(١٣) - ١٣٥ - (١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ،
===
(١١) - (١٠) - (فضل عبد الله بن مسعود ﵁)
هو عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلي، وأمه أم عبد الهذلية، وكان سبب إسلامه أنه كان يرعى غنمًا لعقبة بن أبي معيط، فمر به رسول الله ﷺ، فقال: "يا غلام؛ هل من لبن؟ " قال: نعم، ولكني مؤتمن، فقال: "هل من شاة حائل لم ينز عليها فحل؟ " فأتيته بشاة شوص، فمسح ضرعها فنزل اللبن، فحلب وشرب وسقى أبا بكر، ثم قال للضرع: "اقلص" فقلص، قلت: يا رسول الله؛ علمني من هذا القول، فقال له: "رحمك الله؛ إنك غُلَيِّمٌ معلم"، فأسلَم، فضمه رسول الله ﷺ إليه، فكان يلج عليه، ويلبسه نعله ويمشي معه وأمامه، ويستره إذا اغتسل، ويوقظه إذا نام، فقال له: "إذنك على أن يُرفع الحجاب، وأن تسمع سوادي حتى أنهاك".
وهاجر إلى الحبشة مرتين، ثم من مكة إلى المدينة، وصلى إلى القبلتين، وشهد المشاهد كلها، وكان يشبه في هديه وسمته رسول الله ﷺ، وشهد له بالجنة، وشهد له كثير من الصحابة أنه أعلمهم بكتاب الله تعالى قراءةً وعلمًا، وفضائله كثيرة، توفي بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين (٣٢ هـ)، ودفن بالبقيع، وصلى عليه عثمان، وقيل: عمار، وقيل: الزبير ليلًا بوصية منه، ولم يعلم عثمان فعاتبه، روى من الحديث ثمان مئة وأربعين حديثًا، منها في "الصحيحين" مئة وعشرون حديثًا ﵁ وأرضاه.
* * *
(١٣) - ١٣٥ - (١) (حدثنا علي بن محمد) الطنافسي الكوفي.
(حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي.
[ ٢ / ٣٨ ]
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "لَوْ كُنْتُ مُسْتَخْلِفًا أَحَدًا عَنْ غَيْرِ مَشْوَرَةٍ .. لَاسْتَخْلَفْتُ ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ".
===
(حدثنا سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي.
(عن أبي إسحاق) السبيعي الكوفي عمرو بن عبد الله.
(عن الحارث) بن عبد الله الأعور الهمداني الحوثي -بضم الحاء- بطن من همدان، أبي زهير الكوفي. روى عن: على، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، ويروي عنه: (عم)، وأبو إسحاق السبيعي، والشعبي.
وقال مسلم في مقدمة "صحيحه" عن الشعبي: حدثني الحارث الأعور وكان كذابًا، وقد وثقه ابن معين والنسائي وأحمد بن صالح وابن أبي داوود وغيرهم، وتكلم فيه الثوري وابن المديني وأبو زرعة وابن عبدي والدارقطني وابن سعد وأبو حاتم وغيرهم، والجمهور على توهينه مع رواياتهم لحديثه في الأبواب، وفي "التقريب": في حديثه ضعف، مات في خلافة ابن الزبير سنة خمس وستين (٦٥ هـ).
(عن علي) بن أبي طالب ﵁.
وهذا السند من سداسياته؛ رجاله كلهم كوفيون إلا عليًّا؛ فإنه مدني، وحكمه: الحسن، لأن فيه راويًا مختلفًا فيه، وهو الحارث الأعور.
(قال) علي: (قال رسول الله ﷺ: لو كنت مستخلفًا) أي: جاعلًا (أحدًا) خليفة أو أميرًا (عن غير مشورة) أي: مشاورة .. (لاستخلفت ابن أم عبد) وقوله: (من غير مشورة) -بفتح فسكون ففتح- وفي "الجامع الصغير": "لو كنت مؤمرًا على أمتي أحدًا من غير مشورة منهم .. لأمرت عليهم ابن أم عبد" قال التوربشتي: ومن أي وجه روي هذا الحديث، فلا بد أن يؤول
[ ٢ / ٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
على أنه ﷺ أراد به تأميره على جيش بعينه، أو استخلافة في أمر من أموره حال حياته، ولا يجوز أن يحمل على غير ذلك؛ فإنه وإن كان من العلم والعمل بمكان، وله الفضائل الجمة والسوابق الجلة؛ فإنه لم يكن من قريش، وقد نص رسول الله ﷺ على أن هذا الأمر في قريش، فلا يصح حمله إلا على الوجه الذي ذكرناه. انتهى "تحفة".
قوله: "لاستخلفت" أي: لجعلت خليفة "ابن أم عبد" وهو عبد الله بن مسعود، وكانت أمه تكنى أم عبد.
قلت: يحتمل أن يكون هذا قبل التنصيص على أن هذا الأمر في قريش، على أن سوق الحديث لإفادة أن ما يحتاج إلى المشورة مما يتوقف عليه أمر الاستخلاف من الكمالات كلها موجودة في ابن مسعود وجودًا بيّنًا بحيث لا حاجة في استخلافه إلى شهرة معرفة تلك الكمالات، وهذا لا ينافي عدم صحة استخلافه؛ لعدم كونه من قريش، فليتأمل. انتهى "سندي".
وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته: الترمذي؛ أخرجه في كتاب المناقب، باب مناقب عبد الله ابن مسعود ﵁، وقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث الحارث عن علي، وأخرجه أحمد وابن ماجه والحاكم، والحارث فيه ضعف، كما مر.
قلت: وهذا الحديث درجته: أنه حسن؛ لأن الحارث مختلف في ضعفه، فيحمل تضعيف من ضعفه على التشيع والرفض؛ لأن الجرح لا يقبل إلا بسبب مبين، والتشيع وكذا سائر البدع لا يثبت به الجرح، وغرضه: الاستدلال به.
[ ٢ / ٤٠ ]
(١٤) - ١٣٦ - (٢) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَلَّالُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ
===
ثم استشهد المؤلف لحديث علي بحديث أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهم، فقال
(١٤) -١٣٦ - (٢) (حدثنا الحسن بن علي) بن محمد بن علي الهذلي أبو علي (الخلال) الحلواني المكي، ثقة، من الحادية عشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ). يروي عنه: (خ م د ت ق).
(حدثنا يحيى بن آدم) بن سليمان الأموي مولاهم أبو زكرياء الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة ثلاث ومئتين (٢٠٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا أبو بكر) محمد (بن عياش) بن سالم الأسدي الكوفي الحناط - بمهملة - المقرئ أحد الأعلام، قيل: اسمه محمد، وقيل: عبد الله، وقيل: سالم، وقيل: غير ذلك، والصحيح أن اسمه كنيته، قال أحمد: ثقة ربما غلط، وقال في "التقريب": ثقة عابد إلا أنه لما كبر .. ساء حفظه، من السابعة، مات سنة أربع وتسعين ومئة (١٩٤ هـ)، وقيل قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).
(عن عاصم) ابن بهدلة اسم أمه، وهو ابن أبي النجود الأسدي مولاهم أبي بكر الكوفي، المقرئ صدوق له أوهام، من السادسة، مات سنة ثمان وعشرين ومئة (١٢٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن زر) بن حبيش - مصغرًا - ابن حباشة الأسدي أبي مريم الكوفي، ثقة مخضرم، مات سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث وثمانين (٨٣ هـ) وهو ابن مئة وسبع وعشرين سنة. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن مسعود) الهذلي الكوفي ﵁.
[ ٢ / ٤١ ]
أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ بَشَّرَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ .. فَلْيَقْرَأْهُ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ".
(١٥) - ١٣٧ - (٣) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ،
===
(أن أبا بكر وعمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سباعياته؛ رجاله خمسة منهم كوفيون، وواحد مدني، وواحد مكي، وحكمه: الصحة.
(بشراه أن رسول الله ﷺ قال: من أحب أن يقرأ القرآن غضًا) أي: طريًا جديدأ لم يتغير (كما أنزل) أي: كائنًا على هيئته التي أنزل عليها .. (فليقرأه على قراءة ابن أم عبد) أي: على طريقته في القراءة وهيئاته فيها، وقيل: أراد خصوص الآيات التي سمعها منه رسول الله ﷺ من أول (سورة النساء) إلى قوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ (١).
وهذا الحديث مما انفرد ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لكون رجاله ثقات، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث علي بحديث عبد الله ﵄، فقال:
(١٥) - ١٣٧ - (٣) (حدثنا علي بن محمد) الطنافسي الكوفي.
قال: (حدثنا عبد الله بن إدريس) بن يزيد الأودي أبو محمد الكوفي.
وثقه ابن معين في كل شيء، وقال في "التقريب": ثقة فقيه عابد، من الثامنة، مات سنة اثنتين وتسعين ومئة (١٩٢ هـ). يروي عنه: (ع).
_________________
(١) سورة النساء: (٤١).
[ ٢ / ٤٢ ]
عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: "إِذْنُكَ عَلَيَّ أَنْ تَرْفَعَ الْحِجَابَ،
===
(عن الحسن بن عبيد الله) بن عروة النخعي أبي عروة الكوفي، ثقة فاضل، من السادسة، مات سنة تسع وثلاثين ومئة (١٣٩ هـ)، وقيل بعدها بثلاث. يروي عنه: (م عم).
(عن إبراهيم بن سويد) النخعي الكوفي، ثقة، من السادسة. يروي عنه: (م عم).
(عن عبد الرحمن بن يزيد) بن قيس النخعي الكوفي.
قال العجلي: كوفي تابعي ثقة، وقال الدارقطني: هو أخو الأسود، وابن أخي علقمة، وكلهم ثقات، وقال في "التقريب": ثقة، من كبار الثالثة، مات سنة ثلاث وثمانين (٨٣ هـ) في الجماجم. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله) بن مسعود الهذلي الكوفي ﵁.
وهذا السند من سداسياته، ومن ألطف لطائفه: أن رجاله كلهم كوفيون، وحكمه: الصحة.
(قال) عبد الله: (قال لي رسول الله ﷺ: إذنك) - بكسر الهمزة وسكون الذال - مصدر مضاف إلى مفعول، و(على) متعلق بمحذوف؛ تقديره: في الدخول على، وإذنك مبتدأ خبره جملة قوله: (أن ترفع الحجاب) -بضم الياء- ورفع الحجاب مبنيًا للمفعول، هكذا في رواية مسلم وفي رواية ابن ماجه: (أن ترفع) -بفتح التاء المثناة- من فوق مسندًا إلى ضمير المخاطب و(الحجاب) بالنصب على المفعولية، وإذنك حينئذ مصدر مضاف إلى الفاعل، والإذن بمعنى الاستئذان، والمعنى عليه: أي استئذانك في الدخول علي .. رفع
[ ٢ / ٤٣ ]
وَأَنْ تَسْمَعَ سِوَادِي حَتَّى أَنْهَاكَ".
===
الحجاب؛ أي: كشفك الستور عن الباب واستماع سوادي بعد الدخول على حتى أنهاك عن الاستماع، فلا تحتاج إلى الاستئذان لفظًا، والمعنى الأول على الرواية الأولى هو الصواب، كما قاله النواوي والقرطبي.
قال النواوي: الرواية في (يرفع) أنه مبني للمفعول، ولا يجوز غيره وكذا قال القرطبي؛ والمعنى: إذني إياك في الدخول على رفع الحجاب والستور عن الباب؛ أي: علامة إذني لك في الدخول كشف الستور عن الباب.
(و) لك إذا دخلت على (أن تسمع) أي: أن تستمع (سوادي) أي: مناجاتي ومساررتي (حتى أنهاك) وأزجرك عن الاستماع.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم؛ أخرجه في كتاب السلام، باب (٦).
ودرجته: أنه صحيح، وغرضه: الاستشهاد به.
وعبارة السندي: قوله: "أن تسمع سوادي" في "النهاية": السواد - بالكسر -: السرار؛ كأنه جوز له في الدخول عليه حيث يسمع كلام الله ويعلم مع وجوده إلى أن ينهاه، ولعل ذلك إذا لم يكن في الدار حرمة؛ وذلك لأنه كان يخدمه ﷺ في الحالات كلها؛ فيهيئ طهوره، ويحمل معه المطهرة إذا قام إلى الوضوء، ويأخذ نعله، ويضعها إذا جلس، وحين ينهض، فيحتاج إلى كثرة الدخول عليه. انتهى.
وقال القاضي عياض: والسواد - بكسر السين -: السرار - بكسر السين والراء المكررة - أي: السر، ويقال: ساودته مساودة وسوادًا؛ أي: ساررته، وأصل ذلك دنو سواد الشخص من سواد الآخر، وهذا السواد - الذي هو الشخص -بفتح السين لا غير، وفيه أن من له من الكبراء حجاب من باب أو غيره إذا فتح الباب
[ ٢ / ٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أو رفع الحجاب للدخول عليه .. لا يفتقر في الدخول عليه إلى إذن بالقول، وكذلك الرجل في بيته مع خدمه وحشمه إذا أرخى حجابه .. فلا يدخل عليه إلا بإذن، فإذا رفعه .. جاز لهم الدخول عليه بلا إذن بالقول.
قال القرطبي: هذا إذن خاص جعله لابن مسعود أنه إذا جاء بيت النبي ﷺ ووجد الستر قد رفع .. دخل بغير إذن بالقول.
وهذا مع قوله تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ ﴾ الآية (١)، وقوله تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ (٢)، ولهذا كانت الصحابة تذكر هذا من فضائل ابن مسعود، ويقولون: كان يؤذن له إذا حجبنا، وكان له من التبسط في بيت النبي ﷺ ما لم يكن لغيره، لما علمه ﷺ من حاله وخلقه وإلفه بيته ﷺ. انتهى من "الأبي".
* * *
وجملة ما ذكره في فضل ابن مسعود ﵁: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد، وكلها صحيحة.
والله ﷾ أعلم
_________________
(١) سورة النور: (٢٧).
(٢) سورة الأحزاب: (٥٣).
[ ٢ / ٤٥ ]