(١٠٧) - ١٠٧ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ الْعُثْمَانِيُّ،
===
(١١) - (٣) - (فضل عثمان ﵁)
هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد المناف بن قصي بن كلاب، وفي عبد مناف يجتمع مع رسول الله ﷺ، يكنى بأبي عمرو، ولقب بذي النورين؛ لأنه ﷺ زوَّجه ابنتيه؛ رقية وأم كلثوم، وقال رسول الله ﷺ: "لو كانت عندي أُخرى .. زوَّجتُها له"، أسلم قديمًا، وهاجر الهجرتين إلى الحبشة وإلى المدينة، ولما خرج رسول الله ﷺ على بدر .. خلَّفه على ابنته رقية يمرِّضها، وضرب له بسهمه وأجره، فكان كمن شهد بدرًا، وغاب عن بيعة الرضوان، فبايع عنه ﷺ بيده، وقال: "هذه بيعة عثمان".
قال القاضي عياض: وخلافته صحيحة، وقتلته فسقة ظلمة نقموا عليه أنه حمى الحِمى، وفضَّل أقاربه في العطاء.
وقد توفي رضي الله تعالى عنه شهيدًا سنة خمس وثلاثين.
* * *
(١٠٧) - ١٠٧ - (١) (حدثنا أبو مروان محمد بن عثمان) بن خالد بن عمر بن عبد الله بن الوليد بن عثمان بن عفان الأموي (العثماني) المدني. روى عن: أبيه، وابن أبي الزناد، ومحمد بن ميمون المدني. ويروى عنه: (ق)، وأبو حاتم، وأبو زرعة.
قال أبو حاتم: ثقة، وقال صالح بن محمد الأسدي: ثقة صدوق، إلا أنه
[ ١ / ٣٧٦ ]
حَدَّثَنَا أَبِي عُثْمَانُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
===
يروي عن أبيه المناكير، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": صدوق، من العاشرة، مات سنة إحدى وأربعين ومئتين (٢٤١ هـ).
قال: (حدثنا أبي عثمان بن خالد) بن عمر ابن عثمان بن عفان الأموي العثماني أبو عفان المدني، متروك الحديث، من العاشرة. يروي عنه: (ق).
(عن عبد الرحمن بن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان القرشي مولاهم المدني. قال ابن معين: ليس ممن يحتج به أهل الحديث ليس بشيء، وقال معاوية بن صالح عن ابن معين: ضعيف، وقال صالح بن أحمد عن أبيه: مضطرب الحديث، وقال في "التقريب": صدوق، من السابعة، مات سنة أربع وسبعين ومئة (١٧٤ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبيه) أبي الزناد عبد الله بن ذكوان الأموي مولاهم أبي عبد الرحمن المدني، ثقة فقيه، من الخامسة، مات فجأة سنة ثلاثين ومئة (١٣٠ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز الهاشمي مولاهم أبي داوود المدني، ثقة ثبت، من الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومئة (١١٧ هـ). يروي عنه (ع).
(عن أبي هريرة) الدوسي المدني رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، ومن لطائفه: أن رجاله كلهم مدنيون، وفيه رواية تابعي عن تابعي، وحكمه: الضعف، وفي "الزوائد": إسناده ضعيف؛ لأن فيه راويًا متفقًا على ضعفه؛ وهو عثمان بن خالد.
[ ١ / ٣٧٧ ]
أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لِكُلِّ نَبِيٍّ رَفِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَرَفِيقِي فِيهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ".
===
(أن رسول الله ﷺ قال: "لكل نبي رفيق في الجنة، ورفيقي فيها عثمان بن عفان") رضي الله تعالى عنه.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه،
ولكن رواه الترمذي من طريق طلحة بن عبيد الله، وقال: غريب ليس إسناده بالقوي.
ودرجته: أنه ضعيف؛ لأن في سنده راويًا متفقًا على ضعفه وهو عثمان بن خالد، وهو منقطع (١٩) (١٩)، وغرضه بسوقه: الاستئناس به للترجمة.
قوله: "ورفيقي قال السندي: أكثر ما يطلق الرفيق على الصاحب في السفر، وقد يطلق على الصاحب مطلقًا، وهو المراد ها هنا.
قلت: ولعلّ سبب ذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾ الآية (١).
فتكون بناته ﷺ عنده وعثمان؛ لكونه زوج البنتين يتبعهما، فيكون عنده، وتخصيص عثمان إنما هو من أجل أنه ليس من الذرية، وعلي لشدة قرابته، ولكونه نشأ في تربيته معدود في الذرية، والمقصود هنا: هو الإخبار بأنه يكون في الجنة رفيقًا لا الحصر. انتهى "السندي".
* * *
ثم استأنس المؤلف للترجمة ثانيًا بحديث آخر لأبي هريرة رضي الله تعالى عنه، فقال:
_________________
(١) سورة الطور: (٢١).
[ ١ / ٣٧٨ ]
(١٠٨) - ١٠٨ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ الْعُثْمَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي عُثْمَانُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَ عُثْمَانَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ: "يَا عُثْمَانُ؛ هَذَا جِبْرِيلُ أَخْبَرَنِي أَنَّ اللهَ قَدْ زَوَّجَكَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِمِثْلِ صَدَاقِ رُقَيَّةَ عَلَى مِثْلِ صُحْبَتِهَا".
===
(١٠٨) - ١٠٨ - (٢) (حدثنا أبو مروان محمد بن عثمان العثماني، حدثنا أبي عثمانُ بن خالد، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة).
وهذا الإسناد حكمه: حكم الإسناد الذي قبله؟ فهو عينه.
(أن النبي ﷺ لقي) أي: التقى ورأى (عثمان) بن عفان (عند باب المسجد) النبوي، (فقال) النبي ﷺ له: (يا عثمان؛ هذا) الحاضر عندي (جبريل)، فـ (أخبرني أن الله قد زوجك) وأنكحك بنتي (أم كلثوم) كنيتها اسمها، ليس لها اسم آخر (بمثل) أي: بقدر (صداق رقية) بنت النبي ﷺ.
ظاهره أنه تعالى كان هو العاقد، كما في بعض أزواج النبي ﷺ؛ كزينب المذكورة في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ (١)، وصداق المرأة: مهرها، والكسر أفصح من الفتح، سمي به؛ لدلالته على صدق رغبته فيها، ورقية: بضم الراء وفتح القاف وتشديد الياء (على) شرط أن تعاشر أم كلثوم وتصاحبها بـ (مثل صحبتها) أي: بمثل صحبة رقية ومعاشرتك معها من المعاشرة الحسنة والصحبة الطيبة التي ترضي الله سبحانه ورسوله ﷺ.
_________________
(١) سورة الأحزاب: (٣٧).
[ ١ / ٣٧٩ ]
(١٠٩) -١٠٩ - (٣) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ
===
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه أيضًا، ودرجته: أنه ضعيف (٢٠) (٢٠)؛ لما في سنده من الراوي المتفق على ضعفه، وغرضه: الاستئناس به أيضًا كسابقه.
* * *
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى للترجمة بحديث كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه، فقال:
(١٠٩) - ١٠٩ - (٣) (حدثنا علي بن محمد) الطنافسي الكوفي.
(حدثنا عبد الله بن إدريس) بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي -بسكون الواو- أبو محمد الكوفي، ثقة فقيه عابد، من الثامنة، مات سنة اثنتين وتسعين ومئة (١٩٢ هـ)، وله بضع وسبعون سنة. يروي عنه: (ع).
(عن هشام بن حسان) الأزدي القُرْدُوسيِّ أبي عبد الله البصري، ثقة من أثبت الناس في ابن سيرين، وفي روايته عن الحسن وعطاء مقال، من السادسة، مات سنة سبع وأربعين أو ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن محمد بن سيرين) الأنصاري مولاهم أبي بكر بن أبي عمرة البصري، ثقة ثبت عابد، من الثالثة، مات سنة عشرة ومئة (١١٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن كعب بن عجرة) -بضم العين وسكون الجيم- ابن أمية الأنصاري أبي محمد المدني الصحابي المشهور من أصحاب الشجرة رضي الله تعالى
[ ١ / ٣٨٠ ]
قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِتْنَةً فَقَرَّبَهَا، فَمَرَّ رَجُلٌ مُقَنَّعٌ رَأْسُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "هَذَا يَوْمَئِذٍ عَلَى الْهُدَى"، فَوَثَبْتُ فَأَخَذْتُ بِضَبْعَي عُثْمَانَ،
===
عنه، له سبعة وأربعون حديثًا؛ اتفقا على حديثين، وانفرد (م) بثلاثة، مات سنة إحدى وخمسين (٥١ هـ) وله نيِّف وسبعون.
وهذا السند من خماسياته؛ رجاله اثنان منهم بصريان، واثنان كوفيان، وواحد مدني، وكلهم ثقات، ولكن فيه انقطاع، قال أبو حاتم: محمد بن سيرين لم يسمع كعب بن عجرة، فحينئذ حكمه: الضعف.
(قال) كعب بن عجرة: (ذكر رسول الله ﷺ فتنة) ومخالفة ستقع بين المسلمين، (فقرَّبها) -بتشديد الراء- من التقريب؛ أي: ذكرها كأنها قريبة إلينا، (فمر رجل) من أصحابه ﷺ على مجلس رسول الله ﷺ؛ وهو عثمان بن عفان ﵁ (مُقنّع) صفة رجل -بفتح النون المشددة- من التقنيع وهو ستر الرأس بالرداء وإلقاء طرفه على الكتف.
وقوله: (رأسه) نائب فاعل له؛ أي: رجل منثور رأسه، أو بكسرها، ورأسه منصوب به؛ أي: رجل ساتر رأسَه بالرداء، (فقال رسول الله ﷺ: هذا) الرجل المار المقنع رأسه (يومئذ) أي: يوم إذ وقعت الفتنة بين المسلمين (على الهدى) والحق، فلا يضل مع من ضل بها، قال كعب بن عجرة: (فوثبت) من مجلسي إلى ذلك الرجل المقنَّع لأعرفه؛ أي: قمتُ ونهضت بسرعة، (فأخذتُ) ومسكت (بضبعي) الرجل المقنَّع الذي هو (عثمان) بن عفان -بفتح الضاد المعجمة وسكون الباء الموحدة على صيغة التثنية- أي: بعَضُدَي عثمان، والضَّبع وكذا العضد: ما بين الكتف والمرفق.
[ ١ / ٣٨١ ]
ثُمَّ اسْتَقْبَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ: هَذَا، قَالَ: "هَذَا".
(١١٠) - ١١٠ - (٤) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ،
===
(ثم استقبلت) وأتيت (رسول الله ﷺ) بعثمان، (فقلت) له: (هذا) الذي مسكتُ عضديه هو الذي يكون على الهدى والحق يومئذ؟ فـ (قال) رسول الله ﷺ: نعم، يكون (هذا) الذي مسكت عضديه يكون على الهدى والحق، فلا يضل مع من ضل عن الهدى والشريعة، والله أعلم.
وهذا الحديث انفرد به المؤلف عن أصحاب الأمهات، ولكن له شاهد أخرجه الترمذي عن مُرّة بن كعب بلفظ: (فمرَّ رجل مقنَّع في ثوب، فقال: هذا يومئذ على الهدى، فقمت إليه، فإذا هو عثمان بن عفان فأقبلتُ عليه بوجهه، فقلتُ هذا؟) أي: هذا هو الرجلُ الذي يكون يومئذ على الهدى، (قال: نعم) هذا حديث حسن صحيح.
ودرجته: أنه ضعيف السند، صحيح المتن لغيره، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
وإنما قدم عليه الحديثين السابقين مع ضعفهما؛ لصراحتهما في الدلالة على الترجمة، والله أعلم.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث كعب بن عجرة بحديث عائشة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١١٠) - ١١٠ - (٤) (حدثنا علي بن محمد) الطنافسي الكوفي.
(حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم التميمي الضرير الكوفي.
[ ١ / ٣٨٢ ]
حَدَّثَنَا الْفَرَجُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ عَائِشَةَ
===
(حدثنا الفرج بن فضالة) بن النعمان بن نعيم التنوخي القضاعي أبو فضالة الدمشقي.
قال أبو داوود عن أحمد: إذا حدث عن الشاميين .. فلا بأس به، ولكنه حدث عن يحيى بن سعيد الأنصاري مناكير، وضعفه ابن معين والبخاري والنسائي والدارقطني والساجي، وقال ابن حبان: يقلب الأسانيد ويلزق المتون الواهية بالأسانيد الصحيحة، لا يحل الاحتجاج به، وقال الخليلي في "الإرشاد": ضعَّفوه، وقال في "التقريب": ضعيف، من الثامنة، مات سنة سبع وسبعين ومئة (١٧٧ هـ). يروي عنه: (د ت ق).
(عن ربيعة بن يزيد الدمشقي) أبي شعيب الإيادي القصير فقيه أهل دمشق مع مكحول، وقال في "التقريب": ثقة عابد، من الرابعة، مات سنة إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين ومئة (١٢٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن النعمان بن بشير) الأنصاري الخزرجي أبي عبد الله المدني له ولأبويه صحبة، وأمه عمرة بنت رواحة، وهو أول أنصاري ولد بعد الهجرة، له مئة وأربعة وعشرون حديثًا، قُتل بحمص سنة خمس وستين (٦٥ هـ)، وله أربع وستون سنة.
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سداسياته؛ رجاله اثنان منهم مدنيان، واثنان شاميان، واثنان كوفيان، وحكمه: الحسن؛ لأن فرج بن فضالة وإن اتفقوا على ضعفه في غير الشاميين، فإنه روى هنا عن ربيعة وهو من الشاميين، فهو لا بأس به فيما روى عنهم.
[ ١ / ٣٨٣ ]
قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "يَا عُثْمَانُ؛ إِنْ وَلَّاكَ اللهُ هَذَا الْأَمْرَ يَوْمًا فَأَرَادَكَ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تَخْلَعَ قَمِيصَكَ ألَّذِي قَمَّصَكَ اللهُ .. فَلَا تَخْلَعْهُ"، يَقُولُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالَ النُّعْمَانُ: فَقُلْتُ لِعَائِشَةَ: مَا مَنَعَكِ
===
(قالت) عائشة: (قال رسول الله ﷺ) لعثمان بن عفان: (يا عثمان؛ إن ولَّاك الله) سبحانه (هذا الأمر يومًا) من التولية؛ أي: إن يجعلك الله تعالى واليًا لهذا الأمر؛ أي: لأمر الخلافة يومًا من الأيام، (فأرادك) أي: أراد (المنافقون) وطلبوا منك (أن تخلع) وتنزع (قميصك الذي قمَّصك الله) تعالى وألبسك، من التقميص؛ يعني: قميص الخلافة، (فلا تخلعه) أي: فلا تنزع قميصك طاعة لهم وسمعًا، وقوله: "فأرادك" أي: أرادوا منك الخلعَ والنزعَ، فهو على نزع الخافض، أو قهروك على الخلع، ويؤيده ما في بعض النسخ: (على الخلع)، والمراد بالقميص: الخلافة، وقوله: "قمَّصك" بتشديد الميم من التقميص؛ أي: ألبسك الله إياه. انتهى "سندي".
ورواية الترمذي مع "تحفة الأحوذي": (يا عثمان؛ إنه) الضمير للشأن (لعل الله يقمِّصك) أي: يلبسك (قميصًا) أراد به خِلْعة الخلافة، (فإن أرادوك على خَلْعه) أي: حملوك على نزعه .. (فلا تخلعه لهم) يعني: إن قصدوا عزلك عن الخلافة .. فلا تعزل نفسك عنها لأجلهم؛ لكونك على الحق وكونهم على الباطل، فلهذا الحديث كان عثمان ﵁ ما عزل نفسه حين حاصروه يوم الدار. انتهى.
قال الطيبي: استعار القميص للخلافة ورشَّحها بقوله: "على خلعه".
(يقول) النبي ﷺ: (ذلك) الكلام لعثمان (ثلاث مرات) أي: ثلاثًا من المرات (قال النعمان) بن بشير: (فقلت لعائشة: ما منعك)
[ ١ / ٣٨٤ ]
أَنْ تُعْلِمِي النَّاسَ بِهَذَا؟ قَالَتْ: أُنْسِيتُهُ وَاللهِ.
(١١١) - ١١١ - (٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ،
===
-بكسر الكاف- خطابًا لها يا عائشة (أن تُعلمي) وتخبري (الناس بهذا) الحديث حين حاصروه وأرادوا قتله؟ (قالت) عائشة: (أنسيته) -بضم الهمزة وضم التاء للمتكلم- على صيغة المبني للمفعول؛ أي: أنساني الله سبحانه أن أخبره للناس لينزجروا عن قتله، أقسم بقوله: (والله) تأكيدًا للكلام؛ لأن القسم قد يكون في أوَّله وفي وسطه وفي آخره.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب المناقب، باب مناقب عثمان، ولكن بلفظ آخر وسند آخر، كما بيناه آنفًا، وقال: هذا الحديث حسن غريب.
ودرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث كعب بن عجرة بحديث آخر لعائشة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١١١) - ١١١ - (٥) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي.
(وعلي بن محمد) الطنافسي الكوفي.
(قالا: حدثنا وكيع) بن الجراح بن مليح الرؤاسي الكوفي.
قال: (حدثنا إسماعيل بن أبي خالد) البجلي الأحمسي أبو عبد الله الكوفي، ثقة ثبت، من الرابعة، مات سنة ست وأربعين ومئة (١٤٦ هـ) واسم أبي خالد: سعد، وقيل: هرمز، وقيل: كثير. يروي عنه: (ع).
[ ١ / ٣٨٥ ]
عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ: "وَدِدْتُ أَنَّ عِنْدِي بَعْضَ أَصْحَابِي"، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا نَدْعُو لَكَ أَبَا بَكْرٍ؟ فَسَكَتَ، قُلْنَا: أَلَا نَدْعُو لَكَ عُمَرَ؟ فَسَكَتَ، قُلْنَا: أَلَا نَدْعُو لَكَ عُثْمَانَ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، فَجَاءَ عُثْمَانُ فَخَلَا بِهِ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يُكَلِّمُهُ وَوَجْهُ عُثْمَانَ يَتَغَيَّرُ،
===
(عن قيس بن أبي حازم) البجلي أبي عبد الله الكوفي واسم أبي حازم: عوف بن الحارث، وقيل: عوف بن عبد الحارث، ثقة مخضرم، من الثانية، مات بعد التسعين أو قبلها، وقد جاوز المئة. يروي عنه: (ع).
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من خماسياته، ومن لطائفه: أن رجاله كلهم كوفيون إلا عائشة؛ فإنها مدنية، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات.
(قالت) عائشة: (قال رسول الله ﷺ في مرضه) الذي مات به: (ودِدْتُ أن عندي بعض أصحابي) أي: تمنيت حضور بعض أصحابي عندي، قالت عائشة: (قلنا) له: (يا رسول الله) ﷺ (ألا ندعو لك أبا بكر) الصديق؟ وألا للاستفتاح أو للعرض، (فسكت) عنا، ثم (قلنا) له: (ألا ندعو لك عمر) بن الخطاب؟ (فسكت) عنا، ثم (قلنا) له: (ألا ندعو لك عثمان) بن عفان؟ (قال) رسول الله ﷺ: (نعم) ادعوا لي عثمان، فدعوناه، (فجاء عثمان، فخلا به) أي: بعثمان رسول الله ﷺ.
(فجعل النبي ﷺ) أي: شرع (يكلِّمه) أي: يكلم عثمان ويتحدث معه، (ووجه عثمان) كلما كلمه النبي ﷺ (يتغير) تأسفًا على ما أخبره النبي ﷺ من بلوى تصيبه،
[ ١ / ٣٨٦ ]
قَالَ قَيْسٌ: فَحَدَّثَنِي أَبُو سَهْلَةَ مَوْلَى عُثْمَانَ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَالَ يَوْمَ الدَّارِ: إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ عَهِدَ إِلَيَّ عَهْدًا وَأَنَا صَائِرٌ إِلَيْهِ، وَقَالَ عَلِيٌّ فِي حَدِيثِهِ: وَأَنَا صَابِرٌ عَلَيْهِ، قَالَ قَيْسٌ: فَكَانُوا يُرَوْنَهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ.
===
(قال قيس) بن حازم: (فحدثني أبو سهلة) بالسين المهملة المفتحة مع سكون الهاء (مولى عثمان) بن عفان، قال القرطبي: صحف فيه محمد بن بشر، فقال: عن أبي شهلة بالمعجمة، والصواب بالمهملة، قال أبو زرعة: لا أعرف اسمه، وقال العجلي: تابعي ثقة، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": ثقة من الثالثة. يروي عنه: (ت ق)، وليس له عندهما إلا هذا الحديث.
(أن عثمان بن عفان قال يوم) حاصره الناس في (الدار) ليقتلوه: (إن رسول الله ﷺ عهد إليَّ عهدًا) قال الطيبي: أي: أوصاني بأن أصبر ولا أقاتل، وفي "تحفة الأحوذي": أي: أوصاني ألا أخلع بقوله: "وإن أرادوك على خلعه .. فلا تخلعه لهم". انتهى.
(وأنا صائر إليه) أي: راجع إلى ذلك العهد بوفائه، هكذا قال ابن نمير (صائر) بالهمزة (وقال على) بن محمد الطنافسي (في حديثه) أي: في روايته: (وأنا صابر عليه) بالباء الموحدة؛ أي: صابر على ما أصابني من البلوى، (قال قيس) ابن أبي حازم بالسند السابق: (فكانوا) أي: فكان قتلة عثمان (يرونه) بالباء للمفعل؛ أي: يرون أنفسهم عثمان حين أرادوا قتله في (ذلك اليوم) أي: يوم إذ حاصروه في الدار؛ أي: قتلوه جهارًا لا غيلة.
وحديث قيس عن عائشة انفرد به ابن ماجه، وحديث قيس عن عثمان أخرجه الترمذي في كتاب المناقب، باب مناقب عثمان بن عفان، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
[ ١ / ٣٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه ابن حبان في صحيحه من طريق وكيع فذكره بإسناده ومتنه.
ودرجته: أنه صحيح؛ لأن رجاله كلهم ثقات. وفي "الزوائد": إسناده صحيح، رجاله ثقات، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: خمسة أحاديث:
الأول والثاني للاستئناس، والثالث للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله ﷾ أعلم
[ ١ / ٣٨٨ ]