(١١٣) - ٣٧٧ - (١) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَتَوَضَّؤُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ.
===
(٣٦) - (٦٠) - (باب الرجل والمرأة يتوضأان من إناء واحد)
واستدل المؤلف رحمه الله تعالى على الترجمة بحديث عبد الله بن عمر ﵄، فقال:
(١١٣) - ٣٧٧ - (١) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير -مصغرًا- السلمي الدمشقي الخطيب، صدوق مقرئ، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا مالك بن أنس) بن مالك بن أبي عامر الأصبحي المدني، ثقة حجة إمام، من السابعة، مات سنة تسع وسبعين ومئة (١٧٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثني نافع) مولى ابن عمر، ثقة، من الثالثة.
(عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأنه من سلسلة الذهب.
(قال) ابن عمر: (كان الرجال والنساء يتوضؤون على عهد رسول الله ﷺ من إناء واحد) قيل: كان هذا قبل نزول الحجاب، وقيل: بل هي الزوجات والمحارم، وقال الرافعي: أراد كل رجل مع زوجته، وأنهما كانا يأخذان من إناء واحد، قال السيوطي: ما شرحه أحد بأحسن ولا أصوب مما قاله الرافعي؛ لأنه يستحيل أن يكون اغتسال الرجال والنساء
[ ٣ / ٣٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الأجانب معًا قبل الحجاب وبعده، فهذا الاغتسال محمول على الزوجين قطعًا، وأما الوضوء .. فيمكن أن يتوضأ مع زوجته ومع محارمه، ويمكن أن يحمل على التعاقب في الغسل في الأجانب ولا يمنعه قوله: (ندلي فيه أيدينا) لأنه لا يستلزم أن يكون إدلاء الأيدي في وقت واحد، وأما قوله في رواية مسدد: (جميعًا) .. فيمكن أن يُحمل على أن الجمعية فيه اجتماع في الفعل لا في الوقت؛ كما يقال: الواو للجمع. انتهى من "البذل".
وقوله: (في عهد رسول الله ﷺ وزمانه) يُستفاد منه أن الصحابي إذا أضاف الفعل إلى زمن الرسول ﷺ .. يكون حكمه حكم الرفع، وهو الصحيح، وحُكي عن قوم خلافه؛ لاحتمال أنه لم يطلع، وهو ضعيف؛ لتوفر دواعي الصحابة على سؤالهم إياه عن الأمور التي لم تقع لهم ومنهم، ولو لم يسألوه .. لم يقروا على غير الجائز من الأفعال في زمن التشريع. انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الوضوء (٤٣)، باب وضوء الرجل مع امرأته وفضل وضوء المرأة، رقم (١٩٣)، وأبو داوود في كتاب الطهارة (٣٩)، باب الوضوء بفضل وضوء المرأة، رقمي (٧٩ - ٨٠)، والنسائي في كتاب الطهارة (٥٧)، باب وضوء الرجال والنساء جميعًا، رقم (٧١).
واستدل بهذا الحديث بعضهم على جواز استعمال فضل المرأة للرجل.
قلت: تقدير الاستدلال أن هذا قد يؤدي إلى فراغ المرأة قبل الرجل، فيؤدي إلى استعمال الفضل، فلو كان ممنوعًا .. لما فعلوا هذا الفضل. انتهى "سندي".
[ ٣ / ٣٥٨ ]
(١١٤) - ٣٧٨ - (٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، حَدَّثَنَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ سَالِمٍ أَبِي النُّعْمَانِ وَهُوَ ابْنُ سَرْجٍ
===
ودرجة هذا الحديث: أنه صحيح، لكون رجاله ثقات أثباتًا، وغرضه بسوقه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث ابن عمر بحديث أم صبية ﵃، فقال:
(١١٤) - ٣٧٨ - (٢) (حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم) بن عمرو العثماني مولاهم (الدمشقي) أبو سعيد، لقبه دُحيم -بمهملتين مصغرًا- ابن اليتيم، ثقة حافظ متقن، من العاشرة. يروي عنه: (خ د س ق)، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ)، وله خمس وسبعون سنة.
(حدثنا أنس بن عياض) بن ضمرة الليثي أبو ضمرة المدني، ثقة، من الثامنة، مات سنة مئتين (٢٠٠ هـ)، وله ست وتسعون سنة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا أسامة بن زيد) الليثي مولاهم أبو زيد المدني. يروي عنه: (م عم)، صدوق يهم، من السابعة، مات سنة ثلاث وخمسين ومئة (١٥٣ هـ) وهو ابن بضع وسبعين.
(عن سالم أبي النعمان وهو) سالم (بن سرج) -بفتح المهملة وسكون الراء بعدها جيم- أبي النعمان المدني، يقال له: ابن خربوذ -بفتح المعجمة ثم راء مشددة مفتوحة ثم موحدة مضمومة آخره ذال معجمة- غير منصرف؛ للعلمية والعُجمة، والخربوذ في أصله: الإكاف؛ وهو ما يُوضع تحت سرج الفرس، قال
[ ٣ / ٣٥٩ ]
عَنْ أُمِّ صُبَيَّةَ الْجُهَنِيَّةِ قَالَتْ: رُبَّمَا اخْتَلَفَتْ يَدِي وَيَدُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الْوُضُوءِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ،
===
أبو أحمد الحاكم من قال: ابن سرج .. فقد عرّبه، ومن قال: ابن خربوذ .. أراد به الإكاف بالفارسية.
قال ابن معين: ثقة شيخ مشهور، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (د ق).
(عن أم صبية) بصاد مهملة مضمومة ثم موحدة مفتوحة مع تشديد الياء مصغرة (الجهنية) -بضم الجيم وفتح الهاء وكسر النون وياء مشددة مفتوحة- نسبة إلى جهينة؛ قبيلة مشهورة، لها صحبة وحديث واحد. يروي عنها: (د ق)، يقال: اسمها خولة بنت قيس، وهي جدة خارجة بن الحارث بن رافع بن بكير، روى حديثها: مولاها أبو النعمان سالم بن سرج وهو ابن خربوذ، وأخوه نافع روى عنها، وفي "شرح معاني الآثار" للطحاوي: أنها أدركت النبي ﷺ وبايعته رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات.
(قالت) أم صبية: (ربما اختلفت) وتعاقبت (يدي ويد رسول الله ﷺ في الوضوء) -بضم الوضوء- متعلق باختلفت؛ أي: في التوضؤ (من إناء واحد) متعلق بالوضوء؛ أي: نتناوب في أخذ الماء من الإناء، فاخذ الماء منه مرة، ويأخذه ﷺ مرة؛ أي: كان يغترف تارة قبلها، وتغترف هي تارة قبله، ولمسلم من طريق معاذة عن عائشة: (فيبادرني حتى أقول: دع لي)، زاد النسائي: (وأبادر حتى يقول: دعي لي). انتهى من "العون".
قال السندي: ووضوءهما من إناء واحد كان قبل الحجاب، أو كان بعده
[ ٣ / ٣٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ولكن كان أحدهما وراء الحجاب مع وضوء لأيديهما في إناء بينهما. انتهى بتصرف.
في هذا الحديث: دليل على جواز اغتراف الجنب من الماء القليل، وأن ذلك لا يمنع من التطهر بذلك الماء ولا بما يفضل منه، ويدل على: أن النهي عن انغماس الجنب في الماء الدائم .. إنما هو للتنزيه؛ كراهية أن يستقذر، لا لكونه يصير مستعملًا بانغماس الجنب فيه؛ لأنه لا فرق بين جميع بدن الجنب وبين عضو من أعضائه. انتهى منه.
فإن قلت: كيف يجوز اختلاف يد النبي ﷺ ويد أم صبية في الإناء؛ فإن أم صبية لم يثبت لها علاقة المحرمية به ﷺ؟
قلت: أجاب عنه بعضهم: بأنه لعله كان قبل الحجاب، ويُشكل هذا الجواب بأنه لو سُلِّم أن هذه واقعة تقدمت نزول الحجاب .. فقبل الحجاب كان كشف الوجه جائزًا لا كشف البدن الذي هو عورة؛ مثل الساعدين والرأس، فالأولى أن يُقال: إن هذه واقعة حدثت بعد الحجاب، وكان بينهما حجاب يأخذان الماء من إناء واحد، أو يقال: ظاهر لفظ الحديث: وإن كان يدل على أنهما كانا تختلف أيديهما في حالة واحدة، ولكن يمكن أن يقال: إن هذا التوضؤ محمول على حالتين؛ بأن أم صبية تختلف يدها للوضوء في حالة على حدة، وتختلف يد رسول الله ﷺ في الوضوء من ذلك الإناء في حالة أخرى على حدة، ووحدة الإناء لا تقتضي أن يكون أخذ الماء في حالة واحدة، وقد قال ابن التين حاكيًا عن سحنون في حديث عبد الله بن عمر أنه قال: (كان الرجال والنساء يتوضؤون في زمان رسول الله ﷺ جميعًا). أخرجه البخاري .. أن معناه: كان الرجال يتوضؤون ويذهبون، ثم تأتي النساء
[ ٣ / ٣٦١ ]
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ بْنُ مَاجَهْ: سَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَقُولُ: أُمُّ صُبَيَّةَ هِيَ خَوْلَةُ بِنْتُ قَيْسٍ، فَذَكَرْتُ لِأَبِي زُرْعَةَ فَقَالَ: صَدَقَ.
===
فيتوضأن، قال الحافظ في "الفتح" بعد هذا: والأولى في الجواب أن يقال: لا مانع من الاجتماع قبل نزول الحجاب، وأما بعده .. فيختص بالزوجات والمحارم.
قلت: أما الجواب الأول .. فقد عرفت ما فيه، وأما الثاني .. فلا يتمشى في حديث أم صبية؛ فإنها لم تكن زوجة ولا محرمًا له ﷺ. انتهى من "البذل".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الطهارة (٤١) باب الوضوء بفضل وضوء المرأة رقم (٧٨).
قلت: فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح، وغرضه: الاستشهاد به.
قال أبو الحسن القطان: (قال أبو عبد الله ابن ماجه: سمعت محمد) بن يحيى الذهلي.
(يقول: أم صبية) اسمها (هي خولة بنت قيس، فذكرت) ما سمعته من محمد (لأبي زرعة) الرازي (فقال) لي أبو زرعة: (صدق) محمد بن يحيى فيما أخبرك في بيان اسم أم صبية، أما أبو زرعة .. فاسمه عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ أبو زرعة الرازي، إمام حافظ ثقة مشهور، من الحادية عشرة، مات سنة أربع وستين ومئتين (٢٦٤ هـ)، وله أربع وستون سنة، والله أعلم انتهى "تقريب".
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث ابن عمر بحديث عائشة ﵃، فقال:
[ ٣ / ٣٦٢ ]
(١١٥) - ٣٧٩ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا دَاوُودُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ هَرَمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ،
===
(١١٥) -٣٧٩ - (٣) (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله الذهلي النيسابوري، ثقة متقن، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا داوود بن شبيب) الباهلي أبو سليمان البصري. يروي عنه: (خ د ق)، صدوق، من التاسعة، مات سنة إحدى أو اثنتين وعشرين ومئتين. يروي عنه: (خ د ق).
(حدثنا حبيب بن أبي حبيب) يزيد الجرمي البصري الأنماطي -بفتح الهمزة وسكون النون والطاء المهملة- نسبة إلى الأنماط؛ وهي البُسُط. روى عن: عمرو بن هرم، وقتادة، والحسن، وآخرين، ويروي عنه: (م س ق)، وداوود بن شبيب، وابن مهدي، ويزيد بن هارون، وابنه محمد، وغيرهم.
وذكره ابن حبان في "الثقات"، قال ابن حبان: حدثنا حبيب بن أبي حبيب وهو ثقة، وقال ابن خلفون: أخرج له مسلم متابعة، وقال في "التقريب": صدوق يخطئ، من السابعة، مات سنة اثنتين وستين ومئة (١٦٢ هـ). يروي عنه: (م س ق).
(عن عمرو بن هرم) الأزدي البصري. روى عن: عكرمة، وسعيد بن جبير، وربعي بن حراش، وغيرهم، ويروي عنه: (م ت س ق)، وحبيب بن أبي حبيب الجرمي، وجعفر بن أبي وحشية، وغيرهم.
قال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": ثقة، من السادسة، مات قبل قتادة.
(عن عكرمة) البربري أبي عبد الله المدني مولى ابن عباس. روى عن:
[ ٣ / ٣٦٣ ]
عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُمَا كَانَا يَتَوَضَّأانِ جَمِيعًا لِلصَّلَاةِ.
===
مولاه، وعلي بن أبي طالب، وجابر، وعائشة، وحمنة بنت جحش، وخلائق، ويروي عنه: (ع)، وعمرو بن هرم، وإبراهيم النخعي، والشعبي، وخلائق. وقال في "التقريب": ثقة ثبت عالم بالتفسير، من الثالثة، مات سنة أربع ومئة (١٠٤ هـ) وقيل بعد ذلك.
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(عن النبي ﷺ أنهما كانا يتوضأان جميعًا للصلاة) أي: مجتمعين من إناء واحد للصلاة.
وتركيب هذا الحديث لا يصح من حيث العربية، والصواب أن يقال: (عن عائشة أنها كانت هي والنبي ﷺ يتوضأان جميعًا للصلاة) لأن الحديث ليس من كلام النبي ﷺ، بل من كلامها.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، كما في "تحفة الأشراف"، ودرجته: أنه صحيح؛ لأن رجاله كلهم ثقات، وغرض المؤلف بسوقه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول: حديث ابن عمر، ذكره للاستدلال به على الترجمة.
والثاني: حديث أم صبية، ذكره للاستشهاد.
والثالث: حديث عائشة، ذكره للاستشهاد.
والله ﷾ أعلم
[ ٣ / ٣٦٤ ]