(٥٨) - ١٨٧٤ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا فَسَمِعَ مُخَنَّثًا وَهُوَ يَقُولُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ: إِنْ يَفْتَحِ اللهُ الطَّائِفَ غَدًا .. دَلَلْتُكَ عَلَى امْرَأَةٍ تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "أَخْرِجُوهُ مِنْ بُيُوتِكُمْ".
===
(٢٢) - (٥٩٠) - (باب المخنثين)
(٥٨) - ١٨٧٤ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن النبي ﷺ دخل عليها فسمع) النبي ﷺ (مخنثًا) أي: صوته (وهو) أي: والحال أن ذلك المخنث (يقول لعبد الله بن أبي أمية) بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي أخي أم سلمة المخزومي: (إن يفتح الله) تعالى عليكم (الطائف) أي: حِصْنَه (غدًا .. دللتك) وفي رواية البخاري ومسلم: (أدلُّكَ) (على) أن تأخذَ (امرأة) هي بنت غيلان (تُقبل بأربع) عُكَنٍ (وتدبر بثمان) عكنٍ؛ معناه: أن لها أربعَ عكن تقبل بهن من مناحية ولكل واحدة منها طرفان، فإذا أدبرت .. صارت الأطراف ثمانية.
(فقال رسول الله ﷺ: أخرجوه) أي: أخرجوا هذا المخنث (من بيوتكم) أي: امنعوه من الدخول على نسائكم، قال القاري: الخطاب
[ ١١ / ١٨١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
بالجمع المذكر تعظيمًا لأمهات المؤمنين. انتهى؛ يعني: أنها تقبل بأربع عكن، فإذا رأيتها من خلفُ .. رأيت لكل عكنة طرفين من اليمين والشمال، فتكون ثمانية.
والعكن -بضم أوله وفتح ثانيه- جمع عكنة -بضم أوله وسكون ثانيه- نظير قُرَبٍ وقُرْبة: وهو ما انطوى وتَثَنَّى من لحم البطن سِمنًا.
والمخنث -بكسر النون وفتحها- من يشبه النساء في أخلاقه وكلامه وحركاته،
فإن كان من أصل الخلقة .. لم يكن عليه لوم، وعليه أن يتكلَّف بإزالةِ ذلك، وإن كان بقَصْدٍ منه وتكلُّفٍ له .. فهو المذمومُ، وهذا المخنث الذي كان عند أم سلمة اسمه هِيْت -بكسر الهاء وسكون الياء آخره تاء- هكذا ذكره البخاري وغيره، وقيل: اسمه مانعٌ، وقيل: إنه هَنْب -بالهاء وبعدها نون ساكنة وجاء موحدة- وذكر بعضهم أن هيتًا وهَنْبًا ومانعًا أسماءٌ لثلاثة من المخنثين، كانوا على عهد رسول الله ﷺ، ولم يكونوا يُظنون؛ أي: يُتَّهمون بالفاحشة الكبرى، إنما كان تأنيثُهم لينًا في القول، وخضابًا في الأيدي والأرجل كخِضاب النساء، ولَعِبًا كلَعِبهن.
واسمُ المرأة التي دلَّ عليها عبدَ الله بن أبي أمية: بادِيةُ -بموحدة بعدها ألف وبعد الألف دال مهملة وياء آخرُ الحروف مفتوحة وتاء تأنيث- وقيل فيها: بَادِنَةُ -بنون بعد الدال المهملة- والمشهورُ بالياء، وأبوها غيلان بن سلمة الثقفي الذي أسلم وتحته عشر نسوة. انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب النكاح، باب ما ينهى من دخول المتشبهين بالنساء على المرأة، ومسلم في كتاب السلام، باب منع المخنث من الدخول على النساء الأجانب، وأبو داوود في كتاب
[ ١١ / ١٨٢ ]
(٥٩) - ١٨٧٥ - (٢) حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ كَاسِبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
===
الأدب، باب في الحكم على المخنثين، والإمام مالك في "الموطأ" في كتاب الوصية، باب ما جاء في المُؤنَّثِ بالنساء من الرجال، وأحمدُ، والبيهقي، وابن أبي شيبة.
فهذا الحديث في أَعْلَى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرَضُه: الاستدلالُ به على الترجمة.
ثم استشهد المؤلف لحديث أم سلمة بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٥٩) - ١٨٧٥ - (٢) (حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب) المدني نزيل مكة، صدوق ربما وهم، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ)، أو إحدى وأربعين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم) سلمة بن دينار المدني، فقيه، من الثامنة، مات سنة أربع وثمانين ومئة (١٨٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن سهيل) بن أبي صالح ذكوان السمان أبي يزيد المدني، صدوق تغير حفظه بأخرة، روى له البخاري مقرونًا وتعليقًا، من السادسة، مات في خلافة المنصور. يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) أبي صالح ذكوان السمان الزيات المدني ثقةٌ ثبت، وكان يجلب الزيت إلى الكوفة، من الثالثة، مات سنة إحدى ومئة (١٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
[ ١١ / ١٨٣ ]
أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَعَنَ الْمَرْأَةَ تَتَشَبَّهُ بالرِّجَال، وَالرَّجُلَ يَتَشَبَّهُ بِالنِّسَاءِ.
(٦٠) -١٨٧٦ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِث،
===
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن يعقوب بن حميد مختلف فيه، وباقي رجال الإسناد ثقات.
(أن رسول الله ﷺ لعن المرأة تتشبه بالرجال) أي: المتشبهة بهم زيًا وهيئةً ومشيةً ورفع صوت ونحوها لا رأيًا وعلمًا؛ فإن التشبه بهم في ذلك محمود؛ كما روي أن عائشة ﵂ كانت رجلة الرأي؛ أي: رأيها كرأي الرجال على ما في "النهاية".
(و) لعن (الرجل يتشبه بالنساء) أي: يتكلف التشبه بهن في المشية والصوت واللِّبْسَة، وأما مَنْ خُلِقَ كذلك .. فلا إثم عليه.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: الحسن؛ لكون سنده حسنًا؛ كما مر آنفًا، وغرضه: الاستشهاد به.
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أم سلمة بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٦٠) -١٨٧٦ - (٣) (حدثنا أبو بكر) محمد (بن خلاد) بن كثير (الباهلي) البصري، ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (م د س ق).
(حدثنا خالد بن الحارث) بن عُبيد بن سُليم الهُجَيْمي أبو عثمان البصري،
[ ١١ / ١٨٤ ]
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَعَنَ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاء،
===
ثقةٌ ثبت، من الثامنة، مات سنة ست وثمانين ومئة (١٨٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا شعبة، عن قتادة، عن عكرمة) مولى ابن عباس.
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن النبي ﷺ لعن المتشبهين من الرجال بالنساء ) إلى آخره.
قال الطبري: المعني: لا يجوز للرجل التشبه بالنساء في اللباس والزينة التي تختص بالنساء، ولا العكس.
قال الحافظ: وكذا في الكلام والمشي، فأما هيئة اللباس .. فتختلف باختلاف عادة كل بلد؛ فرب قوم لا يفترق زي نسائهم من رجالهم في اللبس، لكن يمتاز النساء بالاحتجاب والاستتار.
وأما ذم التشبهِ بالكلام والمشي .. فمختص بمن تعَمَّدَ ذلك، وأمَّا من كان كذلك من أصلِ خِلْقتهِ .. فإنما يُؤمر بتكلُّفِ تَرْكِه، والإدْمانِ على ذلك بالتدرج، فإن لم يَفْعَلْ وتمادى .. دخَلَهُ الذمُّ؛ ولا سيما إن بدا منه ما يدُلُّ على الرضا به؛ وأَخْذُ هذا واضح من لفظ المتشبهين.
وأما إطلاقُ من أطلق؛ كالنووي: أنَّ المخنَّثَ الخِلْقِيَّ لا يَتَّجِه عليه اللومُ .. فمحمول على ما إذا لم يقدر على تركِ التَثَنّي والتَكَسُّرِ في المَشْيِ والكلامِ بعد تعاطيه المعالجةَ لتركِ ذلك، وإلَّا .. متى كان تَرْكُ ذلك ممكنًا -ولو بالتدريج- فتركَهُ بغيرِ عذر .. لَحِقَه اللومُ. انتهى، انتهى من "العون".
[ ١١ / ١٨٥ ]
وَلَعَنَ الْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ
===
(ولعن المتشبهاتِ من النساء بالرجال) يعني: اللاتي يتشبهن بالرجال في زيهم وهيئاتهم، فأما في العلم والرأي .. فمحمود؛ كما مر آنفًا في قصة عائشة، قال في "المرقاة": يعني: المتشبهة بالرجال في الكلام واللباس. انتهى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري؛ أخرجه في كتاب اللباس، باب المتشبهين بالنساء والمتشبهات بالرجال، وأبو داوود في كتاب اللباس، باب لباس النساء، والترمذي في كتاب الأدب، باب ما جاء في المتشبهات بالرجال من النساء.
فدرجة الحديث: أنه صحيح، لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والآخران للاستشهاد.
والله ﷾ أعلم
[ ١١ / ١٨٦ ]