أي: هذا باب في بيان أحكام الوُضوء بفضل وضوء المرأة. الوُضوء
الأول بضم الواو اسم للفعل، والثاني بفتح الواو اسم الماء الذي يتوضأ
٦٦- ص- حدثنا مسدد قال: ثنا يحيى، عن سفيان قال: حدثني
منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة﵂- قالت:
" كُنتُ أغتسلُ أنا ورسولُ الله ﷺ في إناء واحد ونحنُ جُنُبان " (٢) .
ش- مسدد بن مسرهد، ويحيى القطان، وسفيان الثوري، ومنصور
ابن المعتمر، وإبراهيم النخعي، والأسود بن يزيد، كلهم ذكروا.
قوله: " ورسول الله " عطف على قوله: " أنا "، وقد علم أن العطف
على المرفوع المتصل لا يجوز إلا إذا أكد بمنفصل، نحو: ضربت أنا
وزيد، ولا يجوز: ضربت وزيد، وذلك لأن المتصل المرفوع لما تأكد
اتصاله صار كالجزء، فإذا عطفت عليه توهم عطف الاسم على الفعل.
قوله: " ونحن جنبان " جملة اسمية وقعت حالًا من المعطوف والمعطوف
_________________
(١) سنن الدارقطني (١/٧٠) .
(٢) البخاري: كتاب الغسل، باب: غسل الرجل مع امرأته (٢٥٠)، مسلم: كتاب الطهارة، باب: القدر المستحب في غسل الجنابة (٣١٩)، الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في وضوء الرجل والمرأة من إناء واحد (٦٢)، النسائي: كتاب الطهارة، باب: ذكر اغتسال الرجل والمرأة من نسائه في إناء واحد (١/١٢٩) .
[ ١ / ٢٢٣ ]
عليه، وقوله: " جنبان " على إحدى اللغتين في الجنب، أنه يثنى ويجمع
فيقال: جنبان وجنبون وأجناب، واللغة الأخرى: رجل جنب، ورجلان
جنب، ورجال جنب، ونساء جنب، بلفظ واحد، قال الله تعالى:
(وإن كُنتُمْ جُنُبًا) (١)، وقال: (ولا جُنُبًا إلا عابري سبيل) (٢)، وهذه
اللغة أفصح وأشهر. ويستفاد من هذا الحديث فوائد:
الأولى: أن الجنب ليس بنجس.
والثانية: أن فضل وضوء المرأة طاهر.
والثالثة: جواز اغتسال الاثنين أو أكثر من إناء واحد.
وأخرج النسائي هذا الحديث مختصرًا، ومسلم من حديث أبي سلمة بن
عبد الرحمن، عن عائشة، والبخاري من حديث عروة، عن عائشة
قالت: " كنت أغتسلُ أنا ورسولُ الله﵇- من إناء واحد من
جنابة ".
٦٧- ص- حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي قال: نا وكيع، عن أسامة بن
زيد، عن ابن خربوذ، عن أم صُبية الجهنية قالت: " اختلفتْ يدي ويدُ
رسول الله ﷺ في الوُضوء من إناء واحد " (٣)
ش- أسامة بن زيد الليثي مولاهم أبو زيد المدني، روى عن: يعقوب
ابن عبد الله بن أبي طلحة، وأبي سعيد مولى عبد الله بن عامر بن كريز،
ونافع، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، والزهري، وغيرهم.
روى عنه: الثوري، وابن المبارك، وابن وهب، ووكيع، وغيرهم.
قال ابن معين: هو ثقة حجة. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج
به. وقال النسائي: ليس بالقوي. روى له الجماعة، واستشهد به
البخاري (٤) .
_________________
(١) سورة المائدة: (٦) . (٢) سورة النساء: (٤٣) .
(٢) ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: الرجل والمرأة يتوضأن من إناء واحد
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢/٣١٧) .
[ ١ / ٢٢٤ ]
وابن خربوذ هو سالم بن سرْج- بالجيم-، وهو ابن خرّبُوذ
أبو النعمان، ويقال سالم بن النعمان، مولى أم صُبية الجهنية، روى عن
مولاته أم صُبية ولها صحبة. روى عنه أسامة بن زيد المدني وغيره. وثقه
ابن معين وغيره. روى له البخاري في " الأدب "، وأبو داود، وابن
ماجه (١) .
و" خربُوذ " بفتح الخاء المعجمة، والراء المشددة،/وضم الباء
الموحدة، وفي آخره ذال معجمة، وهو لا ينصرف للعلمية والعجمة.
وأم صُبية اسمها: خولة بنت قيس بن قهد بن قيس بن ثعلبة بن غنم بن
مالك بن النجار. روى عنها معروف (٢) بن خربوذ، روى لها أبو داود،
وابن ماجه (٣) .
و" أم صُبية " بضم الصاد، وفتح الباء الموحدة، وتشديد الياء آخر
الحروف وفتحها، وبعدها تاء تأنيث.
قوله: " اختلفت يدي ويدُ رسول الله " بمعنى: أنها كانت تغرف هي مرة
ورسول الله مرة. ويستفاد من هذا فائدتان: الأولى: جواز توضئ
الاثنين من إناء واحد.
والثاني: جواز توضئ الرجل والمرأة من إناء واحد.
وأخرج هذا الحديث ابنُ ماجه.
٦٨- ص- حدّثنا مسدد قال: نا حماد، عن أيوب، عن نافع ج، وحدثنا
عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: " كان الرجالُ
والنساءُ يتوضوءُون في زمان رسول الله ﷺ ". قال مسدد: " من الإناء
الواحد جميعًا " (٤) .
_________________
(١) المصدر السابق (١٠/٢١٤٧) . (٢) كذا (٣) المصدر السابق (٣٥/٧٩٨٧) .
(٢) البخاري: كتاب الوضوء، باب: وضوء الرجل مع امرأته (١٩٣)، النسائي: كتاب الطهارة، باب: وضوء الرجال والنساء جميعًا (١/٥٧)، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: الرجل والمرأة يتوضأن من إناء واحد (٣٨١) . ١٥. شرح سنن أبي داوود ١
[ ١ / ٢٢٥ ]
ش- حماد بن زيد، وأيوب السختياني، ونافع مولى ابن عمر،
ومالك بن أنس ذكروا كلهم.
روى أبو داود هذا الحديث من طريقين كما ترى.
قوله: " جميعًا " حال من الرجال والنساء، والمعنى مجتمعين.
وأخرجه النسائي وابن ماجه، وأخرجه البخاري وليس فيه: " من الإناء
الواحد ".
٦٩- ص- حدّثنا مسدد قال: ثنا يحيى، عن عبيد الله قال: حدثني نافع،
عن عبد الله بن عمر قال: " كنا نتوضأ نحنُ والنساءُ ونغتسلُ من إناء واحد
على عهد رسول الله ﷺ " زاد فيه: " نُدْلي فيه أيدينا " (١)، (٢) .
ش- يحيى هو القطان، وعبيد الله هو ابن عمر بن حفص بن عاصم
ابن عمر بن الخطاب القرشي العدوي أبو عثمان المدني، أخو عبد الله
وأبي بكر وعاصم، سمع أم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص،
وسالم بن عبد الله، وكريبًا مولى ابن عباس، وسعيدًا (٣) المقبري،
ونافعًا مولى ابن عمر، وعمرو بن الدينار وغيرهم. روى عنه: أيوب
السختياني، وحميد الطويل، وابن جريج، والثوري، والليث بن
سعد، ويحيى القطان، وابن المبارك، وجماعة آخرون كثيرة. روى له
الجماعة (٤) .
قوله: " والنساء " عطف على قوله: " نحن "، وقد قلنا: إن الضمير
المرفوع المتصل لشدة اتصاله بالفعل، لا يعطف عليه إلا بضمير منفصل،
حتى لا يتوهم عطف الاسم على الفعل.
قوله: " ندلي " من الإدلاء، والإدلاء: هو إرسال الدلو في البئر،
_________________
(١) في سنن أبي داود: " كنا نتوضأ نحن والنساء على عهد رسول الله ﷺ من إناء واحد، ندلي فيه أيدينا " كذا.
(٢) انظر التخريج السابق. (٣) في الأصل: " وسعيد ".
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (١٩/٣٦٦٨) .
[ ١ / ٢٢٦ ]
يقال: ًا دْليْتُ الدلو ودلّيْتُها إذا أرسلتها، ودلوْتُها أدْلُوها فأنا دال إذا
أخرجتها، والمعنى هاهنا: إرسال أيديهم في الإناء مثل ما يرسلُ الدلو.
ويستفاد من هذا الحديث جواز توضئ الرجال والنساء واغتسالهم من
إناء واحد، ولكن المراد من هذا توضؤُ النساء واغتسالهن مع أزواجهن لأن
" الألف واللام " في قوله: " والنساء " بدل من المضاف إليه، والتقدير:
نتوضأ نحن ونساؤنا، يعني: أزواجنا، وذلك لأن الأجنبية لا يجوز لها
أن تغتسل مع الرجل من إناء واحد؛ لأن الاختلاء بها حرام والاغتسال لا
يكون إلا في الخلوة، لاحتياج الإنسان إلى كشف البدن، يدل على ذلك
ما مر من حديث عائشة﵂-، وأما توضؤ المرأة مع الرجل
الأجنبي من إناء واحد، فظاهر حديث أم صُبية يدل على جوازه، ولأن
فيه لا يحتاج إلى الاختلاء، ولا كشف العورة، ووجه الحرة ويداها ليست
بعورة، وفي قدمها روايتان.
***