أي: هذا باب في بيان ترك الوضوء في حق من تناول ما مسته النار.
١٧٤- ص- حدثنا عبد الله بن مسلمة قال: نا مالك، عن زيد بن أسلم،
عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس: " أن رسول الله﵇- كل
كتْف شاة، ثم صلى ولم يتوضأ " (٤) .
ش- الكتْف والكتف مثل الكذْب والكذب، وهذا الحديث وأمثاله
ناسخة للأحاديث الواردة بالوضوء مما مست النار، وذهب جماهير
العلماء من السلف والخلف إلى أنه لا ينتقض الوضوء بأكل ما مسته النار،
وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وأبي ثور،
وغيرهم. وذهبت طائفة إلى وجوب الوضوء الشرعي وضوء الصلاة بأكل
ما مسته النار، وهو مروي عن عمر بن عبد العزيز، والحسن البصري،
والزهري، وأبي قلابة، واحتجوا بحديث: " توضؤوا مما مست النار "،
واحتج الجمهور بهذا الحديث وأمثاله. وهذا الحديث أخرجه البخاري
ومسلم.
١٧٥- ص- حدثنا عثمان بن أبي شيبة ومحمد بن سليمان الأنباري،
المعنى، قالا: ثنا وكيع، عن مسعر، عن أبي صخرة جامع بن شداد، عن
_________________
(١) كذا، وفي المسند: " للدنيا ".
(٢) مسند أحمد (٣/٣٦٥) .
(٣) في سنن أبي داود: " مست ".
(٤) البخاري: كتاب الوضوء، باب: من لم يتوضأ من لحم الشاة والسويق
(٥) ، مسلم: كتاب الحيض، باب: نسخ الوضوء مما مست النار
(٦) ، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: الرخصة في ذلك (٤٨٨) .
[ ١ / ٤٣٨ ]
المغيرة بن عبد الله، عن المغيرة بن شعبة قال: " ضفْتُ النبي﵇-
ذات ليلة، فأمر بجنب فشُوي، وأخذ الشفْرة فجعل يحُز لي بها منه قال:
فجاء بلالٌ فآذنه بالصلاة قال: فألقى الشفْرة، وقال: ما له تربتْ يداه؟ وقام
يُصلّي ". زاد الأنباري: " وكان شاربي وفى، فقصهُ [لي] (١) على سواك "
أو قال: " أقُصُه لك على سواك؟ (٢) .
ش- مسعر بن كدام.
وجامع بن شداد المحاربي أبو صخرة، ويقال: أبو صخر الكوفي.
روى عن: طارق بن عبد الله المحاربي، وصفوان بن مُحرز، والأسود
ابن هلال، وحُمران بن أبان، وغيرهم. روى عنه: الأعمش،
ومسعر، والثوري، وغيرهم. قال ابن معين وأبو حاتم: ثقة. توفي
سنة سبع وعشرين ومائة. روى له الجماعة (٣) .
والمغيرة بن عبد الله اليشكري، سمع: المغيرة بن شعبة، وأباه،
والمعرور بن سُويد، وعبد الله بن الحارث. روى عنه: جامع بن
الشداد، وواصل الأحدب، وعلقمة بن مرثد. روى له: أبو داود،
والترمذي، والنسائي (٤) .
قوله: " ضفتُ النبي " من ضافه يضيفه، يقال: ضفت الرجل إذا نزلت
به في ضيافته، وأضفته إذا أنزلته، وتضيفته إذا نزلت به، وتضيفني إذا
أنزلني.
قوله: " ذات ليلة " أي: ضفت النبي﵇- مدة، التي هي
ليلة. وقد ذكرنا الكلام في " ذات يوم "، و" ذات ليلة " ونحوهما في
أوائل الكتاب.
قوله: " فأمر بجنب فشُوي " الجنب جنب الشاة، وهي القطعة العظيمة
منها، والجنب: القطعة من الشيء يكون معظمه أو شيئًا كبيرًا منه.
_________________
(١) زيادة من سنن أبي داود.
(٢) تفرد به أبو داود.
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٤/٨٨٩) .
(٤) المصدر السابق (٢٨/٦١٣٤) .
[ ١ / ٤٣٩ ]
قوله: " وأخذ الشفرة " الشفرة- بسكون الفاء-: السكن العريضة ٠
قوله: " فجعل يحُزُّ " اعلم أن " جعل " جارٍ مجرى أفعال القلوب في
مجرد الدخول على المبتدأ والخبر، لا في غيره من الأحكام وهي تسعة
منها " جعل "، و" يحز " من حز- بالحاء المهملة- إذا قطع، ويقال:
الحزّ: القطع في الشيء من غير إبانة. يقال: حززت العود أحزه حزا،
والضمير في " بها " يرجع إلى " الشفرة "، وفي " منه لما إلى " الجنب ".
قوله: " فآذنه " بالمد أي: أعلمه من أذن إيذانًا.
قوله: " تربت يداه " كلمة تقولها العرب عند اللوم والتأنيب. ومعناه:
الدعاء عليه بالعقر والعدم، وقد يطلقونها في كلامهم، وهم لا يريدون
وقوع الأمر كما قالوا: " عقرى حلقى "، فإن هذا الباب لما كثر في
كلامهم، ودام استعمالهم له في خطابهم صار عندهم بمعنى اللغو
كقولهم: " لا والله "، و" بلى والله "، وذلك من لغو اليمين الذي لا
اعتبار به، ولا كفارة فيه؟ ويقال: ترب الرجل إذ افتقر، وأترب إذا
استغنى، ومثل هذا قوله﵇-: " فعليك بذات الدين تربت
يداك ".
وقال ابن الأثير (١): " إن هذا دعاء له، وترغيب في استعماله فما
تقدمت الوصية به، وكثيرًا ترد للعرب ألفاظ/ظاهرها الذم، وإنما يريدون
بها المدح كقولهم: لا أب لك ولا أم لك، وهوتْ أمه، ولا أرض لك
ونحو ذلك، ومنه حديث أنس﵁-: " لم يكن رسول الله
سبابًا، ولا فحاشًا، كان يقول لأحدنا عند المعاتبة: ترب جبينُه ".
وقيل: أراد به الدعاء له بكثرة السجود، فأما قوله لبعض أصحابه: " ترب
نحرُك "، فقتل الرجل شهيدًا، فإنه محمول على ظاهره " (٢) .
_________________
(١) النهاية (١/١٨٤- ١٨٥) .
(٢) إلى هنا انتهى النقل من النهاية.
[ ١ / ٤٤٠ ]
قوله: " وقام يُصلي " المعنى: قام يشرع في الصلاة؛ لأن حالة القيام لا
يكون مصليا، وإنما يكون شارعًا.
فإن قيل: هذا مخالف لقوله: " إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاةُ،
فابدؤا بالعشاء: قلنا: ليس كذلك، " (١) لأن هذا للصائم الذي قد
أصابه الجوع، وتاقت نفسه إلى الطعام، فأمر أن يصيب من الطعام قدر
ما يُسكن شهوته، لتطمئن نفسه في الصلاة، ولا تنازعه شهوة الطعام،
وهذا فيمن (٢) أحضره الطعام أو أن العادة غداء وعشاء يكون متماسكًا في
نفسه يزعجه الجوع، ولا تعجله عن إقامة الصلاة وإيفاء حقها ".
قوله: " وكان شاربي وفى " أي: كثيرًا وافرًا من وفي الشيء بالتشديد،
ووفى بالتخفيف أيضًا إذا تم ذلك.
قوله: " فقصه " أي: قطعه من القص، ويستفاد من الحديث فوائد،
الأولى: استحباب إكرام الضيف وإطعامه من خيار الطعام.
والثانية: ترك استخدامه.
والثالثة: المبادرة إلى الطاعة.
والرابعة: جواز الدعاء لرجل بكلمة ظاهرها الذم.
والخامسة: فيه دلالة على [أن] الأمر بالوضوء مما غيرت النار أمر
استحباب لا أمر إيجاب.
السادسة: جواز قطع اللحم بالسكين، فإن قيل: جاء النهي. فيه في
بعض الحديث: " وأمرنا بالنهش " قلنا: المراد من ذلك كراهة زي العجم،
واستعمال عادتهم في الأكل بالأخلة والبارجين على مذهب النخوة والترفه
عن مس الأصابع الشفتين والفم، وأما إذا كان اللحم طابقًا أو عضوًا كبيرًا
كالجنب ونحوه، لا يكره قطعه بالسكن، وإصلاحه به والحزُ
_________________
(١) انظره في معالم السنن (١/٥٨) .
(٢) في الأصل: " وأما إذا "، وما أثبتناه من معالم السنن.
[ ١ / ٤٤١ ]
منه، وإذا كان عُراقًا أو نحوه فنهشه مستحب على مذهب التواضع وطرح
الكبر.
السابعة (١): استحباب قطع الشارب إذا طال وتجاوز عن حده،
والحديث أخرجه الترمذي، وابن ماجه (٢) .
١٧٦- ص- حدثنا مسدد قال: ثنا أبو الأحوص قال: ثنا سماك، عن
عكرمة، عن ابن عباس قال: " كل رسولُ الله ﷺ كتفًا ثم مسح يده بمسْح
كان تحته، ثم قام فصلى " (٣) .
ش- مسدد بن مسرهد، وأبو الأحوص: عوف بن مالك، وسماك
ابن حرب، وعكرمة مولى ابن عباس.
قوله: " كتفًا " الكتف: عظم عريض يكون في أصل كتف الحيوان من
الناس والدواب، وهو بكسر الكاف، وسكون التاء، وفتح الكاف،
وكسر التاء، مثل كذْب وكذب.
قوله: " بمسْح " المسح بكسر الميم وسكون السين: البلاسُ (٤)،
والجمع " مسوح " و" أمساح ".
قوله: " كان تحته " صفة للمسح.
وفيه فوائد، الأولى: جواز مسح اليد بالمسح وبأي شيء كان.
والثانية: جواز استفراش المسح.
والثالثة: الاكتفاء بالمسح عقيب الطعام بدون الغسل. وأخرج هذا
الحديث ابن ماجه أيضًا.
١٧٧- ص- حدثنا حفص بن عمر النمري قال: ثنا همام، عن قتادة،
_________________
(١) في الأصل: " السادسة ".
(٢) ذكر صاحب التحفة (٨/١١٥٣٠) أن هذا الحديث لم يخرجه إلا الترمذي في " الشمائل "، والنسائي في " الكبرى " فقط، والله أعلم.
(٣) ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: الرخصة في ذلك (٤٨٨) .
(٤) البلاس: ثوب من الشعر غليظ.
[ ١ / ٤٤٢ ]
عن يحيى بن يعمر، عن ابن عباس: " أن النبي﵇- انْتهس من
كتف، ثم صلى ولم يتوضأ " (١) .
ش- حفص بن عمرو بن الحارث بن سخبرة، وهمام بن يحيى بن
دينار، وقتادة بن دعامة.
ويحيى بن يعمر أبو سليمان، أو أبو سعيد، أو أبو عدي البصري
المروزي قاضيها أيام فتنة ابن مسلم. سمع: عبد الله بن عباس، وعبد الله
ابن عمر، وجابر بن عبد الله، وأبا هريرة، وأبا سعيد الخدري،
وأبا الأسود الديلي. وروى عن: أبي موسى، والنعمان بن بشير،
وعائشة أم المؤمنين. وروى عنه: عبد الله بن بريدة، إسحاق بن سويد،
ويحيى بن عقيل، وعطاء الخراساني. قال أبو زرعة وأبو حاتم: ثقة.
روى له الجماعة (٢) .
قوله: " انتهس " النهس- بالسين المهملة-: أخذ اللحم بأطراف
الأسنان، والنهش- بالمعجمة-: الأخذ بجميعها. وقال الأصمعي:
كلاهما واحد. وقيل: هو بالمهملة أبلغ منه بالمعجمة. وقيل: النهس:
سرعة الأكل. وقيل: نهس الرجل والسبُع نهسًا/: قبض عليه ثم نثره.
وقد أخرج البخاري ومسلم من حديث عطاء بن يسار عنه: " أن رسول الله
آكل كتف شاة، ثم صلى ولم يتوضأ ".
١٧٨- ص- حدثنا إبراهيم بن الحسن الخثْعمي قال: نا حجاج قال ابن
جريج: أخبرني محمد بن المنكدر قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول:
" قربتُ للنبي﵇- خُبزًا ولحمًا، فأكل ثم (٣) دعا، فدعا بوضوء
فتوضأ (٣)، ثم صلى الظهر، ثم دعا بفضل طعامه، فأكل ثم قام إلى الصلاة
ولم يتوضأ " (٤) .
_________________
(١) تفرد به أبو داود.
(٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٢/٦٩٥٢) .
(٣) في سنن أبي داود: " ثم دعا بوضوء فتوضأ به ".
(٤) تفرد به أبو داود.
[ ١ / ٤٤٣ ]
ش- إبراهيم بن حسن بن الهيثم المقسمي الخثعمي (١) البصري. روى
عن: الحارث بن عطية، وحجاج بن محمد. روى عنه: أبو داود،
والنسائي، وموسى بن هارون. قال أبو حاتم: هو صدوق، وكتب
عنه (٢) .
وحجاج بن محمد الأعور، وابن جريج عبد الملك بن عبد العزيز،
وقد ذكر.
ومحمد بن المنكدر بن عبد الله بن الهُدير بن عبد العزى بن عامر بن
الحارث بن حارثة بن سعد بن تيم بن مرة، أبو بكر، أو أبو عبد الله
القرشي التيمي. روى عن: أبي قتادة، وأبي هريرة، وعبد الله بن
عمر، وسفينة، وأبي رافع، وأسماء بنت أبي بكر. وسمع: عبد الله
ابن الزبير، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وعائشة، وأميمة،
وغيرهم. روى عنه: جعفر بن محمد الصادق، وعمرو بن دينار، وزيد
ابن أسلم، ومالك بن أنس، وابن جريج، وابنه المنكدر، وجماعة
آخرون. توفي سنة إحدى وثلاثين ومائة. روى له الجماعة (٣) .
قوله: " قرّبتُ " بتشديد الراء.
قوله: " ثم دعا " أي: ثم دعا عقيب الطعام.
وقوله: " فدعا بوضوء " يجوز أن يكون تفسيرًا لقوله: " ثم دعا "
والمعنى: لما فرغ من الطعام طلب الوضوء، ويجوز أن يكون " دعا "
الأول من الدعاء إلى الله تعالى بالشكر، والثناء، وبالدعاء لجابر حيث
قرّب له الطعام، ويكون " دعا " الثاني بمعنى: الطلب، والمعنى: لما
أكل ودعا طلب الوضوء، و" الفاء " في الأول الفاء التفسيرية. وفي
الثاني للعطف المفيد للترتيب، و" الوضوء " بفتح الواو: الماء الذي
_________________
(١) في الأصل: " القسمي العبشمي " خطأ.
(٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢/١٦٣) .
(٣) المصدر السابق (٢٦/٥٦٣٢) .
[ ١ / ٤٤٤ ]
يُتوضأ به. ويستفاد من هذا الحديث فوائد، الأولى: جواز الجمع بين
الطعامين.
والثانية: جواز العود إلى فضلة الطعام.
والثالثة: جواز ترك الوضوء مما مست النار
١٧٩- ص- حدثنا موسى بن سهل أبو عمران الرملي قال: نا عليّ بن
عياش قال: نا شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال:
" كان آخرُ الأمرين أن (١) رسول الله﵇- ترك الوُضوءُ مما غيرت
النارُ " (٢) .
قال أبو داود: هذا اختصار من الحديث الأول.
ش- موسى بن سهل بن قادم أبو عمران الرملي. سمع: علي بن
عياش الحمصي، وحجاج بن إبراهيم الأزرق، وعبد الملك بن حكم،
وجماعة آخرين. روى عنه: أبو داود، والنسائي، وأبو حاتم، وابنه
عبد الرحمن، وأبو بكر بن خزيمة، وغيرهم. قال أبو حاتم: صدوق.
مات سنة إحدى وستين ومائتين (٣) .
وعلي بن عياش- بالشين المعجمة- ابن مسلم الحمصي الألهاني
أبو الحسن، يُعرف بالبكاء. روى عن: شعيب بن أبي حمزة، وعبد الرحمن
ابن ثابت، ومحمد بن مهاجر، ومعاوية بن يحيى، وغيرهم. روى
عنه: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والبخاري، وأبو زرعة
الدمشقي، وغيرهم. قال أحمد بن عبد الله: هو ثقة. مات سنة ثمان
عشرة ومائتين، وهو ابن ست وسبعين سنة. روى له الجماعة (٤) .
وشعيب بن أبي حمزة، واسم أبي حمزة: دينار القرشي الأموي،
_________________
(١) في سنن أبي داود: " من ".
(٢) النسائي: كتاب الطهارة، باب: ترك الوضوء مما غيرت النار (١/١٠٧) .
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢٩/٦٢٦٤) .
(٤) المصدر السابق (٢١/٤١١٦) .
[ ١ / ٤٤٥ ]
مولاهم الحمصي. سمع: نافعًا، والزهري، ومحمد بن المنكدر،
ومحمد بن الوليد، وغيرهم. روى عنه: بقية بن الوليد، وأبو حيوة
شريح بن يزيد، وعليّ بن عياش، وغيرهم. وقال أبو حاتم: ثقة.
مات سنة ثنتين وسبعين ومائة. روى له الجماعة (١) .
قوله: " كان آخر الأمرين " الأمران هما: الوضوء مما مسته النار،
وترك الوضوء منه، و" آخر " مرفوع على أنه اسم " كان "، وخبره قوله:
" أن رسول الله "، والمعنى: أن هذا الحديث ناسخ لحديث الوضوء مما
مست النار، وهو حديث صحيح. ورواه النسائي أيضًا وغيرهما من أهل
السنن. واحتج الجمهور بذلك على ترك الوضوء مما مسته النار.
١٨٠- ص- حدثنا أحمد بن عمرو بن السرج قال: نا عبد الملك بن
أبي كريمة. قال ابنُ السرح: من (٢) خيار المسلمين، حدّثني/عبيد بن
ثمامة المرادي قال: قدم علينا مصر عبدُ الله بن الحارث بن جزء الزبيدي من
أصحاب النبي﵇- فسمعته يحدث في مسجد مصر قال: " لقد
رأيتُني سابع سبعة أو سادس ستة مع رسول الله ﷺ في دار رجل، فمر بلال
فناداه بالصلاة فخرجْنا، فمررنا برجل وبُرمتُهُ على النار، فقال له رسولُ الله:
" أطابتْ بُرْمتك؟ قال: نعم بأبي وأمي (٣)، فتناول منها بضعة فلم يزل
يعْلُكُها حتى أحرم بالصلاة وأنا انظر إليه " (٤) .
ش- عبد الملك بن أبي كريمة البصري. روى عن: عُبيد بن ثمامة.
روى عنه: أبو الطاهر أحمد بن عمرو المذكور. روى له: أبو داود.
وعُبيد بن ثمامة المرادي. سمع عبد الله بن الحارث، روى عنه عبد الملك
المذكور، روى له أبو داود (٥) .
_________________
(١) المصدر السابق (١٢/٢٧٤٧) .
(٢) في سنن أبي داود: " ابن أبي كريمة من خيار المسلمين ".
(٣) في سنن أبي داود: " بأبي أنت وأمي ".
(٤) تفرد به أبو داود.
(٥) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (١٨/٣٥٥٢) .
[ ١ / ٤٤٦ ]
وعبد الله بن الحارث بن جزء بن عبد الله بن معدي كرب الزُبيدي
أبو الحارث، شهد فتح مصر واختط بها وسكنها. روى عنه: عبد الملك
المذكور، ومسلم بن يزيد الصدفي، وعقبة بن مسلم التجيبي، ويزيد بن
أبي حبيب، وغيرهم من أهل مصر، وكان قد عمي، وهو آخر من مات
بمصر من أصحاب النبي﵇- سنة خمس أو سبع أو ثمان
وثمانين. وقال أحمد بن محمد بن سلامة: كانت وفاته بأسفل مصر
بالقرية المعروفة بسقط القدور. روى له: أبو داود، والترمذي، وابن
ماجه (١) .
قوله: " قال ابن السرح: من خيار المسلمين " أي: قال ابن السرح
المذكور: أن عبد الملك المذكور من خيار المسلمين.
قوله: " لقد رأيتُني " بضم التاء، أي: لقد رأيت نفسي.
قوله: " سابع سبعة " مفعول ثان لرأيت، ومعنى سابع سبعة: إما
واحد من السبعة أو مصير الستة سبعة، وهكذا القاعدة في المفرد في المتعدد
باعتبار تصييره. تقول الثاني والثالث والرابع إلى العاشر، فإنها أسماء
موضوعة لواحد من المعدود باعتبار ذلك العدد المشتق ذلك الاسم منه،
كالثالث مثلًا، فإنه مشتق من الثلاثة لواحد، إما باعتبار أنه أحد الثلاثة
أو باعتبار أنه مصير ما دونها عليها زائدة، وهكذا القياس في الباقي فافهم.
قوله: " أو سادس ستة " شك من الراوي.
قوله: " وبُرْمته على النار " جملة وقعت حالًا من الرجل، البُرمة- بضم
الباء، وسكون الراء-: القدر مطلقًا، وجمعها: " برام " بكسر الباء،
وهي في الأصل: المتخذة من الحجر المعروف بالحجاز واليمن.
قوله: " أطابت بُرمتك " أي: أطاب ما في بُرمتك، ذكر المحل وأراد
به الحال، وطيب ما فيها كناية عن استوائها، والهمزة فيه للاستفهام.
_________________
(١) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٢/٢٨٠)، وأسد الغابة (٣/٢٠٣)، والإصابة (٢/٢٩١) .
[ ١ / ٤٤٧ ]
قوله: " بأبي وأمي " الباء فيه متعلقة بمحذوف تقديره: فديتك بأبي وأمي
وحُذف هذا المقدر تخفيفًا لكثرة الاستعمال، وعلم المخاطب به، ويجوز
أن يكون " بأبي " في محل الرفع على الخبرية، والمبتدأ محذوف تقديره:
أنت مُفدى بأبي وأمي.
قوله: " بضعة " بفتح الباء، أي: قطعة
قوله: " فلم يزل يعلكها " أي: يلوكها في فمه، والعلك مضغ ما لا
يطاوع الأسنان، من باب نصر ينصر.
قوله: " حتى أحرم بالصلاة " أي: شرع فيها، ومنه تكبيرة الإحرام؟
لأنها تحرم كل شيء خلاف الصلاة.
قوله: " وأنما انظر إليه " جملة وقعت حالًا. ويستفاد منه ثلاث فوائد،
الأولى: أن الرجل يباح له أن يسأل من صاحبه الذي بينهما انبساط أن
يطعمه أو يسقيه.
والثانية: فيه جواز ترك غسل اليد مما مسته النار.
والثالثة: جواز ترك المضمضة أيضًا بعد الطعام.
١٨١- ص- (١) حدّثنا مسدد قال: نا يحيى، عن شعبة قال: حدّثني
أبو بكر بن حفص، عن الأغر، عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله- عليه
السلام-: " الوُضوءُ مما أنضجت النارُ " (٢) .
ش- يحيى القطان، وأبو بكر هو: عبد الله بن حفص بن سعد بن
أبي وقاص، وقد ذكر.
والأغر: أبو مسلم المدني، واسمه: سلمان. سمع أبا هريرة،
وأبا سعيد، وكانا اشتركا في عتقه فهو مولاهما. روى عنه:
_________________
(١) وقع هذا الحديث في سنن أبي داود تحت " باب التشديد في ذلك "، وهي نسخة كما سيذكر المصنف.
(٢) تفرد به أبو داود.
[ ١ / ٤٤٨ ]
أبو إسحاق، وأبو جعفر الفراء، وهلال بن يساف، وعطاء بن السائب،
وعليّ بن أقمر، والزهري، وشعبة، وغيرهم. روى له الجماعة إلا
البخاري (١) .
قوله: " الوضوء " مبتدأ وخبره محذوف، والتقدير: الوضوء واجب،
ويجب مما أنضجت النار، وقد بينا أن هذا الحديث وأمثاله منسوخة، أو
يحمل الوضوء على غسل اليدين والفم، وفي بعض النسخ على أول هذا
الحديث: " باب التشديد في ذلك ". وكان ينبغي لأبي داود/أن يذكر
الأحاديث المنسوخة أولًا، ثم يذكر النواسخ كما ذكرها مسلم هكذا،
وغالب المحدثين يذكرون الأحاديث التي يرونها منسوخة ثم يعقبونها
بالنواسخ.
١٨٢- ص- حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: نا أبان، عن يحيى- يعني:
ابن أبي كثير- عن أبي سلمة، أن أبا سفيان بن سعيد بن المغيرة حدثه، أنه
دخل على أمّ حبيبة فسقتْهُ قدحًا من سويق، فدعا بماء فتمضمض. قالت: يا
ابن أخي، ألا تتوضأ (٢)؟ إن رسول الله﵇- قال: " توضّؤُوا مما
غيرت النارُ، أو مست النارُ " (٣) (٤) .
ش- مسلم بن إبراهيم القصاب، وأبان بن يزيد العطار، ويحيى بن
أبي كثير: أبو نصر اليمامي، وأبو سلمة: عبد الله بن عبد الرحمن
القرشي.
وأبو سفيان بن سعيد بن المغيرة بن الأخنس بن شريق الثقفي. روى
عن أم حبيبة أم المؤمنين، وهو ابن أخيها. روى عنه أبو سلمة بن
عبد الرحمن، حديثه في أهل الحجاز. روى له أبو داود والنسائي (٥) .
_________________
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (١١/٢٤٣٩) .
(٢) في سنن أبي داود: " توضأ ".
(٣) زيد في سنن أبي داود: " قال أبو داود: في حديث الزهري: يا ابن أخي ".
(٤) النسائي: كتاب الطهارة، باب: الوضوء مما غيرت النار (١/١٠٧) .
(٥) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٣/٧٤٠٢) . ٢٩* شرح سنن أبي داوود ١
[ ١ / ٤٤٩ ]
وأم حبيبة رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية، أم المؤمنين
أم حبيبة الأموية، هاجرت مع زوجها عبد الله بن جحش إلى أرض الحبشة
فتوفي، فتزوجها رسول الله سنة ست، ويقال: سبع. رُوي لها عن
رسول الله خمسة وستون حديثًا، اتفقا على حديثين، ولمسلم مثلها.
روى عنها: أخواها معاوية، وعنبسة، وابن أخيها عبد الله بن عتبة بن
أبي سفيان، وعروة بن الزبير، وأبو المليح عامر بن أسامة، وأبو صالح
السمان، وأبو سفيان بن سعيد المذكور، وغيرهم. توفيت سنة أربع
وأربعين. روى لها الجماعة (١) .
قوله: " قدحًا من سويق " القدح: الذي يؤكل فيه، والسويق معروف.
قوله: " أو مست النار " شك من الراوي، والمفعول في " غيرت "
و" مست " محذوف، والتقدير: غيرته ومسته. والحديث أخرجه النسائي
أيضًا وهو منسوخ كما ذكرنا.
***