أي: هذا باب في بيان الوضوء من لحوم الإبل.
_________________
(١) المصدر السابق (٢٤/٥١١٠) .
(٢) الترمذي: كتاب الظهارة، باب: ما جاء في الوضوء من مس الذكر (٨٥)، النسائي: كتاب الطهارة، باب: ترك الوضوء من ذلك (١/١٠١)، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: الرخصة في ذلك (٤٨٣) .
[ ١ / ٤٢٩ ]
١٧١- ص- حدّثنا عثمان بن أبي شيبة قال: أنا أبو معاوية قال: أنا
الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله الرازي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى،
عن البراء بن عازب قال: " سُئل رسولُ الله﵇- عن الوضوء من
لُحوم الإبل قال (١): توضؤوا منها، وسُئل عن لُحوم الغنم فقال: لا
توضؤوا منها. وسُئل عن الصلاة في مبارك الإبل فقال: لا تُصلُوا في مبارك
الإبل، فإنها من الشياطين. وسُئل عن الصلاة في مرابض الغنم فقال.
صلوا فيها فإنها بركة " (٢) .
ش- عبد الله بن عبد الله الرازي قاضي رقي، أصله كوفي. روى
عن: جابر بن سمرة، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وسعيد بن جبير.
روى عنه: الأعمش، وفطر بن خليفة، وحجاج بن أرطأة، وغيرهم.
وعن الأعمش: كان ثقة لا بأس به. وقال العجلي: ثقة. روى له:
أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (٣) .
" (٤) واختلف العلماء في أكل لحم الجزُور، فمذهب الأكثرين إلى أنه
لا ينقض الوضوء، وممن ذهب إليه الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وأبي
ابن كعب، وابن عباس، وأبو الدرداء، وأبو طلحة، وعامر بن ربيعة،
وأبو أمامة، وجماهير التابعين، وأبو حنيفة، ومالك، والشافعي،
وأصحابهم، وذهب إلى انتقاض الوضوء به: أحمد بن حنبل، وإسحاق
ابن راهويه، ويحيى بن يحيى، وأبو بكر بن المنذر، وابن خزيمة،
واختاره البيهقي، وحكي عن أصحاب الحديث مطلقًا. وحكي عن
جماعة من الصحابة، واحتج هؤلاء بأحاديث الباب " (٥) .
_________________
(١) في سنن أبي داود: " فقال ".
(٢) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في الوضوء من لحوم الإبل (٨١)، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في الوضوء من لحوم الإبل (٤٩٤) .
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (١٥/٣٣٦٧) .
(٤) انظر: " شرح صحيح مسلم " (٤/٤٨) .
(٥) إلى هنا انتهى النقل من " شرح صحيح مسلم ".
[ ١ / ٤٣٠ ]
والجواب عن هذا: أن الوضوء متأول على الوضوء الذي هو النظافة
ونقاء الزهومة (١)، كما رُو: " توضؤوا من اللبن فإن له دسمًا "،
ومعلوم أن في لحوم الإبل من الحرارة وشدة الزهومة ما ليس في لحوم
الغنم، فكان معنى الأمر بالوضوء منه منصرفًا إلى غسل اليد، لوجود
سببه دون الوضوء، الذي هو من أجل رفع الحدث لعدم سببه. كذا قال
الخطابي (٢) .
فيا ليت شعْري! لماذا لم يأولوا هكذا الوضوء الذي في مس
الذكر، فهل كان هناك حدث حتى يرفعه الوضوء؟ وقال الشيخ
محيي الدين (٣): " ومذهب أحمد أقوى دليلًا وإن كان الجمهور على
خلافه، وقد أجاب الجمهور عن هذا الحديث بحديث جابر- رضي الله
عنه-: " كان آخر الأمرين من رسول الله: ترك الوضوء مما مست النار "،
ولكن هذا الحديث عام، وحديث الوضوء من لحوم الإبل خاص،
والخاص مقدم على العام ".
قوله: " في مبارك الإبل " المبارك: جمع مبرك، وهو الموضع الذي
تبرك فيه الإبل. وقال الخطابي (٤): " إنما نهى عن الصلاة في مبارك
الإبل؛ لأن فيها نفارًا وشرادًا، لا يؤمن أن تتخبط المصلي إذا صلى
بحضرتها، أو تُفسد عليه صلاته، وهذا المعنى مأمون من الغنم لما فيها
من السكون، وقلة النفار ".
قلت: قد علل النبي﵇- في نهيه عن الصلاة في مبارك
الإبل بقوله: " فإنها من الشياطين "، والتأويل في مقابلة التعليل غير
مفيد. ثم معنى قوله: " فإنها من الشياطين ": من مأوى الشياطين،
والضمير يرجع إلى المبارك لا إلى الإبل؛ لأن الإبل ليست من الشياطين.
_________________
(١) الريح النتنة.
(٢) معالم السنن (١/٥٨) .
(٣) " شرح صحيح مسلم " (٤/٤٩) .
(٤) معالم السنن (١/٥٨) .
[ ١ / ٤٣١ ]
وإنما قلنا هكذا لأن الشياطين تأوي إلى المزابل، والمواضع التي فيها القذر،
وللشياطين مآوي ومنازل، ومن جملتها مبارك الإبل، وكلمة " من " تدل
على التبعيض.
فن قلت: مرابض الغنم أيضًا فيها الزبل؟ قلت: قد عللها صاحب
الشرع بقوله: " فإنها بركة " والضمير هاهنا يرجع إلى الغنم؛ لأن عين
الغنم بركة، وقد سقط هاهنا رعاية ذاك المعنى، لكون الغنم بركة، وكل
موضع فيه بركة لا تأوي إليه الشياطين، وكيف وقد ورد " ما من نبي إلا
وقد رعى الغنم ".
فإن قلت: ما حكم لحم البقر في ذلك؟ قلت: قد روى أبو بكر بن
أبي شيبة في " مصنفه ": حدّثنا وكيع، عن (١) /سفيان، عن منصور،
عن إبراهيم قال: " ليس في لحوم الإبل والبقر والغنم وضوء ".
قوله: " في مرابض الغنم " المرابض: جمع مربض- بفتح الميم- من
ربض في المكان يربض إذا لصق بها وأقام ملازمًا لها، وفي " الصحاح ":
وربوض الغنم والبقر والفرس، والكلب مثل بروك الإبل، وجثوم الطير.
يقال: ربضت الغنم مربض بالكسر، ربوضًا وأربضتها أنا.
وهذا الحديث أخرجه الترمذي، وابن ماجه مختصرًا، وكان أحمد بن
حنبل، وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي يقولان: قد صح في هذا الباب
حديث البراء بن عازب، وحديث جابر بن سمرة. وحديث جابر بن
سمرة أخرجه مسلم في " صحيحه "، ولفظه: " أن رجلًا سأل رسول
الله ﷺ أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا
تتوضأ. قال: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم، فتوضأ من لحوم
_________________
(١) مكررة في الأصل.
[ ١ / ٤٣٢ ]
الإبل. قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: نعم. قال: أصلي في
مبارك الإبل؟ قال: لا " (١) .
***