أي: هذا باب في بيان حكم التوضئ بماء (٢) البحر.
٧٢- ص- حدّثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن صفوان بن سليم،
عن سعيد بن سلمة بن الأزرق من آل (٣) ابن الأزرق: أن المغيرة بن أبي بردة
- وهو من بني عبد الدار- أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول: سأل رجلٌ
رسول الله ﷺ فقال: " يا رسول الله، إنّا نركبُ البحر، ونحملُ معنا القليل
_________________
(١) = المهملة، وقال محققه: " جاء في حاشية نسخة المؤلف بخطه: كذا قيده ابن ماكولا (٧/٢٢٣)، وقال غيره: مجدح بالحاء ". قلت: وكذا هو في الاستيعاب، إلا أنه تصحف إلى " محدج " بالجيم.
(٢) انظر ترجمته في: الاستيعاب (١/٣١٤) بهامش الإصابة، وأسد الغابة (٢/٤٠)، والإصابة (١/٣٤٦) .
(٣) في الأصل: " بباب ". (٣) في الأصل: " مولى " خطأ.
[ ١ / ٢٣٠ ]
من الماء، فإن توضأ نا به عطشْنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله ﷺ:
" هو الطهُورُ ماؤُه، الحل ميتتهُ " (١) .
ش- مالك هو: ابن أنس الإمام.
وصفوان بن سليم المدني أبو عبد الله، ويقال: أبو الحارث الزهري
أبوه سُليم مولى حميد بن عبد الرحمن بن عوف. روى عن: عبد الله
ابن عُمر، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن جعفر، وسمع أنس بن
مالك، وحميد بن عبد الرحمن، وعبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري،
وغيرهم. روى عنه: مالك بن أنس، والثوري، وابن عيينة، وزياد بن
سعد، وجماعة آخرون. قال أحمد: ثقة، من خيار عباد الله. توفي
بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين ومائة. روى له الجماعة (٢) .
وسعيد بن سلمة المخزومي من آل بني (٣) الأزرق، روى عن المغيرة بن
أبي بردة. روى عنه: صفوان بن سليم، روى له أبو داود، والترمذي،
والنسائي، وابن ماجه (٤) .
والمغيرة بن أبي بردة رجل من بني [عبد] الدار، روى عن أبي هريرة ٠
روى عنه: يحيى بن سعيد الأنصاري، وصفوان بن سليم، وأبو مرزوق
التُجيبي، وغيرهم. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن
ماجه (٥) .
قوله: " وهو من بني [عبد] الدار " أي: المغيرة بن أبي بردة رجل من
بني [عبد] الدار.
_________________
(١) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في ماء البحر أنه طهور (٦٩)، النسائي: كتاب الطهارة، باب: في ماء البحر (١/٥٠)، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: الوضوء بماء البحر (٣٨٦) .
(٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (١٣/٢٨٨٢) .
(٣) كذا.
(٤) المصدر السابق (١٠/٢٢٨٩) .
(٥) المصدر السابق (٢٨/٦١٢٣) .
[ ١ / ٢٣١ ]
قوله: " هو الطهور ماؤه " " هو " مبتدأ، و" الطهور " مبتدأ ثان، و" ماؤه"
خبر المبتدأ الثاني، والجملة خبر المبتدأ الأول.
ويجوز أن يكون ارتفاع " ماؤه " بإسناد " الطهُور " إليه، ويكون الفاعل
مع فعله خبرًا للمبتدأ؛ لأن الطّهور اسم بمعنى المطهّر، واسم الفاعل
يعمل عمل فعله كما عرف في موضعه، وهذا التركيب فيه القصر؛ لأن
المبتدأ والخبر وقعا معرفتين، وهو من جملة طرق القصر، وهو من قبيل
قصر الصفة على الموصوف؛ لأنه قصر الطهورية على ماء البحر، وقصر
الصفة على الموصوف أن لا تجاوز الصفة ذلك الموصوف إلى موصوف
آخر، لكن يجوز أن يكون لذلك الموصوف صفات أخر، وهذا قصر
ادعائي، وهو يكون فيما إذا قصد به المبالغة لعدم الاعتداد بغيره؛ لأنه لا
يجوز أن يكون قصرًا حقيقيا؛ لأن الطهورية ليست بمقصورة على ماء البحر
فقط، ولكن النبي﵇- لشدة اعتنائه ببيان طهورية ماء البحر
قصرها عليه مبالغة " وادعاء، وهذا من قبيل القصر القلب؛ لأن السائل كان
في اعتقاده أن التوضأ بماء البحر غير جائز، فأثبته﵇- بعكس
ما في قلبه، ويجوز أن يكون قصر تعيين؛ لأنه كان يتردد بين جواز
الوضوء به، وبن عدمه من غير علم بالتعيين، فعينه﵇-
بقوله: " هو الطهور ماؤه "، وهذا أولى من الأول، فافهم.
قوله: " الحل ميتته " التقدير: هو الحل ميتته، والكلام فيه مثل الكلام
في " هو الطهور ماؤه "، والحل- بكسر الحاء- بمعنى الحلال ضد
الحرام، من حلّ يحلُّ من باب ضرب يضرب ويقال: رجل حلال وحل
وحرام وحرم، و" الميتة " بفتح الميم، وعوام الرواة يكسرون الميم وهو
خطأ، ولما كان بين الجملتين اتصالًا ومماسه في الحكم فصل بينهما ولم
يوصل بالعاطف، لئلا يُشعر إلى المغايرة.
واحتج مالك والشافعي وأحمد بهذا الحديث على أن جميع ما في البحر
حلال إلا الضفدع في رواية عن أحمد وقول الشافعي، وعنهم: لا يحل
في البحر ما لا يحل مثله في البر. وقال أصحابنا: لا يؤكل من حيوان
[ ١ / ٢٣٢ ]
الماء إلا السمك بأنواعه لقوله تعالى: (ويُحرّمُ عليْهمُ الخبائث) (١) وما
سوى السمك خبث، والجواب عن الحديث: أن الميتة فيه محمولة على
السمك بدليل قوله﵇-: " أحلت لنا ميتتان ودمان، أما
الميتتان: فالسمك والجراد " (٢) الحديث.
ويستفاد من هذا الحديث/فوائد:
الأولى: أن العالم والمُفْتي إذا سئل عن شيء وهو يعلم أن بالسائل
حاجة إلى معرفة ما وراءه من الأمور التي تتضمنها مسألته كان مستحبا له
تعليمه إياه، ألا ترى أن السائل سأله - ﵇- عن ماء البحر لا
رأى تغيره في اللون، وملوحته في الطعم؟ أجابه﵇- وزاد
فائدة أخرى، وهي كون ميتته حلا، وذلك لاحتياجه إليه أو كأنه- عليه
السلام- علم بالوحي أنه كان يسأل عن ميتته أيضًا، فأجابه قبل السؤال
إسراعًا إلى فضيلة التعليم.
الثانية: أن العالم إذا تفرد بالجواب يتعين عليه ذلك.
الثالثة: أنه يحب على كل أحد أن يسأل أهل العلم عما لا يعلمه أو
يتردد فيه.
الرابعة: فيه دليل على أن الماء لا يفسد بموت السمك فيه، وعلى قول
الخصوم لا يفسد بموت جميع ما فيه من الحيوان، ومنهم من استثنى
الضفدع لأنه﵇- ينهى عن قتله.
الخامسة: فيه دليل على أن ماء البحر يجوز به التوضؤ والاغتسال.
السادسة: فيه دليل على أن السمك يجوز أكله بجميع أنواعه إلا الطافي
منه، لورود النهي عن الطافي.
السابعة: فيه دليل على أن السمك لا ذبح فيه، لإطلاق اسم الميتة عليه.
_________________
(١) سورة الأعراف: (١٥٧) .
(٢) ابن ماجه: كتاب الأطعمة، باب: الكبد والطحال (٣٣١٤) .
[ ١ / ٢٣٣ ]
وأخرج هذا الحديث الترمذيُّ، والنّسائيُّ، وابن ماجه. وقال
الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الترمذي: سألت محمد بن
إسماعيل البخاري عن هذا الحديث فقال: هو حديث صحيح.
قال البيهقي: وإنما لم يخرجه البخاري ومسلم في " صحيحيهما "
لأجل اختلاف وقع في اسم سعيد بن سلمة والمغيرة بن أبي بردة.
***