(١١٧) - ١٩٣٣ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو فَزَارَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ قَالَ: حَدَّثَتْنِي مَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ
===
(٤٥) - (٦١٣) - (باب المُحْرِم يتزوَّج)
(١١٧) -١٩٣٣ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يحيى بن آدم) بن سليمان الكوفي أبو زكريا مولى بني أمية، ثقة حافظ فاضل، من كبار التاسعة، مات سنة ثلاثٍ ومئتين (٢٠٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا جرير بن حازم) بن زيد بن عبد الله الأزدي أبو النضر البصري، والد وهب، ثقة، لكن في حديثه عن قتادة ضعف، وله أوهام إذا حدث من حفظه، من السادسة، مات سنة سبعين ومئة (١٧٠ هـ) بعدما اختلط، لكن لم يحدث في حال اختلاطه. يروي عنه: (ع).
(حدثنا أبو فزارة) راشد بن كيسان العبسي الكوفي، ثقة، من الخامسة. يروي عنه: (م د ت ق).
(عن يزيد بن الأصم) عمرو بن عبيد بن معاوية البكائي بفتح الموحدة وتشديد الكاف أبي عوف الكوفي، نزل الرقة، وهو ابن أخت ميمونة أم المؤمنين، يقال: له رؤية، ولم تثبت، ثقة، من الثالثة، مات سنة ثلاث ومئة (١٠٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
(قال: حدثتني) خالتي (ميمونة بنت الحارث) الهلالية زوج النبي ﷺ رضي الله تعالى عنها، ماتت سنة إحدى وخمسين (٥١ هـ). يروي عنها: (ع).
[ ١١ / ٣٥٦ ]
أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ، قَالَ: وَكَانَتْ خَالَتِي وَخَالَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ.
(١١٨) - ١٩٣٤ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ،
===
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن رسول الله ﷺ تزوجها وهو) ﷺ (حلال) أي: غير محرم للنسك.
(قال) يزيد بن الأصم: (وكانت) ميمونة أم المؤمنين (خالتي وخالة ابن عباس) فإن أميهما كانتا أختين لها؛ لأن يزيد بن الأصم كانت أمه برزة بنت الحارث أخت ميمونة بنت الحارث زوج النبي ﷺ، وابن عباس كانت أمه لبابة بنت الحارث، وكانت ميمونة أيضًا خالةً لخالد بن الوليد؛ لأنَّها كانت لها أخوات.
ولا يُعارِضُ هذا الحديثَ حديثُ ابن عباس أنه قال: (تزوج رسول الله ﷺ ميمونة وهو محرم) التالي لهذا الحديث؛ لأن معناه: تزوجها وهو حَالٌّ نازلٌ في الحرم بعد تحلُّلِهِ مِن عُمرة القضاء، سنةَ سبع من الهجرة؛ أي: نكَحَها وهو داخلٌ في الحرم بعد تحلُّلِهِ من عُمرةِ القضاء، ثم طَلَبَتْ منه قريشٌ الخُروجَ بعد ثلاثة أيام؛ مدةَ الصلح، فخرج من مكة إلى سَرِفَ، فَدَخَلَ بها، وبهذا يُدْفَعُ التعارضُ بين الحديثين؛ حديثِ يزيدَ، وحديثِ ابن عباس.
* * *
ثم اسشهد المؤلف لحديث ميمونة بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(١١٨) - ١٩٣٤ - (٢) (حدثنا أبو بكر) محمد (بن خلاد) بن كثير
[ ١١ / ٣٥٧ ]
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَكَحَ وَهُوَ مُحْرِمٌ.
===
الباهلي البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (م د س ق).
(حدثنا سفيان بن عيينة) الهلالي الكوفي ثم المكي، ثقة، من الثامنة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن عمرو بن دينار) الجمحي المكي، ثقة، من الرابعة، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ). يروي عنه (ع).
(عن جابر بن زيد) أبي الشعثاء الأزدِي ثم الجَوْفي -بفتح الجيم وسكون الواو بعدها فاء- البصريِّ مشهور بكنيته، ثقة فقيه، من الثالثة، مات دون المئة سنةَ ثلاث وتسعين (٩٣ هـ)، ويقال: ثلاث ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن النبي ﷺ نكح) ميمونة بنت الحارث (وهو محرم) أي: حال نازل في الحرم المكي بعد تحلله من عمرة القضاء قبل أن يخرج من الحرم.
قال المازري: احتج بهذا الحديث أبو حنيفة والكوفيون على صحة نكاح المحرم، ومَنَعَهُ الأكثر؛ لحديثِ عثمان الآتي وغيره، والمنعُ أرجح؛ لأن دليله قول، ودليلهم فعل، وإذا تعارض القول والفعل .. قدم القول؛ لأنه يتعدى إلى الغير، والفعل لا يتعدي، بل يكون مقصورًا، وقد خُصَّ ﷺ في النِّكَاح بأشياء، وأيضًا فإنه ورَدَ أنه تزوَّجها وهو حلال، فصار الفعلُ مختلفًا في ثبوته، والقول متفق عليه، والمتفق عليه أولى بالقبول والتمسك.
[ ١١ / ٣٥٨ ]
(١١٩) - ١٩٣٥ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاح،
===
وقد يُجمع بين الروايتين في حديث ميمونة؛ كما مر آنفًا؛ بأن يكون معنى قوله: (وهو محرم) أي: حالٌّ بالحرم، ومن حَلَّ بالحرم .. يقال له: مُحْرِمٌ، وهي لغة شائعة.
قال القاضي عياض: القولُ بأنَّهُ تزوَّجَها وهو حلال هو روايةُ أكثرِ الصحابة، ولم يُرْوَ أنَّهُ تزوَّجها وهو محرم إلَّا من حديث ابن عباس، وبه أخذ الكوفيون، وخالفهم في ذلك سائرُ الفِرَقِ والمذاهبِ.
قال الأبي: ولا شك في ترجيح قول الأكثر، قال السنوسي: ويحتمل أن يكون معنى قوله: (وهو محرم) أي: عازم على الإحرام مُجْمِعٌ عليه؛ لتوهُمِ أنَّ نكاحَ من عزم على الإحرام مُحَرَّمٌ؛ خوفَ إفساد الإحرام بتزوجِ امرأة جديدة. انتهى من "الكوكب".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الحج، باب تزوج المحرم، وفي كتاب المغازي، باب عمرة القضاء، ومسلم في كتاب النِّكَاح، باب تحريم نكاح المحرم، وأبو داوود في كتاب المناسك، باب المحرم يتزوج، والترمذي في كتاب الحج، باب الرخصة في الزواج للمحرم، وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي في كتاب الحج، باب الرخصة في الزواج للمحرم.
وهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث ميمونة بحديث عثمان رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١١٩) - ١٩٣٥ - (٣) (حدثنا محمد بن الصباح) بن سفيان الجرجرائي
[ ١١ / ٣٥٩ ]
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ الْمَكِّيُّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ نَافِع، عَنْ نُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "الْمُحْرِمُ لَا يَنْكِحُ
===
التاجر، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (د ق).
(حدثنا عبد الله بن رجاء المكي) أبو عمران البصري نزيل مكة، ثقة تغير حفظه قليلًا، من صغار الثامنة، مات في حدود التسعين ومئة (١٩٠ هـ). يروي عنه: (م د س ق).
(عن مالك بن أنس) الإمام المدني، إمام الفروع، ثقة حجة، من السابعة، مات سنة تسع وسبعين ومئة (١٧٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن نافع) بن مالك بن أبي عامر الأصبحي أبي سهيل التيمي المدني حليف بني تيم من قريش، ثقة، من الرابعة، مات بعد الأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن نُبَيْهِ) مصغرًا (بن وهب) بن عثمان بن أبي طلحة العبدري الجمحي المدني، ثقة، من صغار الثالثة، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبان بن عثمان بن عفان) القرشي الأموي المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة خمس ومئة (١٠٥ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبيه) عثمان بن عفان ذي النورين رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة، لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) عثمان: (قال رسول الله ﷺ: المحرم لا ينكح)
[ ١١ / ٣٦٠ ]
وَلَا يُنْكِحُ وَلَا يَخْطُبُ".
===
-بفتح الياء وكسر الكاف- على صيغة المعلوم؛ من نكح الثلاثي؛ أي: لا يتزوج المحرم امرأةً؛ أي: لا يقبل نكاح المرأة لنفسه ولا بوكالة ولا بولاية (وَلَا ينكح) -بضم الياء وكسر الكاف- من أنكح الرباعي؛ أي: لا يزوج الرجل المحرم امرأة لا بالولاية ولا بالوكالة (وَلَا يخطب) -بضم الطاء- من باب نصر؛ من الخطبة - بكسر الخاء - أي: لا يطلب امرأةً لنكاحٍ؛ أي: زواجٍ، ورويت الكلماتُ الثلاثُ بالنفيِ والنهي، وذكر الخطابي أنَّها على صيغة النهي أصح؛ على أن النفي بمعنى النهي أيضًا، بل أبلغ، والأولان للتحريم، والثالث للتنزيه عند الشافعي، فلا يصح نكاح المحرم ولا إنكاحه عنده، والكل للتنزيه عند أبي حنيفة.
قال القرطبي: قوله: "لا ينكح المحرم، ولا ينكح، ولا يخطب" لا خلاف في منع المحرم من الوطء، والجمهور على منعه من العقد؛ إيجابًا كان أو قبولًا، لنفسه أو لغيره، ومن الخطبة؛ كما هو ظاهر هذا الحديث، وكما دل عليه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ﴾ (١) على أحد التأويلات الآتية في كتاب الحج.
وذهب بعضهم إلى أنه يجوز للمحرم ذلك؛ تمسكًا بحديث ابن عباس المذكور قبل هذا الحديث من أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم، وهذا لا حجة فيه لأوجه:
أحدها: أن هذا الحديث مما انفرد به ابن عباس، دون غيره من كبراء الصحابة ومعظم الرواة.
_________________
(١) سورة البقرة: (١٩٧).
[ ١١ / ٣٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وثانيها: إنكار ميمونة لهذا، وإخبارها بأنه ﷺ تزوج بها وهو حلال، وهي أعلم بقصتها منه.
وثالثها: أن بعض أهل النقل والسير ذكر أن النبي ﷺ بعث مولاه أبا رافع من المدينة، فعقد نكاحها بمكة بوكالة النبي ﷺ له في ذلك، ثم وافى النبي ﷺ محرمًا، فبنى بها بسرف حلالا، وأشهر تزوجها بمكة عند وصوله إليها.
ورابعها: أن قول ابن عباس: (وهو محرم) يحتمل أنه دخل في الحرم؛ فإنه يقال: أحرم؛ إذا دخل في الحرم، واسم الفاعل منه محرم؛ كما يقال: أَنْجَدَ وأَتْهَمَ، وهو مُنْجِدٌ ومُتْهِمٌ؛ إذا دخَلَ ذلك.
وخامسها: تسليم ذلك كله وادعاء الخصوصية بالنبي ﷺ؛ فقد ظهرت تخصيصاته في باب النِّكَاح بأمور كثيرة؛ كما خص بالموهوبة، وبنكاح تسع، وبالنِّكَاح من غير ولي ولا إذن الزوجة؛ كما فعل مع زينب، إلى غير ذلك.
وسادسها: أن هذه حكايةُ حالِ واقعةٍ معينةٍ تحتمل أنواعًا كثيرةً من الاحتمالات المتقدمة، والحديثُ المقتضي للمنعِ ابتداءًا تقعيدُ قاعدةٍ وتقريرُها، فهو أولى على كلّ حال، والله الموفق. انتهى من "المفهم".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب النِّكَاح، باب تحريم نكاح المحرم، وأبو داوود في كتاب المناسك، باب المحرم يتزوج، والترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في كراهية التزوج للمحرم، والنسائي في كتاب مناسك الحج، باب النهي عن ذلك، باب النهي عن نكاح المحرم، والدارمي في كتاب المناسك، ومالك.
[ ١١ / ٣٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة، وغرضه: الاستشهاد به.
* *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله ﷾ أعلم
[ ١١ / ٣٦٣ ]