أي: باب حكم بول الرجل حال كونه قائمًا.
١٢- ص- حدثنا حفص بن عمر ومسلم بن إبراهيم قالا: ثنا شعبة.
قال: وثنا مسدد قال: ثنا أبو عوانة- وهذا لفظ حفص- عن سليمان، عن
أبي وائل، عن حذيفة قال: " أتى رسولُ الله ﷺ سُباطة قوْم فبال قائمًا، ثم
دعا بماء فمسح على خُفيْه ".
_________________
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (١٢/٢٧٦٧) .
(٢) المصدر السابق (١٣/٣٠٠٨) .
[ ١ / ٩٠ ]
] قال أبو داود:] (١) قال مسدد: [قال] (١): " فذهبْتُ أتباعدُ فدعاني
حتّى كُنتُ عند عقبه " (٢) .
ش- حفص بن عمر بن الحارث بن سخبرة النمري البصري، سمع
هشامًا الدستوائي، وهمام بن يحيى، وشعبة، وغيرهم. روى عنه:
أبو حاتم، والبخاري، وأبو داود، وروى النسائي عن رجل عنه،
وجماعة آخرون. مات سنة خمس وعشرين ومائتين (٣) .
ومسلم بن إبراهيم أبو عمرو البصري القصاب الفراهيدي مولاهم.
سمع شعبة، وهشامًا، وابن المبارك، وغيرهم. روى عنه: ابن معين،
والبخاري، ومحمد بن إسحاق الصغاني، وأبو زرعة، وجماعة
آخرون. وكان قد عمي بآخرة. مات سنة اثنتين وعشرين ومائتين. روى
له الجماعة (٤) .
وأبو عوانة اسمه: الوضاح مولى يزيد بن عطاء الواسطي، ويقال:
مولى عطاء بن عبد الله الواسطي، كان في سبْي جُرجان، رأى الحسن
وابن سيرين، وسمع من محمد بن المنكدر حديثًا واحدًا، وسمع عمرو
ابن دينار، وقتادة، وأيوب السختياني، والأعمش، وجماعة آخرين.
روى عنه: شعبة، ووكيع، وأبو داود الطيالسي، ومسدد، وقتيبة بن
سعيد، وجماعة آخرون. وقال أحمد ويحيى: كان ثقة. توفي سنة
ست وسبعين ومائة، وقيل: خمس وسبعين. روى له الجماع (٥) .
_________________
(١) زيادة من سنن أبي داود.
(٢) البخاري: كتاب الوضوء، باب: البول قائمًا وقاعدًا (٢٢٤)، مسلم: كتاب الطهارة، باب: المسح على الخفين (٧٣/٢٧٣)، الترمذي: كتاب الطهارة، باب: الرخصة في ذلك (١٣)، النسائي: كتاب الطهارة، باب: الرخصة في البول في الصحراء قائمًا (١/٢٥)، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في البول قائمًا (٣٠٥)، أحمد (٥/٣٨٢، ٤٠٢) .
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٧/١٣٩٧) .
(٤) المصدر السابق (٢٧/٥٩١٦) . (٥) المصدر السابق (٣٠/٦٦٨٨) .
[ ١ / ٩١ ]
] ١/٧ حا [
وحذيفة بن اليمان، واسم اليمان: حسْل، ويقال: حُسيْل بن جابر
ابن [أسيد بن] عمرو بن ربيعة بن جُرْوة بن الحارث أبو عبد الله. روى
عنه: عمار بن ياسر، وأبو حذيفة، وربعي بن حراش، وأبو وائل،
وغيرهم. مات بالمدائن واليًا عليها سنة ست وثلاثين،. بعد قتل عثمان
بأربعين ليلة. روى له الجماعة (١) .
قوله: " سباطة قوم " بضم السين، وتخفيف الباء الموحدة، وهي مُلقى
الزبالة والتراب ونحوهما، يكون بفناء الدور مرفقًا لأهلها. وقال
الخطابي: " ويكون في الأغلب سهلًا دمثًا، لا (٢) يخد فيها البول، ولا
يرتد على البائل " (٣) . ويقال: السُباطة: الكُناسة نفسها، وإضافتها
إلى القوم إضافة تخصيص لا ملك، لأنا كانت مواتًا مباحة.
قوله: " فبال قائمًا " فيه وجوه: " (٤) الأول: ما روي عن الشافعي:
أن العرب كانت تستشفي لوجع الصلب بالبول قائمًا، قال: فنرى أنه كان
به﵇- وجع الصلب إذ ذاك.
والثاني: ما رواه البيهقي برواية ضعيفة " أنه﵇- بال
قائمًا لعلة بمأبضه " (٥) والمأبضُ- بهمزة ساكنة بعد الميم، ثم باء موحدة-
وهو/باطن الركبة.
والثالث: أنه﵇- لم يجد مكانًا للقعود، فاضطر إلى
القيام، لكون الطرف الذي يليه في السباطة كان عاليًا مرتفعًا.
والرابع: ما ذكره القاضي عياض، لكون البول قائمًا حالة يؤمن فيها
_________________
(١) انظر ترجمته في: الاستيعاب (١/٢٧٧) بهامش الإصابة، وأسد الغابة (١/٤٦٨)، والإصابة (١/٣١٧) .
(٢) كذا، وفي " معالم السنن " و" شرح صحيح مسلم ": " سهلًا منثالًا ".
(٣) انظر: معالم السنن (١/١٨)، باب: البول قائمًا.
(٤) انظر: شرح صحيح مسلم (٣/١٦٥- ١٦٦) تحت شرح حديث الباب.
(٥) البيهقي: كتاب الظهارة، باب: البول قائمًا (١/١٠١) من حديث أبي هريرة.
[ ١ / ٩٢ ]
خروج الحدث من السبيل الآخر في الغالب، بخلاف- حالة القعود،
ولذلك قال عمر﵁-: البول قائمًا حصن للدبر.
والخامس: أنه فعله﵇- بيانًا للجواز في هذه المرة،
وكانت عادته المستمرة البول قاعدًا، يدل عليه حديث عائشة- رضي الله
عنها- قالت: " من حدثكم أن النبي﵇- كان يبول قائمًا
فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعدًا " رواه أحمد والنسائي والترمذي
بإسناد جيد (١) . وقد روي في النهي عن البول قائمًا أحاديث لا تثبت (٢)،
ولكن حديث عائشة هذا ثابت، فلهذا قالت العلماء: يكره البول قائمًا
إلا لعذر، وهي كراهة تنزيه لا تحريم. وقال ابن المنذر في " الإشراف ":
اختلفوا في البول قائمًا، فثبت عن عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت وابن
عمر وسهل بن سعد أنهم بالوا قيامًا، وروي ذلك عن أنس وعليّ
وأبي هريرة، وفعل ذلك ابن سيرين وعروة بن الزبير، وكرهه ابن مسعود
والشعبي وإبراهيم بن سعد، وكان إبراهيم لا يجيز شهادة من بال قائمًا.
وقال ابن المنذر: وفيه قول ثالث: أنه إن كان في مكان يتطاير إليه من
البول شيء فهو مكروه، وإن كان لا يتطاير فلا بأس، وهو قول مالك.
وقال ابن المنذر: البول جالسًا أحب إليّ، وقائمًا مباح، وكل ذلك ثابت
عن النبي﵇-.
_________________
(١) أحمد (١/١٣٦، ١٩٢، ٢١٣)، والترمذي في: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في النهي عن البول قائمًا (١٢)، والنسائي في: كتاب الطهارة، باب: البول في البيت جالسًا (١/٢٦)، وكذا ابن ماجه قي: كتاب الطهارة، باب: في البول قاعدًا (٣٠٧) بنحوه ٠
(٢) منها ما رواه الترمذي (عقب رقم/١٢)، وابن ماجه (٣٠٨)، والبيهقي (١/١٠٢) من حديث عمر أنه قال: " رآني النبي ﷺ وأنا أبول قائمًا فقال: يا عمر، لا تبل قائمًا، فما بُلتُ قائمًا بعد ". وقال الترمذي: " إنما رفع هذا الحديث عبد الكريم بن أبي المخارق، وهو ضعيف عند أهل الحديث، ضعّفه أيوب السختياني وتكلم فيه ". ١هـ. ومنها ما رواه ابن ماجه (٣٠٩) من حديث جابر بن عبد الله قال: " نهى رسول الله ﷺ أن يبول قائمًا " وفيه عدي بن الفضل متفق على ضعفه، قال في التقريب: " متروك ".
[ ١ / ٩٣ ]
وأما بوله﵇- في سباطة القوم يحتمل وجوهًا:
الأول- وهو الأظهر-: أنهم كانوا يؤثرون ذلك ولا يكرهونه، بل
يفرحون به، ومن كان هذا حاله جاز البول في أرضه، والأكل من
طعامه، والاستمداد من بحيرته، ولهذا ذكر علماؤنا أن من دخل بستان
غيره يباح له الأكل من فاكهته، إذا كان بينه وبين صاحب البستان انبساط
ومحبة.
والثاني: أنها لم تكن مختصة بهم، بل كانت بفناء دورهم للناس
كلهم، فأضيف إليهم لقربها منهم.
والثالث: أن يكونوا أذنوا لمن أراد قضاء الحاجة، إما صريحًا أو دلالة..
فإن قلت: قد روي: " أنه﵇-[كان] إذا أراد حاجة
أبعد " (١)، فكيف بال في السباطة التي بقرب الدور؟ قلت: لعله كان
مشغولًا بأمور المسلمين، والنظر في مصالحهم، وطال عليه مجلسٌ حتى
حزقه البول، فلم يمكنه التباعد، ولو أبعد لتضرر، وارتاد السباطة
لدمثها (٢)، وقام حذيفة بقربه ليستره من الناس " (٣) .
قوله: " ثم دعا بماء فمسح على خفيه " فيه حذف، أي: بعد أن فرغ
من البول طلب ماء فتوضأ ومسح على خفيه.
قوله: " فذهبت أتباعد " من قول حذيفة. فإن قلت: كيف أدناه، وفي
حديث آخر لما أراد قضاء الحاجة قال: " تنح "؟. قلت (٤): " إنما أدناه
_________________
(١) أخرجه بهذا اللفظ النسائي في: كتاب الطهارة، باب: الإبعاد عند قضاء الحاجة (١/١٧- ١٨)، وابن ماجه بنحوه في كتاب الطهارة، باب: التباعد للبراز في الفضاء (٣٣٤) من حديث عبد الرحمن بن أبي فراد. وأخرجه أبو داود (١)، والترمذي (٢٠)، والنسائي (١/١٨)، وابن ماجه (٣٣١) من حديث المغيرة بن شعبة بلفظ: " كان إذا ذهب المذهب أبعد ".
(٢) سهُل ولان.
(٣) إلى هنا انتهى النقل من " شرح صحيح مسلم ".
(٤) انظر: " شرح صحيح مسلم " (٣/١٦٧) .
[ ١ / ٩٤ ]
هاهنا ليستتر به عن أعين المارة؛ لأن السباطة تكون في الأفنية والمحال
المسكونة، أو قريبًا منها، ولا تكاد تخلو هذه المواضع من المارة، ولأنه
كان يبول قائمًا، ويؤمن معه من خروج الحدث الآخر، والرائحة
الكريهة، فلهذا استدعاه، وأما في الحديث الثاني فلكونه كان يقضي حاجته
قاعدًا، ويحتاج إلى الحدثين جميعًا، فتحصل الرائحة المستكرهة، فلذلك
قال: " تنح عني "، وعن هذا قال بعض العلماء: في هذا الحديث من
السُّنّة: القرب من البائل إذا كان قائمًا، والبعد إذا كان قاعدا.
قوله: " عن عقبه ": العقب بفتح العين وكسر القاف: مؤخر القدم،
وهي مؤنثة. ويستفاد من هذا الحديث فوائد: الأولى: جواز المسح على
الخف.
والثانية: جواز المسح في الحضر.
والثالثة: جواز البول قائمًا.
والرابعة: جواز قرب الإنسان من البائل.
والخامسة: جواز طلب البائل من صاحبه الذي يدل عليه القرب منه،
ليستره.
والسادسة: استحباب التستر.
والسابعة: جواز البول بقرب الديار " (١) .
والثامنة: فيه دليل على أن مدافعة البول ومصابرته مكروهة، لما فيه من
الضرر.
وهذا الحديث أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي،
وابن ماجه، وأحمد بن حنبل، وأبو بكر بن أبي شيبة في " مصنفه ".
_________________
(١) إلى هنا انتهى النقل من " شرح صحيح مسلم "
[ ١ / ٩٥ ]