(٢٨) - ٢٨ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَسُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ زُرَارَةَ وَإسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى
===
(٤) - (٤) - (باب التغليظ في تعمد الكذب على رسول الله ﷺ)
أي: هذا باب في ذكر الأحاديث الدالة على تغليظ العقوبة وتشديدها في الكذب على رسول الله ﷺ.
* * *
(٢٨) - ٢٨ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي.
(وسويد بن سعيد) بن سهل الهروي الأصل ثم الأنباري: نسبة إلى الأنبار؛ بلدة على الفرات، ثم الحدثاني -بفتح المهملتين والثاء المثلثة آخره نون- نسبة إلى الحديثة؛ بلد آخر على الفرات، أبو محمد.
قال أحمد: أرجو أن يكون صدوقًا، وقال أبو حاتم: صدوق مدلس، وقال في "التقريب": صدوق في نفسه، إلا أنه عمي، فصار يتلقن ما ليس من حديثه، وأفحش ابن معين فيه فكذبه، قال البخاري: مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ)، وله مئة سنة، من قدماء العاشرة. يروي عنه: (م ق).
(وعبد الله بن عامر بن زرارة) الحضرمي أبو محمد الكوفي، صدوق، من العاشرة، مات سنة سبع وثلاثين ومئتين (٢٣٧ هـ). يروي عنه: (م دق).
(وإسماعيل بن موسى) الفزاري أبو محمد الكوفي نسيب السدي أو ابن أخته أو ابن بنته، صدوق يخطئ ورمي بالرفض؛ أي: الغلوفي التشيع، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (د ت ق).
[ ١ / ١٣٦ ]
قَالُوا: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا .. فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ".
===
وفائدة هذه المقارنة تقوية السند، (قالوا) أي: قال كل من الأربعة:
(حدثنا شريك) بن عبد الله بن أبي شريك النخعي أبو عبد الله الكوفي القاضي بواسط ثم الكوفة والأهواز، صدوق يخطئ كثيرًا، من الثامنة، مات سنة سبع وسبعين ومئة (١٧٧ هـ)، أو ثمان وسبعين ومئة، وله ثلاث وثمانون سنة. يروي عنه: (م عم).
(عن سماك) -بكسر أوله وتخفيف الميم- ابن حرب بن أوسٍ البكري الذهلي أبي المغيرة الكوفي، صدوق، من الرابعة، مات سنة ثلاث وعشرين ومئة (١٢٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود) الهذلي الكوفي.
قال ابن معين: ثقة لم يسمع من أبيه، وقال في "التقريب": ثقة، من صغار الثانية، مات سنة تسع وسبعين (٧٩ هـ)، وقد سمع من أبيه لكن شيئًا يسيرًا. يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) عبد الله بن مسعود الصحابي الجليل رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته؛ رجاله كلهم كوفيون إلا سويد بن سعيد؛ فإنه هروي، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله فيهم صدوق وثقة.
(قال) عبد الله بن مسعود: (قال رسول الله ﷺ: من كذب علي) أي: نسب إليّ ما لم أقله، أو لم أفعله، أو لم أقرره (متعمدًا) أي: قاصدًا الكذب عليَّ .. (فليتبوأ) أي: فليتخذ (مقعده) أي: منزله (من النار) مخلدًا فيها إن استحلَّه، أو بقَدر ذنبه إن لم يستحلّ؛ لأنه عاصٍ.
[ ١ / ١٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه بهذا السند، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه بسوقه: الاستدلال به على الترجمة.
وقوله: "من كذب علي متعمدًا" أي: قاصدًا الكذب عليّ لغرض من الأغراض، لا أنه وقع فيه خطأ أو سهوًا .. فإن ذلك مكفَّر عن هذه الأمة، وقيْد التعمد يدل على أن الكذب يكون بدون التعمد أيضًا، كما عليه المحققون، فقالوا: هو الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه عمدًا كان أو سهوًا، لا كما زعمت المعتزلة أن التعمد شرط في تحقق الكذب.
وقوله: "فليتبوأ مقعده من النار" أي: فليتخذ منزله منها، ثم قيل: إنه دعاء بلفظ الأمر؛ أي: بوأه الله ذلك، وقيل: خبر بلفظ الأمر، ومعناه: فقد استوجب ذلك، وفي التعبير بلفظ الأمر الواجب إشارة إلى تحقق الوقوع، قال النووي: معنى الحديث: أن هذا جزاؤه إن جوزي، ويجوز أن الكريم يعفو عنه، ثم إن جوزي .. فلا يخلد في النار، وفي الحديث دلالة على أن الكذب عليه ﷺ كبيرة، لكن لا يكفر مرتكبه، وكان والد إمام الحرمين يقول بكفره، لكن ردَّه إمام الحرمين بأنه قولٌ لم يقله أحدٌ من الأصحاب، فهو هفوة عظيمة.
وهل إذا تاب من تعمد الكذب تقبل توبته وروايته؟ ذلك فيه قولان، والصحيح الموافق للقواعد الشرعية القبول، وكيف والكافر إذا تاب تقبل توبته وروايته والكاذب متعمدًا دون ذلك؟ ! ثم معنى كذب عليه: أنه نسب إليه ﷺ من قول أو فعل أو تقرير ما ليس له، وقول من قال: كذب عليه في مقابلة كذب له، فمفهوم الحديث أن الكذب له جائز، فيجوز وضع الأحاديث في الترغيب والترهيب والمواعظ وغير ذلك؛ فإنه كذب له؛ لأنه لأجل نشر دينه .. جهلٌ باللغة، على أنه لو صح .. لكان مردودًا هنا بشهادة جمع أحاديث الباب؛
[ ١ / ١٣٨ ]
(٢٩) - ٢٩ - (٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ زُرَارَةَ وَإسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى قَالَا: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ
===
فإن أحاديث الباب إذا جمعت .. فهي تدل على أن الكذب في شأنه ﷺ مطلقًا من أشد الذنوب وأقبحها. انتهى "السندي"، والله أعلم.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث ابن مسعود بحديث علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٢٩) - ٢٩ - (٢) (حدثنا عبد الله بن عامر بن زرارة) الحضرمي الكوفي.
(وإسماعيل بن موسى) الفزاري الكوفي.
(قالا: حدثنا شريك) بن عبد الله النخعي الكوفي.
(عن منصور) بن المعتمر بن عبد الله السهمي أبي عتاب -بمثناة ثقيلة ثم موحدة- الكوفي، ثقة ثبت، من الخامسة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة (١٣٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن ربعي بن حراش) -بكسر الحاء المهملة وتخفيف الراء- العبسي أبي مريم الكوفي.
قال العجلي: من خيار الناس لم يكذب كذبةً قَط، وقال في "التقريب": ثقة عابد مخضرم، من الثانية، مات سنة مئة (١٠٠ هـ)، وقيل غير ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن علي بن أبي طالب) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، ومن لطائفه: أن رجاله كلهم كوفيون إلا علي بن أبي طالب؛ فإنه مدني، وحكمه: الصحة.
[ ١ / ١٣٩ ]
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "لَا تَكْذِبُوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ عَلَيَّ يُولِجُ النَّارَ".
(٣٠) - ٣٠ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ
===
(قال) علي: (قال رسول الله ﷺ: لا تكذبوا علي) أي: لا تنسبوا إليَّ قولًا لم أقله، ولا فعلًا لم أفعله، ولا تقريرًا لم أقرره؛ (فإن الكذب علي يولج) -بضم أوله وكسر ثالثه- من أولج الرباعي؛ أي: يدخل صاحبه يوم القيامة (النار) خالدًا فيها إن استحله أو بقدر ذنبه إن لم يستحله.
وقوله: "يولج" من أولج بمعنى أدخل؛ أي: يدخل كل من له تلبس به ولو بالدلالة عليه والرضا به والرواية له.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب العلم، باب إثم من كذب على النبي ﷺ، رقم الحديث (١١٠٦)، ومسلم في المقدمة، باب (٢) الحديث (٢)، والترمذي في كتاب العلم، باب ما جاء في تعظيم الكذب على رسول الله ﷺ، الحديث (٢٦٦٠)، وأخرجه أيضًا في كتاب المناقب باب مناقب علي بن أبي طالب، الحديث (٣٧١٥) بنحوه مطولًا. انتهى "تحفة".
ودرجته: أنه في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به للحديث الأول.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث ابن مسعود بحديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٣٠) - ٣٠ - (٣) (حدثنا محمد بن رمح) بن المهاجر التجيبي -بضم
[ ١ / ١٤٠ ]
الْمِصْرِيُّ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ -حَسِبْتُهُ قَالَ-: مُتَعَمِّدًا .. فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ".
===
المثناة- مولاهم أبو عبد الله (المصري) ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ). يروي عنه: (م ق).
قال: (حدثنا الليث بن سعد) بن عبد الله الفهمي مولاهم أبو الحارث المصري، ثقة ثبت فقيه إمام مشهور، من السابعة، مات سنة خمس وسبعين ومئة (١٧٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) محمد بن مسلم (بن شهاب) الزهري أبي بكر المدني، متفق على جلالته، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة (١٢٥ هـ)، وقيل قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).
(عن أنس بن مالك) بن النضر الأنصاري الخزرجي خادم رسول الله ﷺ، رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من رباعياته؛ رجاله اثنان منهم مصريان، وواحد بصري، وواحد مدني، وحكمه: الصحة.
(قال) أنس: (قال رسول الله ﷺ: من كذب علي) قال: ابن شهاب (حسبته) أي: حسبت أنسأ؛ أي: أظنه (قال: متعمدًا) والشك من ابن شهاب أو ممن دونه، هل قال أنس لفظة متعمدًا أم لا، فذكره ترجيحًا لقوله على عدم قوله، قال السندي: من الحسبان بمعنى الظن، والجملة معترضة بين الشرط والجزاء؛ للإفادة في التقييد بالتعمد في هذه الرواية. انتهى.
(فلبتبوأ) أي: فليتخذ (مقعده) أي: مقره ومنزله (من النار) عقوبة على كذبه على رسول الله ﷺ.
[ ١ / ١٤١ ]
(٣١) - ٣١ - (٤) حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ
===
وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته: الترمذي في كتاب العلم، باب ما جاء في تعظيم الكذب على رسول الله ﷺ، الحديث (٢٦٦١).
ودرجته: أنه صحيح، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث عبد الله بن مسعود بحديث جابر رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٣١) - ٣١ - (٤) (حدثنا أبو خيثمة زهير بن حرب) بن شداد الحرشي النسائي، ثقة، من العاشرة، مات سنة أربع وثلاثين ومئتين (٢٣٤ هـ). يروي عنه (خ م دس ق).
قال: (حدثنا هشيم) -مصغرًا- ابن بشير بوزن عظيم بن القاسم بن دينار السلمي أبو معاوية الواسطي نزيل بغداد.
قال العجلي: ثقة يدلس، وقال في "التقريب": ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال الخفي، من السابعة، مات سنة ثلاث وثمانين ومئة (١٨٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي الزبير) المكي محمد بن مسلم بن تدرس الأسدي مولاهم صدوق مدلس، وثقه ابن معين والنسائي وابن عدي، من الرابعة، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري السلمي رضي الله تعالى عنهما.
[ ١ / ١٤٢ ]
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا .. فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ".
(٣٢) - ٣٢ - (٥) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو،
===
وهذا السند من رباعياته؛ رجاله واحد منهم مدني، وواحد مكي، وواحد واسطي، وواحد نسائي، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) جابر: (قال رسول الله ﷺ: "من كذب علي متعمدًا .. فليتبوأ مقعده من النار").
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف رابعًا لحديث ابن مسعود بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٣٢) - ٣٢ - (٥) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي.
قال: (حدثنا محمد بن بشر) العبدي أبو عبد الله الكوفي.
وثقه ابن معين، وقال في "التقريب": ثقة حافظ، من التاسعة، مات سنة ثلاث ومئتين (٢٠٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن محمد بن عمرو) بن علقمة بن وقاص بن محصن بن كلدة الليثي أبي الحسن المدني. روى عن: أبي سلمة بن عبد الرحمن، ويروي عنه: (ع)، ومحمد بن بشر.
قال أبو حاتم: صالح الحديث يكتب حديثه وهو شيخ، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال مرة: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يخطئ، وقال
[ ١ / ١٤٣ ]
عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "مَنْ تَقَوَّلَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ .. فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ".
(٣٣) - ٣٣ - (٦) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ،
===
ابن معين: ثقة، وقال عنه مرة: ليس بحجة، وقال ابن المبارك: ليس به بأس، وقال في "التقريب": صدوق له أوهام، من السادسة، مات سنة خمس وأربعين ومئة (١٤٥ هـ) على الصحيح.
(عن أبي سلمة) عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة فقيه كثير الحديث، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين، أو أربع ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) المدني الدوسي رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته؛ رجاله ثلاثة منهم مدنيون، واثنان كوفيان، وحكمه: الصحة.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ: من تقول علي) أي: من نسب إليَّ، وهذا يدل على أن التكلف يغني عن قيد التعمد (ما لم أقلـ) ـه، أو ما لم أفعله، أو ما لم أقرره ففيه اكتفاء .. (فليتبوأ مقعده من النار).
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف خامسًا لحديث ابن مسعود بحديث أبي قتادة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٣٣) - ٣٣ - (٦) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) الكوفي.
[ ١ / ١٤٤ ]
عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْلَى التَّيْمِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ عَلَى هَذَا الْمِنْبَرِ: "إِيَّاكُمْ
===
(عن يحيى بن يعلى) بن حرملة (التيمي) أبي المحياة -بضم الميم وفتح المهملة والتحتانية المشددة آخره هاء- الكوفي. روى عن: محمد بن إسحاق، وأبيه، ويروي عنه: (م ت س ق)، وأبو بكر بن أبي شيبة.
وثقه ابن معين وابن حبان، وقال في "التقريب": ثقة، من الثامنة.
(عن محمد بن إسحاق) بن يسار المطلبي مولاهم أبي عبد الله المدني أحد الأئمة الأعلام لا سيما في المغازي والسير، رأى أنسًا، صدوق يدلس ورمي بالتشيع والقدر، من صغار الخامسة، مات سنة خمسين ومئة (١٥٠ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (م عم).
(عن معبد بن كعب) بن مالك الأنصاري السلمي -بفتح المهملة واللام- المدني كان أصغر الإخوة، قال العجلي: مدني تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": مقبول، من الثالثة. يروي عنه: (خ م س ق).
(عن أبي قتادة) الأنصاري السلمي المدني الحارث بن ربعي رضي الله تعالى عنه، فارس رسول الله ﷺ، شهد أحدًا والمشاهد، له مئة وسبعون حديثًا؛ اتفقا على أحد عشر، وانفرد (خ) بحديثين، و(م) بثمانية.
وهذا السند من خماسياته؛ رجاله ثلاثة منهم مدنيون، واثنان كوفيان، وحكمه: الصحة، وقيل: الضعف؛ لتدليس ابن إسحاق، ولكن لا يقدح؛ لأنه إنما أتى به في الشواهد.
(قال) أبو قتادة: (سمعت رسول الله ﷺ يقول على هذا المنبر) النبوي وقوله: (إياكم) منصوب على التحذير بعامل محذوف وجوبًا
[ ١ / ١٤٥ ]
وَكَثْرَةَ الْحَدِيثِ عَنِّي؛ فَمَنْ قَالَ عَلَيَّ فَلْيَقُلْ حَقًّا أَوْ صِدْقًا، وَمَنْ تَقَوَّلَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ .. فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ".
(٣٤) - ٣٤ - (٧) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ أَبِي صَخْرَةَ،
===
لقيام المعطوف مقامه؛ وهو قوله: (وكثرة الحديث) أي: باعدوا أنفسكم أيها الأصحاب عن إكثار التحديث والرواية (عني؛ فمن قال على) أي: فمن نسب إليّ قولًا؛ أي: أراد أن ينسب إلي قولًا، أو فعلًا أو تقريرًا .. (فليقل حقًّا) كلامًا حقًّا لا باطلًا، (أو) قال أبو قتادة: كلامًا (صدقًا) أي: كلامًا صادقًا لا كذبًا، وأو للشك إما من معبد، أو ممن دونه (ومن تقول عليَّ) أي: نسب إليَّ (ما لم أقلـ) ـه .. (فليتبوأ مقعده من النار).
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه الدارمي في "سننه" من طريق محمد بن إسحاق رقم (١/ ٧٧).
ودرجته؛ أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف سادسًا لحديث ابن مسعود بحديث الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٣٤) - ٣٤ - (٧) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي.
(ومحمد بن بشار) بن عثمان العبدي البصري.
(قالا: حدثنا غندر محمد بن جعفر) الهذلي البصري.
قال: (حدثنا شعبة) بن الحجاج العتكي البصري.
(عن جامع بن شداد) المحاربي (أبي صخرة) الكوفي أحد الفضلاء، وثقه
[ ١ / ١٤٦ ]
عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ: مَا لِيَ لَا أَسْمَعُكَ
===
أبو حاتم، وقال في "التقريب": ثقة، من الخامسة، مات سنة سبع، ويقال: سنة ثمان وعشرين ومئة (١٢٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عامر بن عبد الله بن الزبير) الأسدي أبي الحارث المدني أحد العباد والأشراف.
وثقه أحمد وابن معين وأبو حاتم، وقال في "التقريب": ثقة عابد، من الرابعة، مات سنة إحدى وعشرين ومئة (١٢١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي أبي خبيب المكي ثم المدني الصحابي الجليل رضي الله تعالى عنه، له ثلاثة وثلاثون حديثًا؛ اتفقا على حديث، وانفرد البخاري بستة، ومسلم بحديثين، قتل بمكة سنة ثلاث وسبعين (٧٣ هـ) في ذي الحجة.
(قال) أي: عبد الله بن الزبير: (قلت) أنا (لـ) ـوالدي (الزبير بن العوام) بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب الأسدي أبي عبد الله المدني رضي الله تعالى عنه، حواري رسول الله ﷺ، وابن عمته صفية، وأحد العشرة المبشرة، هاجر الهجرتين، وشهد المشاهد كلها، له ثمانية وثلاثون حديثًا؛ اتفقا على حديثين، وانفرد (خ) بسبعة، ذكره باسمه دون الكنية كلفظ الأب والوالد؛ إيضاحًا له بذكر اسمه العلم.
وهذا السند من سباعياته؛ رجاله ثلاثة منهم مدنيون، واثنان بصريان، واثنان كوفيان، وحكمه: الصحة.
أي: قلت للزبير: (ما لي) أي: أي شيء ثبت لي، و(ما) استفهامية في محل الرفع مبتدأ، والجار والمجرور في قوله: (لي) خبره، وجملة (لا أسمعك)
[ ١ / ١٤٧ ]
تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَمَا أَسْمَعُ ابْنَ مَسْعُودٍ وَفُلَانًا وَفُلَانًا؟ قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أُفَارِقْهُ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلكِنِّي سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً يَقُولُ: "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا .. فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ".
===
حال من ياء المتكلم، وجملة (تحدث) حال من ضمير المخاطب؛ أي: أي شيء ثبت لي حالة كوني غير سامع إياك محدثًا (عن رسول الله ﷺ) حديثًا كثيرًا، والكاف في قوله: (كما أسمع) صفة لمصدر محذوف، و(ما) مصدرية؛ أي: لا أسمعك سماعًا مثل سماعي (ابن مسعود) يحدث كثيرًا (و) سماعي (فلانًا وفلانًا) يحدثان كثيرًا؛ كأبي هريرة، وابن عمر، وجابر مثلًا؟
(قال) الزبير: (أما) حرف استفتاح وتنبيه للمخاطب؛ أي: انتبه يا ولدي واسمع مني ما أقول: (إني لم أفارقه) ﷺ (منذ أسلمت) أي: من بداية إسلامي إلى وفاته، (ولكني سمعت منه) ﷺ (كلمة يقولـ) ـها؛ أي: ولكن سماعي تلك الكلمة منه ﷺ منعني من إكثار الحديث عنه، وتلك الكلمة قوله: ("من كذب على متعمدًا .. فليتبوأ مقعده من النار") والمعى: ليس عدم إكثار الحديث عنه ﷺ لقلة صحبتي به ﷺ وعدم ملازمتي إياه بعد الإسلام، ومعلوم أن إسلامه قديم، ولكن سمعت إلى آخره؛ أي: فذلك الذي يمنعني عن التحديث؛ لأنه قد يفضي إلى زيادة ونقصان سهوًا، أو اشتغال بما يفضي إليه عادة كالتعمد، والله أعلم. انتهى "السندي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب العلم، باب إثم من كذب على النبي ﷺ، الحديث (١٠٧)، وأبو داوود في كتاب العلم، في التشديد في الكذب على رسول الله ﷺ، الحديث (٣٦٥١).
[ ١ / ١٤٨ ]
(٣٥) - ٣٥ - (٨) حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ
===
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف سابعًا لحديث ابن مسعود بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٣٥) - ٣٥ - (٨) (حدثنا سويد بن سعيد) بن سهل أبو محمد الهروي، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (م ق).
قال: (حدثنا علي بن مسهر) بصيغة اسم الفاعل القرشي أبو الحسن الكوفي قاضي الموصل، ثقة، من الثامنة، له غرائب بعدما أضر، مات سنة تسع وثمانين ومئة (١٨٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن مطرف) بن طريف الحارثي أبي بكر الكوفي.
وثقه أبو حاتم، وقال في "التقريب": ثقة فاضل، من صغار السادسة، مات سنة إحدى وأربعين ومئة (١٤١ هـ)، أو بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن عطية) بن قيس الكلابي أو الكلاعي -بالعين بدل الباء- أبي يحيى الحمصي المقرئ.
قال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال في "التقريب": ثقة، من الثالثة، مات سنة إحدى وعشرين ومئة (١٢١ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبي سعيد) الخدري سعد بن مالك بن سنان رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته؛ رجاله اثنان منهم كوفيان، وواحد مدني، وواحد شامي، وواحد هروي، وحكمه: الصحة.
[ ١ / ١٤٩ ]
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا .. فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ".
===
(قال) أبو سعيد الخدري: (قال رسول الله ﷺ: "من كذب علي متعمدًا .. فليتبوأ مقعده من النار").
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره في هذا الباب: ثمانية أحاديث:
الأول للاستدلال، والبواقي للاستشهاد.
وكلها صحيحة.
والله ﷾ أعلم
[ ١ / ١٥٠ ]