضع (٤) .
وأبو صالح ذكوان السمان قد ذكر.
وأبو رزين اسمه: مسعود بن مالك أبو رزين الكوفي الأسدي أسد
خزيمة، مولى أبي وائل شقيق بن سلمة. روى عن: علي بن أبي طالب،
وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وأبي هريرة. روى عنه:
إسماعيل بن سميع، وإسماعيل بن أبي خالد، وابنه عبد الله بن مسعود،
والأعمش. قال أبو زرعة: ثقة. روى له الجماعة إلا البخاري (٥) .
والأعرج هو عبد الرحمن، وقد ذكر.
وثابت الأحنف هو ابن عياض الأعرج الأحنف القرشي العدوي، مولى
عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب. وقال ابن سعد: ثابت بن الأحنف بن
عياض سمع عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الزبير،
(١) في سنن أبي داود: " سبع مرات ". (٢) انظر تخريج الحديث رقم (٦٠) .
(٣) غير موجود في سنن أبي داود.
(٤) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢/١٤٣) وفيه: " روى له الجماعة إلا
النسائي ".
(٥) المصدر السابق (٢٧/٥٩١٢) .
[ ١ / ٢١٥ ]
وأبا هريرة. روى عنه: عمرو بن دينار، ويحيى بن سعيد الأنصاري،
وسليمان الأحول، وغيرهم. قال أبو حاتم: لا بأس به روى له:
البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي (١) .
وهمام بن منبه أبو عقبة قد ذكر.
وأبو السدي عبد الرحمن بن أبي كريمة، روى عن أبي هريرة- رضي
الله عنه-. وقال الحافظ الذهبي في " تذهيب التهذيب ": عبد الرحمن
ابن أبي كريمة عن أبي هريرة، وعنه ابنه إسماعيل السدي حديث: " الإيمانُ
قيدُ الفتْك، لا يفتكُ مؤمن " (٢) .
قوله: " رووه كلهم " أي: رووا هذا الحديث كل هؤلاء المذكورين،
فلم يذكروا في روايتهم " التراب "، ومعنى قوله: " السابعة " أي: المرة
السابعة بالتراب،. وهذه جملة لا محل لها من الإعراب؛ لأنها وقعت
كالتفسير لقوله: " سبع مرار "، والأولى أن تكون صفة للسبع، ويكون
محلها النصب، و" (٣) معنى الغسل بالتراب: أن يخلط التراب بالماء
حتى يتكدر، ولا فرق بين أن يطرح الماء على التراب، أو التراب على
الماء، أو يأخذ الماء الكدر من موضع فيغسل به، فأما مسح موضع
النجاسة بالتراب فلا يجزئ. وقال الشيخ محيى الدين: ولا يحب إدخال
اليد في الإناء، بل يكفي أن يلقيه في الإناء ويحركه، ويستحب أن يكون
التراب في غير الغسلة الأخيرة، ليأتي عليه ما ينظفه، والأفضل، أن يكون
في الأولى " (غ) .
قلت: هذه الرواية تدل على أن يكون التراب سابع سبعة " فكيف
يكون الأولى هو الأفضل؟ وأما الرواية الأخرى تدل على أن تكون السابعة
_________________
(١) المصدر السابق (٤/٨٢٥) . (٢) المصدر السابق (١٧/٣٩٤٠) .
(٢) انظر: " شرح صحيح مسلم " (٣/١٨٦) .
(٣) إلى هنا انتهى النقل من " شرح صحيح مسلم ".
[ ١ / ٢١٦ ]
هي الأولى، فح (١) لا يترجح أحدهما على الآخر، بل له أن يجعل
التراب إما أولًا، وإما آخرًا من غير ترجيح أحدهما على الآخر.
وقال أيضًا: " ولا يقوم الصابون والأشنان وما أشبههما/مقام التراب
على الأصح " (٢) .
٦٣- ص- حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل قال: نا يحيى بن سعيد،
عن شعبة قال: نا أبو التياح، عن مطرف، عن ابن مغفل: " أن رسول الله
ﷺ أمر بقتل الكلاب "، ثم قال: " ما لهم ولها؟ فرخّص في كلب الصيد،
وفي كلب الغنم "، وقال: " إذا ولغ الكلبُ في الإناء فاغسلُوه سبع مرار،
والثامنة عفًرُوه بالتراب " (٣)، (٤) .
ش- يحيي بن سعيد هو القطان، وقد ذكر.
وأبو التياح- بتاء مثناة من فوق، بعدها ياء آخر الحروف مشددة، وفي
آخره حاء مهملة- اسمه: يزيد بن حميد الضبعي من أنفسهم، سمع
أنس بن مالك، وعمران بن حصين، وأبا جمرة نصر بن عمران،
وأبا زرعة، وغيرهم روى عنه: شعبة، والحمادان، والحسن بن
دينار، وغيرهم. قال أحمد: ثبت ثقة. مات سنة ثمان وعشرين ومائة.
روى له الجماعة (٥) .
ومطرف بن عبد الله بن الشخير بن عوف بن كعب أبو عبد الله
البصري. روى عن عثمان بن عفان، وسمع عليّ بن أبي طالب،
وعمران بن الحصين، وعبد الله بن مغفل، وغيرهم. روى عنه: أخوه
أبو العلاء، والحسن البصري، ومحمد بن واسع، وأبو التياح، وغيرهم.
مات سنة خمس وتسعين. روى له الجماعة (٦) .
_________________
(١) أي: " فحينئذ ". (٢) انظر المصدر السابق.
(٢) زيد في سنن أبي داود بين معقوفتين: " قال أبو داود: هكذا قال ابن مغفل ".
(٣) مسلم: كتاب الطهارة (٢٨)، النسائي: كتاب الطهارة (١/٥٤)، ابن ماجه: كتاب الطهارة (٣٦٥)، وفي كتاب الصيد (٣٢٠٠، ٣٢٠١) .
(٤) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٢/٦٩٧٨) .
(٥) المصدر السابق (٢٨/٦٠٠١) .
[ ١ / ٢١٧ ]
وابن مغفل هو: عبد الله بن مغفل المزني الصحابي، وقد ذكر.
قوله: " أمر بقتل الكلاب " إنما أمر بذلك تغليظًا عليهم؛ لأنهم كانوا
متولعين بها، وهذا منسوخ؛ لأنه﵇- أمر بذلك مرة، ثم
صح أنه نهى عن قتلها، ثم إن كان الكلب عقورًا يجوز قتله، لقوله
- ﵇-: " خمس من الفواسق يقتلن في الحل والحرم "
وعد منها " الكلب العقور " (١)، وإن لم يكن عقورًا لم يجز قتله
مطلقًا، سواء كان للصيد أو الزرع، أو غير ذلك.
قوله: " ثم قال: ما لهم ولها؟ " أي: ما حالهم وحال الكلاب، وهذا
إشارة إلى النهي عن اقتنائها، " (٢) واتفقوا على أنه يحرم اقتناء الكلاب
لغير حاجة، مثل أن يقتني كلبًا إعجابًا لصورته أو للمفاخرة به، فهذا
حرام بلا خلاف، وأما الحاجة التي يجوز الاقتناء لها فقد رخص فيه
- ﵇-، وهو قول عبد الله بن مغفل: " فرخص في كلب
الصيد، وفي كلب الغنم "، وفي الرواية الأخرى: " وكلب الزرع "،
وهذا جائز بلا خلاف، وفي هذا المعنى من اقتناه لحراسة الدُّور والدُّرُوب،
واختُلف فيمن اقتنى كلب صيدٍ وهو لا يصيد ".
قوله: " والثامنة عفروه " أي: المرة الثامنة عفروا الإناء بالتراب. وقال
في " المطالع ": معناه: اغسلوه بالتراب، وهو من العفر- بالتحريك-
وهو التراب، يقال: عفرهُ في التراب يُعفّرُهُ عفْرًا وعفرهُ تعْفيرًا، أي:
مرغه، وشيء معْفُورٌ ومُعفرٌ مُترّبٌ.
وقال الشيخ محيي الدين (٣): " وأما رواية: " وعفروه الثامنة بالتراب "
_________________
(١) البخاري: كتاب جزاء الصيد، باب: ما يقتلُ المحرمُ من الدواب (١٨٢٩)، مسلم: كتاب الحج، باب: ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب في الحل والحرم (١١٩٨/٦٦) من حديث عائشة.
(٢) انظره في شرح صحيح مسلم (٣/١٨٦) .
(٣) انظر: شرح صحيح مسلم (١/١٨٥) .
[ ١ / ٢١٨ ]
فمذهبنا ومذهب الجماهير أن المراد اغسلوه سبعًا، واحدة منهن تراب مع
الماء، فكان التراب قائم مقام غسلة، فسميت ثامنة لهذا ".
قلت: هذا مخالف لصريح الحديث؛ لأن صريحه يدل على أن يكون
الغسل بالماء سبع مرات، ويكون التعفير بالتراب مرة ثامنة، وكذا روي
عن الحسن البصري أنه قال: يفتقر إلى دفعة ثامنة، وهي رواية عن الإمام
أحمد على ما ذكرناه وأخرج هذا الحديث مسلم والنسائي وابن ماجه.
***