===
(١١) - (٢٣) - (فضل ابن عباس رضي الله تعالى عنهما)
قال القرطبي: هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم، يكنى أبا العباس، ولد في الشعب، وبنو هاشم محصورون فيه قبل خروجهم منه بيسير؛ وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين، واختلف في سنه قبل موت النبي ﷺ: فقيل: عشر سنين، وقيل: خمس عشرة، رواه عنه ابن جبير، وقيل: كان ابن ثلاث عشرة، وعن ابن عباس أنه كان في حجة الوداع قد ناهز الاحتلام، ومات بالطائف سنة ثمان وستين (٦٨ هـ) في أيام ابن الزبير؛ لأنه أخرجه من مكة، وتوفي وهو ابن سبعين سنة ﵁ وأرضاه، وصلى عليه محمد ابن الحنفية، وقال: اليوم مات رباني هذه الأمة، وضرب على قبره فسطاطًا.
وكان ابن عمر: يقول ابن عباس فتى الكهول، له لسان سؤول، وقلب عقول، وقال مسروق: كنت إذا رأيت ابن عباس .. قلت: أجمل الناس، وإذا تكلم .. قلت: أفصح الناس، وإذا تحدث .. قلت: أعلم الناس، وكان يسمى الحبر لغزارة علمه، والبحر لاتساع حفظه ونفوذ فهمه، وجملة ما روى عن رسول الله ﷺ ألف حديث وست مئة وستون حديثًا، في الصحيح منها مئتان وأربعة وثلاثون حديثًا، وقبلت دعوات رسول الله ﷺ فيه، وظهرت بركاتها عليه، فاشتهرت علومه وفضائله، فارتحل إليه طلاب العلم، وازدحموا عليه، ورجعوا عند اختلافهم إليه، وعولوا على نظره ورأيه، وكان قد عمي في آخر عمره، فأنشد في ذلك:
إن يأخذ الله من عيني نورهما ففي لساني وقلبي منهما نور
[ ٢ / ١١٦ ]
(٤٢) - ١٦٤ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ضَمَّنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَيْهِ وَقَالَ: "اللَّهُمَّ؛ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ
===
قلبي ذكي وعقلي غير ذي خلل وفي فمي صارم كالسيف مأثور
وفضائله أكثر من أن تحصى.
* * *
(٤٢) - ١٦٤ - (١) (حدثنا محمد بن المثنى) العنزي البصري.
(وأبو بكر) محمد (بن خلاد) بن كثير (الباهلي) البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (م د س ق).
(قالا: حدثنا عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفي أبو محمد البصري، ثقة، من الثامنة، مات سنة أربع وتسعين ومئة (١٩٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا خالد) بن مهران (الحذاء) أبو المنازل البصري.
(عن عكرمة) بن عبد الله مولى ابن عباس أبي عبد الله البربري المكي.
(عن) عبد الله (بن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته؛ رجاله ثلاثة منهم بصريون، وواحد مكي، وواحد طائفي، وحكمه: الصحة.
(قال) ابن عباس: (ضمني رسول الله ﷺ إليه) أي: ضم جسدي وجمعه إلى جسده، أو صدري إلى صدره، (وقال) رسول الله ﷺ: (اللهم؛ علمه) أي: علم هذا الغلام (الحكمة) قيل: المراد بالحكمة معرفة حقائق الأشياء والعمل بما ينبغي، وهو المذكور في كتاب الله تعالى، وقيل: الظاهر أن يراد بها السنة؛ لأنها
[ ٢ / ١١٧ ]
وَتَأْوِيلَ الْكِتَابِ".
===
قرنت بالكتاب، قال تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (١).
قوله: (ضمني) -بتشدد الميم- أي: أخذني (إليه) أي: إلى صدره، كما في رواية للبخاري، قوله: (اللهم؛ علمه الحكمة) قال الحافظ في "الفتح": اختلف الشراح في المراد بالحكمة هنا: فقيل: القرآن، وقيل: العمل به، وقيل: السنة، وقيل: الإصابة في القول، وقيل: الخشية، وقيل: الفهم عن الله، وقيل: العقل، وقيل: ما يشهد العقل بصحته، وقيل: نور يفرق به بين الإلهام والوسواس، وقيل: سرعة الجواب مع الإصابة، وبعض هذه الأقوال ذكرها بعض أهل التفسير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ (٢)، والأقرب أن المراد بها في حديث ابن عباس: الفهم في القرآن. انتهى.
(وتأويل الكتاب) أي: تفسير القرآن.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري؛ أخرجه في كتاب فضائل الصحابة، باب ذكر ابن عباس، وفي كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، والترمذي؛ أخرجه في كتاب المناقب، باب مناقب ابن عباس، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه النسائي.
ودرجته: أنه صحيح، وغرضه: الاستدلال به.
* * *
ولم يذكر المؤلف في فضل ابن عباس ﵄ إلا هذا الحديث.
والله ﷾ أعلم
_________________
(١) سورة البقرة: (١٢٩).
(٢) سورة لقمان: (١٢).
[ ٢ / ١١٨ ]