(١٣٦) - ١٩٥٢ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَمْعَةَ قَالَ: خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ، ثُمَّ ذَكَرَ النِّسَاءَ فَوَعَظَهُمْ فِيهِنَّ ثُمَّ قَالَ: "إِلَامَ يَجْلِدُ أَحَدُكُمُ
===
(٥١) - (٦١٩) - (باب ضرب النساء)
(١٣٦) - ١٩٥٢ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله بن نمير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن زمعة) -بفتحتين بينهما سكون- ابن الأسود بن المطلب بن أسد القرشي الأسدي الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، استشهد يوم الدار مع عثمان. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) عبد الله: (خطب النبي ﷺ) أي: وعظ الناس بالترغيب والترهيب (ثم ذكر النساء) أي: حقوقهن وضعفهن (فوعظهم) أي: فوعظ الناس في ضحكهم في الضرطة، فقال: "إلامَ يضحك أحدكم بما يفعل؟ ! " يعني: الضرطة، وكانوا في الجاهلية إذا وقع ذلك من أحد منهم في مجلسٍ .. يضحكون، فنهاهم عن ذلك، كذا في "الترمذي"، وفي رواية للبخاري: "لِمَ يضحكُ أحدكم مما يفعل؟ ! "، ووعظهم أيضًا (فيهن) أي: فوعظ الرجال فيهن؛ أي: في شؤونهن وحقوقهن.
(ثم قال: إلام) هي ما الاستفهامية حذف ألفها؛ لدخول (إلى) الجارة عليها؛ فرقًا بينها وبين الموصولة؛ أي: لأجل ما (يجلد) ويضرب (أحدكم
[ ١١ / ٤٠٠ ]
امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْأَمَةِ وَلَعَلَّهُ أَنْ يُضَاجِعَهَا مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ! ! ".
===
امرأته) وزوجته (جلد الأمة) أي: جلدًا كجلد الأمة، يقال: جلدته بالسوط وبالسيف ونحوهما؛ إذا ضربته جلد الأمة، بالنصب على المفعولية المطلقة، والكلام على التشبيه البليغ؛ أي: مثل جلد الأمة، وفي رواية للبخاري: "بم يضرب أحدكم امرأته ضرب الفحل؟ ! ".
(ولعله) أي: ولعل الذي يجلدها في أول اليوم (أن يضاجعها) أي: يجامعها ويطأها (من آخر يومه؟ !) أي: في آخر يومه الذي ضربها في أوله، فكلمة (من) هنا بمعنى: (في) و(أن) زائدة أيضًا.
وعبارة السندي: أي: مذ أنتم على هذه الحال، وإلى متى تبقون على هذه العادة، وهي أن أحدكم يجلد امرأته ضربًا شديدًا؛ كضرب الأمة؛ أي: اتركوا هذه العادة (ولعله) أي: ولعل الذي ضرب امرأته أول النهار (أن) زائدة (يضاجعها) أي: يجامعها؛ أي: فكيف يضربها ذلك الضرب الشديد عند هذه المقاربة؟ ! انتهى منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب النِّكَاح، باب ما يكره من ضرب النساء، ومسلم في كتاب الجَنَّة، باب النار يدخلها الجبارون، والترمذي في كتاب التفسير، باب من سورة (والشمس وضحاها)، والدارمي في كتاب النِّكَاح، وأحمد.
فدرجة هذا الحديث: أنه في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث عبد الله بن زمعة بحديث عائشة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
[ ١١ / ٤٠١ ]
(١٣٧) -١٩٥٣ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَادِمًا لَهُ وَلَا امْرَأَةً وَلَا ضرَبَ بِيَدِهِ شَيْئًا.
===
(١٣٧) -١٩٥٣ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قالت) عائشة: (ما ضرب رسول الله ﷺ) قط بيده الشريفة (خادمًا له) حرًّا كان أو عبدًا (وَلَا امرأةً) له حرةً كانت أو أمةً (وَلَا ضرب بيده) الشريفة قط (شيئًا) ممن يملك أمره وتأديبه وانتقامه؛ كالولد والدابة قط في عمره، إلَّا أن يجاهد في سبيل الله؛ كما في رواية مسلم، وهذا تعميم بعد تخصيص؛ ليشمل غير ما ذكره، وفي هذا الحديث: أن ضرب الزوجة والخادم والدابة، وإن كان مباحأ للتأديب .. فتركه أفضل.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الفضائل، باب مباعدته ﷺ من الآثام، وأبو داوود في كتاب الأدب، باب التجاوز في الأمر.
فهذا الحديث درجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لما قبله.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث عبد الله بن زمعة بحديث إياس بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما، فقال:
[ ١١ / ٤٠٢ ]
(١٣٨) -١٩٥٤ - (٣) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاح، أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "لَا تَضْرِبُنَّ إِمَاءَ اللهِ"، فَجَاءَ عُمَرُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ قَدْ ذَئِرَ النِّسَاءُ عَلَى
===
(١٣٨) -١٩٥٤ - (٣) (أخبرنا محمد بن الصباح) بن سفيان الجرجرائي التاجر، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (د ق).
(أنبأنا سفيان بن عيينة، عن الزهري) محمد بن مسلم المدني.
(عن عبد الله بن عبد الله بن عمر) بن الخطاب الفاروق أبي عبد الرَّحمن المدني، كان وصي أبيه، ثقة، من الثالثة، مات سنة خمس ومئة (١٠٥ هـ). يروي عنه: (خ م د ت س ق)، لو رقم له بهذا الرقم (ع) كعادته .. لكان أولي، وفي "تحفة الأشراف" عبيد الله بن عبد الله بن عمر، ولذلك سقط رمز (ق) من ترجمة عبد الله بن عبد الله بن عمر في "تهذيب الكمال" و"التهذيب" و"التقريب" فليتأمل.
(عن إياس بن عبد الله بن أبي ذباب) -بضم المعجمة وموحدتين- الدوسي، نزيل مكة، مختلف في ححبته، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين. يروي عنه: (د س ق).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) إياس: (قال النبي ﷺ: لا تضربن) -بضم الباء- أصله: لا تضربونن، حذفت نون الرفع؛ للجازم، والواو؛ لالتقاء الساكنين؛ أي: لا تضربن أيها الرجالى (إماء الله) يعني: أزواجهم (فجاء عمر إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله؛ قد ذئر النساء) أي: غلبن (على
[ ١١ / ٤٠٣ ]
أَزْوَاجِهِنَّ فَأْمُرْ بِضَرْبِهِنَّ، فَضُرِبْنَ، فَطَافَ بِآلِ مُحَمَّدٍ ﷺ طَائِفُ نِسَاءٍ كَثِيرٍ، فَلَمَّا أَصْبَحَ .. قَالَ: "لَقَدْ طَافَ اللَّيْلَةَ بِآلِ مُحَمَّدٍ سَبْعُونَ امْرَأَة كُلُّ امْرَأَةٍ تَشْتَكِي زَوْجَهَا، فَلَا تَجِدُونَ أُولَئِكَ خِيَارَكُمْ".
===
أزواجهن) ونشزن واجترأن عليهم بعدما نهيتهم عن ضرب النساء، قوله: (قد ذئر) من باب فرح: اجترأ وغضب، وذئرت المرأة على بعلها: نشزت.
وقال السيوطي: بذال معجمة وهمزة مكسورة وراء مهملة؛ من باب فرح، أي: نشزن واجترأن (فأمر) بصيغة الأمر؛ أي: فأمر يا رسول للرجال (بضربهن) عقوبةً لنشوزهن عليهم (فضربن) النساء (فطاف) أي: نزل وألم (بـ) بيت (آل محمد ﷺ طائف نساء كثير) لاشْتِكَائِهِنَّ من ضرب الرجال.
والطائفُ: الآتي في الليل؛ أي: جاء ببيتِه اشتكاءً من الرجال، ورآهن رسول الله ﷺ (فلما أصبح) رسول الله ﷺ .. (قال) للرجال: والله (لقد طاف) ونزل وألمَّ (الليلةَ) أي: البارحة (بـ) بيت (آل محمد سبعون امرأةً؛ كلّ امرأة تشتكي زوجَها) أي: من ضربه (فلا تجدون) أيها الرجال (أولئك) الذين يبالغون في ضرب النساء ويُكثرون منه، واسم الإشارة مفعول أول لتجدون، والثاني قوله: (خياركم) لأهليهم الذين أنا كنت منهم، قال السندي: قوله: (فطاف) أي: ألمَّ ونَزَلَ.
قال في "العون": قوله: (إياس بن عبد الله بن أبي ذباب) بضم الذال المعجمة، قال في "الخلاصة": له حديث واحد، وعنه: عبد الله أو عبيد الله بن عبد الله بن عمر فقط، ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، فعلى هذا يكون الحديث مرسلًا، وعلى القول بأنه من الصحابة؛ فالحديث موصول، والقاعدة: أن قول المثبت مقدم على قول النافي؛ لما عنده من زيادة علم.
[ ١١ / ٤٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قوله: "لا تَضْرِبُنَّ إماءَ الله" جمع أمة؛ أي: زوجاتِكم؛ فإنهن جواري اللهِ؛ كما أن الرجال عبيدٌ له تعالى.
قوله: (ذَئِرْنَ النساءُ) من باب: (أكلوني البراغيث)، ومن وادي قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ (١)؛ أي: اجترأن ونشزن وغلبن الرجال.
قوله: (فطاف) وفي "أبي داوود": (فأطاف) هذا بالهمز، يقال: أطاف بالشيء: ألم به وقارنه؛ أي: اجْتَمَعَ ونَزَلَ (بآل محمد ﷺ) أي: بأزواجه الطاهرات، ودل على أن المال يشمل أمهات المؤمنين.
قوله: (طائف نساء كثير) يشكون أزواجهن؛ أي: من ضربهم إياهن.
قوله: (فقال) النبي ﷺ: "لقد طاف الليلة" هذا بلا همز هنا، وفي "أبي داوود": قال الطيبي: قوله: "لقد طاف" صح بغير همز، والأول بهمز، وفي نسخ "المصابيح" كلاهما بالهمز؛ فهو من طاف حول الشيء؛ أي: دار.
قوله: "ليس أولئك" أي: الرجال الذين يضربون نسائهم ضربًا مبرحًا؛ أي: مطلقًا.
قوله: "خياركم" بل خياركم من لا يضربهن ويتحمل عنهن أذاهن، أو يؤدبهن ولا يضربهن ضربًا شديدًا يؤدي إلى شكايتهن. انتهى منه.
وفي "شرح السنة": في هذا الحديث من الفقه: أن ضرب النساء في منع حقوق النِّكَاح مباح، إلَّا أنه يَضْرِبُ ضربًا غَيْرَ مبرح.
وَوَجْهُ ترتُّبِ السنة على الكتاب في الضرب يحتملُ أنَّ نهي النبي ﷺ عن ضربهن قبل نزول الآية، ثمَّ لمَّا ذَئِرْنَ النساءُ .. أَذِنَ في
_________________
(١) سورة الأنبياء: (٣).
[ ١١ / ٤٠٥ ]
(١٣٩) - ١٩٥٥ - (٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى وَالْحَسَنُ بْنُ مُدْرِكٍ الطَّحَّانُ
===
ضربهن، ونزل القرآن موافقًا له، ثم لما بالغوا في الضرب .. أخبر ﷺ أن الضرب وإن كان مباحًا على شكاسةِ أخلاقهن .. فالتحمل والصبر على سُوء أخلاقِهن وتركُ الضرب أفضل وأجمل. انتهى من "العون".