احتجت الشيعة بقوله ﷺ: "إن عليًّا مني، وأنا منه" على أن عليًّا ﵁ أفضل من سائر الصحابة ﵃، زعمًا منهم أن
[ ١ / ٤٠٥ ]
وَلَا يُؤَدِّي عَنِّي إِلَّا عَلِيٌّ".
===
رسول الله ﷺ جعل عليًّا من نفسه حيث قال: "إن عليًّا مني"، ولم يقل هذا القول في غير علي.
قلت: زعمهم هذا باطل جدًّا؛ فإنه ليس معنى قوله ﷺ: "إن عليًّا مني" أنه جعله من نفسه حقيقة، بل معناه هو ما قد عرفت آنفًا، وأما قولهم: لم يقل هذا القول في غير علي .. فباطل أيضًا؛ فإنه ﷺ قال هذا القول في جليبيب، كما أشرنا إليه آنفًا.
(ولا يؤدي عني) أي: نبذ العهد (إلا علي) ﵁، قال التوربشتي: كان من دأب العرب إذا كان بينهم مقاولة في نقض وإبرام وصلح ونبذ عهد .. ألا يؤدي ذلك إلا سيد القوم أو من يليه من ذوي قرابته القريبة، ولا يقبلون ممن سواهم، فلما كان العهد الذي أمر رسول الله ﷺ فيه أبا بكر أن يحج بالناس .. رأى بعد خروجه أن يبعث عليًّا خلفه؛ لينبذ إلى المشركين عهدهم ويقرأ عليهم (سورة براءة)، وفيها: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (١) إلى غير ذلك من الأحكام، فقال: قوله هذا؛ أعني: قوله: "علي مني " إلى آخره تكريمًا له بذلك. انتهى.
قال القاري: واعتذارًا لأبي بكر في مقامه هناك، ولذا قال الصديق لعلي حين لحقه من ورائه: أمير أو مأمور؟ فقال: بل مأمور، وفيه إيماء إلى أن إمارته متأخرة عن خلافة الصديق، كما لا يخفى عند ذوي التحقيق.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب المناقب، باب مناقب علي، وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح، وأخرجه أحمد والنسائي أيضًا.
_________________
(١) سورة براءة: (٢٨).
[ ١ / ٤٠٦ ]
(١١٨) - ١١٨ - (٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، أَنْبَأَنَا الْعَلَاءُ بْنُ صَالِحٍ، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ
===
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استأنس المؤلف رحمه الله تعالى لحديث علي بأثر له رضي الله تعالى عنه، فقال:
(١١٨) - ١١٨ - (٧) (حدثنا محمد بن إسماعيل) بن أبي ضرار - بكسر المعجمة وتخفيف الراء - الضرائري أبو صالح (الرازي). روى عنه: ابن ماجه، وأبو حاتم، وقال في "التقريب": صدوق، من الحادية عشرة.
(حدثنا عبيد الله بن موسى) العبسي - بموحدة - مولاهم أبو محمد الكوفي صاحب "المسند". يروي عنه: (ع)، وخلق. وثقه ابن معين والعجلي، وقال في "التقريب": ثقة، من التاسعة، مات سنة ثلاث عشرة ومئتين (٢١٣ هـ).
قال: (أنبأنا العلاء بن صالح) التيمي، ويقال: الأسدي الكوفي. وثقه ابن معين وأبو داوود، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": صدوق، من السابعة. يروي عنه: (د ت س).
(عن المنهال) بن عمرو الأسدي مولاهم الكوفي. قال ابن معين والنسائي: ثقة، وقال العجلي: كوفي ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": صدوق ربما وهم، من الخامسة. يروي عنه: (خ عم).
(عن عباد بن عبد الله) الأسدي الكوفي. روى عن: على، ويروي عنه: المنهال بن عمرو. قال البخاري: فيه نظر، وذكره ابن حبان في "الثقات".
[ ١ / ٤٠٧ ]
قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: أَنَا عَبْدُ اللهِ وَأَخُو رَسُولِهِ ﷺ، وَأَنَا الصِّدِّيقُ الْأَكْبَرُ، لَا يَقُولُهَا بَعْدِي إِلَّا كَذَّابٌ، صَلَّيْتُ قَبْلَ النَّاسِ لِسَبْعِ سِنِينَ.
===
قلت: وقال ابن سعد: له أحاديث، وقال علي بن المديني: ضعيف، وقال ابن الجوزي: ضرب ابن حنبل على حديثه عن علي: (أنا الصديق الأكبر)، وقال هو منكر، وقال ابن حزم: هو مجهول. انتهى من "تهذيب التهذيب"، وقال في "التقريب": عباد بن عبد الله الأسدي الكوفي ضعيف، من الثالثة. يروي عنه: (س ق).
(قال: قال علي) بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته؛ رجاله أربعة منهم كوفيون، وواحد مدني، وواحد رازي، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه عباد بن عبد الله، فهو ضعيف منكر مجهول، كما مر آنفًا.
(أنا عبد الله) أي: أنا من عباد الله الذين أخلصوا عبادتهم لله تعالى ووُفقوا لها، وهذا من جملة المدح ومدح النفس لإظهار منته تعالى جائز، وإذا دعا إليه داع آخر شرعي .. جاز (وأخو رسوله ﷺ) أي: ابن عمه (وأنا الصدّيق الأكبر) هو من صيغ المبالغة من الصدق، والصدّيق: هو من صدّق الحق بلا توقف، ولا يطلق عادة إلا علي من غلب عليه الصدق، فلذا سُمي أبو بكر صديقًا لمبادرته إلى تصديق الحق، قيل: كأن عليًّا أراد بقوله: أنا الصديق الأكبر أنه أسبق إيمانًا من أبي بكر أيضًا، وفي "الإصابة" في ترجمة علي: هو أول الناس إسلامًا في قول الكثير من أهل العلم.
(لا يقولها) أي: لا يقول كلمة: أنا الصدّيق الأكبر ولا يدعيها (بعدي إلا كذاب)، وأنا (صليت قبل) صلاة أحد من (الناس)، وأنا صليت السبع سنين) والظرفان متعلقان بصليت، كما قررناه، وفي "الترمذي" عن أنس بن
[ ١ / ٤٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
مالك ﵁ قال: (بُعث النبي ﷺ يوم الاثنين وصلى وعلي يوم الثلاثاء)، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث مسلم الأعور، وهو عندهم ليس بذلك القوي، وقد روي هذا الحديث عن الأعور عن حبّة - بموحدة - ابن جوين - مصغرًا - عن علي نحو هذا. انتهى.
وفي هذا دليل على أن أول من أسلم من الذكور هو علي ﵁، قال السندي: قوله: (صليت قبل الناس لسبع سنين) ولعله أراد به أنه أسلم صغيرًا، وصلى في من الصغر، وكل من أسلم من معاصريه ما أسلم في سنه، بل أقل ما تأخر معاصره عن سنه سبع سنين، فصار كأنه صلى قبلهم سبع سنين وهم تأخروا عنه بهذا القدر، ولم يرد أنه كان سبع سنين مؤمنًا مصليًا، ولم يكن غيره في هذه المدة مؤمنًا أو مصليًا، ثم آمنوا وصلوا، ويحتمل أنه قال: لأنه ما اطلع عليه، وفيه بعد لا يخفى، وقال ابن رجب: رواه النسائي في "خصائص علي"، وقال الذهبي في "الميزان": هذا كأنه كذب على علي ﵁، وفي "الزوائد": هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات، رواه الحاكم في "المستدرك" عن المنهال، وقال: صحيح على شرط الشيخين، والجملة الأولى في "جامع الترمذي" من حديث ابن عمر مرفوعًا: "أنت أخي في الدنيا والآخرة " وقال: حديث حسن غريب. انتهى.
قلت: من حكم بالوضع .. حكم عليه لعدم ظهور معناه، لا لأجل خلل في إسناده، وقد ظهر معناه بما ذكرنا. انتهى من "السندي".
وهذا الحديث مما انفرد به ابن ماجه.
قلت: وهذا حديث باطل قطعًا موضوع على علي ﵁ متى أسلم وكيف صلى قبل الناس سبع سنين؟ !
[ ١ / ٤٠٩ ]
(١١٩) - ١١٩ - (٨) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ ابْنِ سَابِطٍ؛ وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ
===
والظاهر أن هذا الحديث: ضعيف متنًا وسندًا (٢١) (٢١)، كما بيناه، فغرضه بسوقه: الاستئناس به، والله أعلم.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى خامسًا لحديث على بحديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١١٩) - ١١٩ - (٨) (حدثنا علي بن محمد) الطنافسي الكوفي.
قال: (حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم التميمي الكوفي.
(حدثنا موسى بن مسلم) الطخان الحزامي أبو عيسى الكوفي المعروف بموسى الصغير. روى عن: عبد الرحمن بن سابط، وعكرمة، ويروي عنه: (د ق)، وأبو معاوية، والثوري.
وثقه ابن معين، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو حاتم: يقال: إنه مات خلف المقام وهو ساجد، وقال: أكثر ما يقع في الرواية موسى الصغير، وقال في "التقريب": لا بأس به، من السابعة. يروي عنه: (د س ق).
(عن) عبد الرحمن (ابن سابط) - بكسر الباء - القرشي الجمحي المكي (وهو) أي: ابن سابط اسمه (عبد الرحمن) كما ذكرناه، وقيل: ابن عبد الله بن سابط، وهو الصحيح، وقال في "التقريب": ثقة كثير الإرسال، من الثالثة، مات سنة ثماني عشرة ومئة (١١٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن سعد بن أبي وقاص) مالك بن أهيب الزهري المدني ﵁، مات سنة (٥٥ هـ).
[ ١ / ٤١٠ ]
قَالَ: قَدِمَ مُعَاوِيَةُ فِي بَعْضِ حَجَّاتِهِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ سَعْدٌ، فَذَكَرُوا عَلِيًّا فَنَالَ مِنْهُ، فَغَضِبَ سَعْدٌ وَقَالَ: تَقُولُ هَذَا لِرَجُلٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ .. فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ"، وَسمِعْتُهُ يَقُولُ: "أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ
===
وهذا السند من خماسياته؛ رجاله ثلاثة منهم كوفيون، وواحد مكي، وواحد مدني، وحكمه: الصحة.
(قال) سعد بن أبي وقاص: (قدم معاوية) بن أبي سفيان من الشام إلى المدينة (في بعض حجاته) التي حج بها، (فدخل) سعد بن أبي وقاص، وفيه وفيما بعده التفات من التكلم إلى الغيبة (عليه سعد) أي: على معاوية بن أبي سفيان، وعنده ناس يتحدثون معه، (فذكروا) أي: ذكر الناس الذين كانوا عنده (علي) بن أبي طالب، (فنال) معاوية (منه) أي: من على ووقع فيه وسبه، بل أمر سعدًا بالسب له، كما روى في "مسلم" و"الترمذي"، ومنشأ ذلك البغض والسب له الأمور الدنيوية والمنازعة التي كانت بينهما، ولا حول ولا قوة إلا بالله، والله يغفر لنا ويتجاوز عن سيئاتنا، ومقتضى حسن الظن بهم: أن يُحمل السب على التخطئة ونحوها مما يجوز بالنسبة إلى أهل الاجتهاد، لا اللَّعن وغيره.
(فغضب سعد) بن أبي وقاص على معاوية لمناولته وسبه عليًّا ﵁، (وقال) سعد لمعاوية: أ (تقول) يا معاوية (هذا) الكلام الفاحش الرجل سمعت رسول الله ﷺ يقول) في شأنه وبيان منصبه عند النبي ﷺ: (من كنت) أنا (مولاه) أي: وليه وناصره وهو كل مؤمن .. (فعلي) بن أبي طالب (مولاه) أي: وليه وناصره، (وسمعته) ﷺ أيضًا (يقول) في شأنه وبيان منصبه: (أنت) يا علي (مني) منزلةً ومنصبًا (بمنزلة هارون من موسى) ﵉ (إلا أنه) أي:
[ ١ / ٤١١ ]
لَا نَبِيَّ بَعْدِي"، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: "لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ الْيَوْمَ رَجُلًا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ".
===
لكن أن الشأن والحال (لا نبي بعدي) ولا معي، (وسمعته) ﷺ أيضًا (يقول) يوم خيبر: والله؛ (لأعطين الراية) والعلم بنون التوكيد الثقيلة من الإعطاء (اليوم) أي: في هذا اليوم (رجلًا يحب الله ورسوله) ويحبه الله ورسوله، ثم أعطى عليًّا.
وهذا سبب كثرة ما روي في مناقب علي ﵁، كما في "الإصابة" للحافظ ابن حجر، قال: ومناقبه كثيرة حتى قال الإمام أحمد: لم يُنقل لأحد من الصحابة ما نقل لعلي، وقال غيره: وسبب ذلك تعرض بني أمية له، فكان كل من كان عنده علم شيء من مناقبه من الصحابة .. بثّه، فكلما أرادوا إخماد شرفه .. حدّث الصحابة بمناقبه، فلا يزداد إلا انتشارًا، وتتبع النسائي ما خُص به من دون الصحابة، فجمع من ذلك أشياء كثيرة أسانيدها أكثرها جياد. انتهى.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في فضل علي ﵁: ثمانية أحاديث:
الأول للاستدلال، والخامس للاستطراد، والسابع للاستئناس، والبواقي للاستشهاد.
والله ﷾ أعلم
[ ١ / ٤١٢ ]