(٣٢) -١٨٤٨ - (١) حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ، فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ
===
(١٣) - (٥٨١) - (باب نكاح الصغار يزوجهن الآباء)
(٣٢) - ١٨٤٨ - (١) (حدثنا سويد بن سعيد) بن سهل الهروي الأصل ثم الحدثاني، صدوق في نفسه إلا أنه عمي فصار يتلقن من غير حديثه، وأفحش ابن معين القول فيه، من قدماء العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ)، وله مئة سنة. يروي عنه: (م ق).
(حدثنا علي بن مسهر) -بضم الميم وكسر الهاء بينهما سين مهملة ساكنة- القرشي الكوفي قاضِي الموصل، ثقة له غرائب بعدما أضر، من الثامنة، مات سنة تسع وثمانين ومئة (١٨٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا هشام بن عروة) بن الزبير بن العوام الأسدي المدني، ثقة، من الخامسة، مات سنة خمس أو ست وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) عروة بن الزبير، ثقة متقن، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين (٩٤ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قالت) عائشة: (تزوجني رسول الله ﷺ وأنا بنت ست سنين) أي: نكحني والحال أن عمري ست سنين فقط، أو سبع سنين في رواية؛ أي: عقد على بعد موت خديجة ونكاح سودة وهو بمكة (فقدمنا المدينة) مع
[ ١١ / ١٠٠ ]
فَنَزَلْنَا فِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَج، فَوُعِكْتُ فَتَمَرَّقَ شَعَرِي حَتَّى وَفَى لَهُ جُمَيْمَةٌ، فَأَتَتْنِي أُمِّي أُمُّ رُومَانَ
===
أقاربي من مكة (فنزلنا) مع أقاربي (في) ديار (بني الحارث بن الخزرج، فوعكت) بالبناء للمجهول؛ أي: حُمِّيت من الوعك؛ وهو الحُمَّى؛ أي: أخذني ألم الحمى وحرارتها، وفي رواية مسلم زيادة: (شهرًا) أي: مرضت بالحمى، وكان ذلك أول قدومهم المدينة في الوقت الذي وعك فيه أبو بكر رضي الله تعالى عنه، وقبل أن يدعو النبي ﷺ للمدينة؛ بأن يصححها وينقل حماها إلى الجحفة، ولما دعا .. فعل الله تعالى ذلك. انتهى من "المفهم".
(فتمرق شعري) أي: تساقط شعري لأجل الحمى، يقال: مرق شعره فتمرق؛ إذا انتثر وتساقط من مرض أو غيره.
وفي الكلام حذف؛ تقديره: فتساقط شعري بسبب الحمى، فلما شفيت من مرضي .. تربى شعري ونبت فكثر (حتى وفى) وحصل (له) أي: لشعري (جميمة) -بضم الجيم- تصغير جمة -بضمها- والجمة من شعر الرأس: ما سقط ونزل إلى المنكبين، وإذا نزل إلى شحمة الأذنين .. يسمى وفرة؛ أي: صار إلى هذا الحد بعد أن كان قد ذهب بالمرض، (فأتتني أمي أم رومان) -بضم الراء- هي كنية أم عائشة، واسمها زينب بنت عامر بن عويمر الكنانية، وهي زوج أبي بكر الصديق وأم ولديه عبد الرحمن وعائشة، أسلمت وهاجرت وتوفيت في حياة رسول الله ﷺ، قاله الذهبي.
وقال أبو عمر: أم رومان، يقال: بفتح الراء وضمها، بنت عامر، ولم يذكر لها اسمًا، ماتت في حياة النبي ﷺ سنة ست من الهجرة، فنزل النبي ﷺ قبرها واستغفر لها، وقال: "اللهم؛ لم يخف عليك ما لقيت أم رومان فيك وفي رسولك".
[ ١١ / ١٠١ ]
وَإِنِّي لَفِي أُرْجُوحَةٍ وَمَعِي صَوَاحِبَاتٌ لِي، فَصَرَخَتْ بِي فَأَتَيْتُهَا وَمَا أَدْرِي مَا تُرِيدُ، فَأَخَذَتْ بِيَدِي فَأَوْقَفَتْنِي عَلَى بَابِ الدَّارِ وَإِنِّي لَأَنْهَجُ حَتَّى سَكَنَ بَعْضُ نَفَسِي، ثُمَّ أَخَذَتْ شَيْئًا مِنْ مَاءٍ فَمَسَحَتْ بِهِ عَلَى وَجْهِي وَرَأْسِي، ثُمَّ أَدْخَلَتْنِي الدَّارَ فَإِذَا نِسْوَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فِي بَيْتٍ
===
(وإني لفي أرجوحة) أي: والحال أني لجالسة في أرجوحة (و) الحال أن (معي) على الأرجوحة (صواحبات لي) في اللعب من البنات اللواتي يلعبن معي على الأرجوحة، والأرجوحة -بضم الهمزة والجيم بينهما راء ساكنة-: هي خشبة يلعب عليها الصبيان والجواري الصغار، يكون وسطها على مكان مرتفع، ويجلسون على طرفيها ويحركونها، ويرتفع جانب منها تارةً وينزل جانب آخر، قاله النووي، وقيل: الأرجوحة: حبل يعلق، فيركبه الصبيان، يلعبون عليه. انتهى من "المفهم".
(فصرخت بي) أي: صاحت بي أمي؛ أي: رفعت صوتها في ندائها إلي؛ أي: صاحت بي صياحًا مزعجًا ونادتني (فأتيتها) أي: فجئتها من عند صواحبي (و) الحال أني (ما أدري) ولا أعلم (ما تريد) وتقصد مني وتطلبني لأجله (فأخذت) أمي وأمسكت (بيدي) ومشت بي إلى البيت (فأوقفتني على باب الدار) لنا (و) الحال (إني لأنهج) مضارع من نهج؛ من باب علم؛ أي: لأتنفس تنفسًا متتابعًا؛ من النهج؛ وهو تتابع النفس؛ كما يحصل لمن أسرع في المشي (حتى سكن) وانقطع (بعض نفسي، ثم أخذت) بيدها (شيئًا) قليلًا (من ماء، فمسحت به) أي: بذلك الماء (على وجهي ورأسي، ثم أدخلتني الدار، فإذا) فيه (نسوة) بضم النون وكسرها (من الأنصار) حاضرات (في بيت) لنا، و(إذا) فجائية؛ أي: فاجأني رؤية نسوة من الأنصار، سمي منهن: أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية فيما
[ ١١ / ١٠٢ ]
فَقُلْنَ: عَلَى الْخَيْرِ وَالْبَرَكَة، وَعَلَى خَيْرِ طَائِرٍ، فَأَسْلَمَتْنِي إِلَيْهِنَّ فَأَصْلَحْنَ مِنْ شَأْنِي،
===
أخرجه المستغفري، وفيه: أن رسول الله ﷺ قرب إليهن تمرًا ولبنًا.
(فقلن) لي تلك النسوة: دخلت (على الخير والبركة و) وقفت (على خير طائر) وأفضل حظ ونصيب، وطائر الإنسان: نصيبه، والجار والمجرور في الموضعين متعلق بمحذوف؛ كما قدرناه.
وفي الحديث استحباب الدعاء للمتزوج والمزوجة، وهذا نحو ما روي من حديث معاذ أن النبي ﷺ قال لرجل من الأنصار شهد إملاكه، فقال: "الألفة والخير والطائر الميمون"، وقد قال ﷺ لابن عوف: "بارك الله لك"، وروي عنه ﷺ أنه قال: "بارك الله لكم وعليكم".
قلت: وهذه أدعية، والدعاء كله حسن، غير أن الدعاء بما دعا به النبي ﷺ أولى، ولذلك كره بعضهم قول العرب: (بالرفاء والبنين).
وقولهن: (على خير طائر)، وقولى النبي ﷺ: "وعلى الطائر الميمون" .. على جهة التفاؤل والكلام الطيب، وليس هذا من قبيل الطيرة المنهي عنها التي قال فيها النبي ﷺ: "لا طيرة، وخيرها الفأل الحسن". انتهى "مفهم"، وفي "فتح الملهم": (على الخير والبركة) هذا الدعاء يشمل المرأة وزوجها.
(فأسلمتني) أمي أم رومان (إليهن) أي: إلى تلك النسوة من الأنصار (فأصلحن) تلك النسوة (من شأني) أي: أصلحن لي شعري وثيابي وهيئتي، قال القاضي عياض: فيه جواز تزيين المرأة لزوجها واجتماع النساء لذلك؛ لما
[ ١١ / ١٠٣ ]
فَلَمْ يَرُعْنِي إِلَّا رَسُولُ اللهِ ﷺ ضُحىً، فَأَسْلَمَتْنِي إِلَيْهِ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ.
===
فيه من شهرة النكاح، وهو مما يجب إشهاره وحضور النساء لذلك، قال النووي: فيه استحباب تنظيف العروس وتزيينها لزوجها، ويعلمنها آدابها حال الزفاف وحال لقائها الزوج. انتهى.
(فلم يرعني) -بضم الراء وسكون العين- من الروع، والروع: الفزع؛ أي: لم يفزعني شيء (إلا) حضور (رسول الله ﷺ) ودخوله على (ضحىً) -بضم الضاد والقصر- أي: وقت الضحى، وهو ظرف لفعل الروع؛ وهو أول النهار من ارتفاع الشمس إلى قبيل الاستواء (فأسلمتني) تلك النسوة الأنصاريات (إليه) ﷺ ليأخذني، معطوف على قوله: (وأصلحنني)، وجملة الروع معترضة؛ أي: فأسلمنني إليه فأخذني نهارًا بغير مركب ولا نيران؛ أي: بنيران الولائم ولا سُرُجِها (وأنا يومئذ) أي: يوم إذ أسلمنني إلى رسول الله ﷺ (بنت تسع سنين).
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب النكاح، باب تزوج النبي ﷺ عائشة، ومسلم في كتاب النكاح، باب تزويج الأب ابنته من الإمام، وباب من بنى بامرأة وهي بنت تسع سنين، وأبو داوود في كتاب النكاح، باب تزويج الصغار، والدارمي، وأحمد.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف بحديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، فقال:
[ ١١ / ١٠٤ ]
(٣٣) - ١٨٤٩ - (٢) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ
===
(٣٣) - ١٨٤٩ - (٢) (حدثنا أحمد بن سنان) بن أسد بن حبان -بكسر المهملة بعدها موحدة- أبو جعفر القطان الواسطي، ثقة حافظ، من الحادية عشرة، مات سنة تسع وخمسين ومئتين (٢٥٩ هـ)، وقيل قبلها. يروي عنه: (خ م د س ق).
(حدثنا أبو أحمد) الزبيري محمد بن عبد الله بن الزبير بن عُمَر بن درهم الأسدي الكوفي، ثقة ثبت إلا أنه يخطئ في حديث الثوري، من التاسعة، مات سنة ثلاث ومئتين (٢٠٣ هـ). يروي عنه (ع).
(حدثنا إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي، ثقة تُكلِّم فيه بلا حجة، من السابعة، مات سنة ستين ومئة (١٦٠ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله بن عبيد الهمداني أبي إسحاق السبيعي، ثقة مكثر عابد، من الثالثة، اختلط بأخرة، مات سنة تسع وعشرين ومئة (١٢٩ هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن أبي عبيدة) -مصغرًا- ابن عبد الله بن مسعود، مشهور بكنيته، والأشهر أنه لا اسم له غيرها، وقيل: اسمه عامر الكوفي، ثقة، من كبار الثالثة، والراجح أنه لا يصح سماعه من أبيه، مات قبل المئة بعد سنة الثمانين. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله) بن مسعود رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات، إلا أنه منقطع؛ لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، قاله شعبة وأبو حاتم وابن حبان، ولكن له شاهد من حديث عائشة.
[ ١١ / ١٠٥ ]
قَالَ: تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ عَائِشَةَ وَهِيَ بِنْتُ سَبْعٍ، وَبَنَى بِهَا وَهِيَ بِنْتُ تِسْعٍ، وَتُوُفِّيَ عَنْهَا وَهِيَ بِنْتُ ثَمَانِي عَشْرَةَ.
===
(قال) عبد الله: (تزوج النبي ﷺ عائشة وهي) أي: والحال أنها (بنت سبع، وبنى بها) أي: دخل بها (وهي بنت تسع) سنين، (وتوفي عنها) أي: مات عنها (وهي بنت ثماني عشرة) سنة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب مناقب الأنصار، باب تزوج النبي ﷺ عائشة، وفيه: (ست سنين)، ومسلم في كتاب النكاح، باب تزويج الأب البكر الصغيرة، وأبو داوود في كتاب النكاح، باب في تزويج الصغار، والبيهقي في "دلائل النبوة".
ودرجة هذا الحديث: أنه صحيح بغيره؛ لأن له شاهدًا من حديث عائشة رواه النسائي في "الصغرى" وغيره، بل هو في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله ﷾ علم
[ ١١ / ١٠٦ ]