أي: هذا باب في بيان حكم من يشك في الحدث. الشك: ما
يستوي فيه طرف العلم والجهل، وهو الوقوف بين الشيئين بحيث لا يميل
إلى أحدهما، فإذا قوي أحدهما وترجح على الآخر، ولم يأخذ بما
ترجح ولم يطرح الآخر فهو ظن، وإذا عقد/القلب على أحدهما وترك
الآخر فهو أكبر الظن، وغالب الرأي. ويقال: الشك ما استوى فيه
(١) المصدر السابق (٨/١٦٥٣) .
[ ١ / ٤٠٦ ]
طرفا العلم والجهل، فإذا ترجح أحدهما على الآخر، فالطرف الراجح
ظن، والطرف المرجوح وهم.
١٦٣- ص- حدثنا قتيبة بن سعيد ومحمد بن أحمد بن أبي خلف (١)
قالا: ثنا سفيان، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وعباد بن تميم، عن
عمه (٢): " شُكي إلى النبيّ﵇- الرجلُ يجدُ الشيء في الصلاة
حتى يُخيلُ إليه قال: " لا ينْفتلُ حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا " (٣) .
ش- محمد بن أحمد بن أبي خلف، واسم أبي خلف: محمد
السلمي أبو عبد الله مولاهم البغدادي. سمع: محمد بن طلحة، وابن
عيينة، وروح بن عبادة، وغيرهم. روى عنه: مسلم، وأبو داود،
وابن ماجه، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وغيرهم وقال عبد الرحمن
ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: ثقة صدوق مات سنة ست
وثلاثين ومائتين (٤) .
وسعيد بن المسيب بن حزن بن عمرو أبو محمد المدني، إمام التابعين
وسيدهم. روى عن: عمر بن الخطاب، وسمع منه، ومن عثمان بن
عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن العباس، وأبي هريرة،
وغيرهم. روى عنه: عطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار، وقتادة،
وجماعة آخرون كثيرة. توفي سنة أربع وتسعين، وولد لسنتين مضتا من
خلافة عمر بن الخطاب. روى له الجماعة (٥) .
_________________
(١) في سنن أبي داود: " ابن أبي بن خلف " خطأ.
(٢) في سنن أبي داود: " عن عمه [قال] "
(٣) البخاري: كاب الوضوء، باب: لا يتوضأ من الشك حتى يستيقن (١٣٧)، مسلم: كتاب الحيض، باب: الدليل على أن من يستيقن الطهارة ثم شك في الحدث فله أن يصلي بطهارته تلك (٣٦١)، النسائي: كتاب الطهارة، باب: الوضوء من الريح (١/٩٨)، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: لا وضوء إلا من حدث (٥١٣) .
(٤) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢٤/٥٠٤٢) .
(٥) المصدر السابق (١١/٢٣٥٨) .
[ ١ / ٤٠٧ ]
وعباد قد ذكر، وعمه عبد الله بن زيد الأنصاري الصحابي، وقد ذكر.
قوله: " شُكي إلى النبي " بضم الشين، وكسر الكاف على بناء
المجهول، و" الرجل " مرفوع على أنه فاعل للفعل المذكور، ولم يُسم
الشاكي من هو. وقد جاء في رواية البخاري أن السائل هو. عبد الله بن
زيد الراوي، ولا يتوهم بهذا أن " شكي " مفتوح الشن والكاف على بناء
المعلوم، على أن يجعل الشاكي هو عمه المذكور، فإن هذا غلط لا يخفى
على من يعرف طرق التركيب، وذاق من العربية شيئًا.
قوله: " يجد الشيء " حال من الرجل.
قوله: " يخيل إليه " يعني: خروج الحدث منه.
قوله: " لا ينفتل " أي: لا ينصرف من صلاته حتى يسمع صوتًا أو يجد
ريحًا، والمعنى: حتى يعلم وجود أحدهما، ولا يُشترط السماع والشم
بإجماع المسلمين، فإن الأصم لا يسمع شيئًا، والأخشم الذي راحت
حاسة شمه لا يشم أصلًا، وهذا الحديث أصل من أصول الإسلام،
وقاعدة عظيمة من قواعد الفقه، وهي أن الأشياء يحكم ببقائها على
أصولها حتى يُتبين خلاف ذلك، فمن ذلك مسألة الباب التي ورد فيها
الحديث، وهي أن من تيقن الطهارة وشك في الحدث، حكم ببقائه على
طهارته، سواء كان في نفس الصلاة أو خارج الصلاة، وهذا بالإجماع
إلا عن مالك روايتان، إحديهما: أنه يلزمه الوضوء إن كان شكه خارج
الصلاة، ولا يلزمه إن كان في الصلاة، والأخرى: يلزمه بكل حال،
وحكيت الأولى عن الحسن البصري، وهو وجه شاذ عند الشافعية، وأما
إذا تيقن الحدث وشك في الطهارة فإنه يلزمه الوضوء بالإجماع. ويُبنى
على هذا الأصل فروع كثيرة محلها كتب الفقه. والحديث أخرجه
البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه.
١٦٤- ص- حدثنا موسى بن إسماعيل قال: نا حماد قال: أخبرنا سُهيل
ابن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: " إذا كان
[ ١ / ٤٠٨ ]
أحدُكُم في الصلاة فوجد حركةً في دُبُره، أحدث أو لم يحدث، فأشكل
عليه، فلا ينصرفْ حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا " (١) .
ش- حماد بن سلمة.
وسهيل بن أبي صالح، واسم أبي صالح: ذكوان السمان الكوفي
أبو يزيد الغطفاني الكوفي، مولى جويرية بنت الأحْمس، أخو محمد
وعبد الله وصالح. سمع: أباه، وسعيد بن المسيب، وعطاء بن يزيد،
وغيرهم. روى عنه: يحيى الأنصاري، ومالك بن أنس، وسليمان بن
بلال، والثوري، وشعبة، وابن عيينة، وغيرهم. وقال ابن معين:
ليس حديثه بحجة. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه. وقال أحمد بن
عبد الله: ثقة. روى له الجماعة إلا البخاري (٢) .
قوله: " فأشكل عليه " الضمير الذي في " أشكل " يرجع إلى الحدث
الذي دل عليه قوله: " أحدث " والمعنى: أشكل عليه/هل وجد أم لا،
فلا ينصرف من الصلاة؛ لأن اليقين لا يزول بالشك إلا إذا تيقن الحدث
فح (٣) ينصرف ويتوضأ، ثم هل يبني على ما مضى أو يستأنف، فعندنا:
له أن يبني، وعند الشافعي، ومالك، وأحمد يستأنف، وهو الأفضل
عندنا. وهذا الحديث أخرجه مسلم والترمذي بنحوه.
***