(١٤٩) - ١٩٦٥ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شَيْبَانَ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَهْمٍ،
===
(٥٦) - (٦٢٤) - (باب الغيرة)
(١٤٩) - ١٩٦٥ - (١) (حدثنا محمد بن إسماعيل) بن البختري الحساني أبو عبد الله الواسطي الضرير، صدوق، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (ت ق).
(حدثنا وكيع) بن الجراح، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن شيبان) بن عبد الرحمن التميمي مولاهم النحوي (أبي معاوية) البصري نزيل الكوفة، ثقة صاحب كتاب، يقال: إنه منسوب إلى نحوة؛ بطن من الأزد، لا إلى علم النحو، من السابعة، مات سنة أربع وستين ومئة (١٦٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن يحيى بن أبي كثير) صالح بن المتوكل الطائي اليمامي، ثقة، من الخامسة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن أبي سهم) -بالسين المهملة- ويقال فيه: أبو (شهم) بالشين المعجمة، كذا وقع عند المؤلف، والصواب: عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين، أو أربع ومئة. يروي عنه: (ع)، وأما أبو سهم -بالمعجمة وبالمهملة- فصحابي روى عنه النسائي، اسمه يزيد بن أبي شيبة، كذا في "التقريب".
[ ١١ / ٤٤٥ ]
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "مِنَ الْغَيْرَةِ مَا يُحِبُّ اللهُ وَمِنْهَا مَا يَكْرَهُ اللهُ؛ فَأَمَّا مَا يُحِبُّ. . فَالْغَيْرَةُ فِي الرِّيبَة، وَأَمَّا مَا يَكْرَهُ. . فَالْغَيْرَةُ فِي غَيْرِ رِيبَةٍ".
===
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ: من الغيرة) -بفتح المعجمة وسكون الياء- أي: منها (ما يحبـ) ـه (اللهُ) ويرضاه (ومنها ما يكرهـ) ـه (الله) ولا يرضاه عن صاحبها (فأما ما يحب) أي: فأمَّا الغَيْرةُ التي يُحبها الله تعالى. . (فـ) هي (الغيرة) الواقعة (في الريبة) أي: في محل الريبة والتهمة بالفساد (وأما ما يكرهـ) ـه؛ أي: وأما الغيرة التي يكرهها الله. . (فـ) هي (الغيرة) الواقعة (في غير ريبة) وتهمة بالفساد.
وعبارة السندي: (فالغيرة في الريبة) أي: في مظنة الفساد؛ أي: إذا ظهرت أمارات الفساد في محلها. . فالقيام بمقتضى الغيرة محمود، وأما ما وقع منها بغير ظهور شيء من أماراتها. . فالقيام بها مذموم؛ لما فيها من اتهام المسلمين بالسوء من غير سبب. انتهى منه بتصرف.
قوله: (فالغيرة في الريبة) نحو أن يغار الرجل على محارمه إذا رأى منهم فعلًا محرمًا؛ كالخلوة بالأجنبي والمحادثة معه؛ فالغيرة في ذلك ونحوه. . مما يحبه الله تعالى، وفي الحديث الصحيح: "وما أحد أغير من الله؛ من أجل ذلك حرم الزنا".
قوله: (فالغيرة في غير ريبة) نحو أن يغار الرجل على أمه أن ينكحها زوجها، وكذلك سائر محارمه؛ فإن هذا مما يبغضه الله تعالى؛ لأن ما أحله الله تعالى. . فالواجب علينا الرضا به، فإن لم نرض به. . كان ذلك من
[ ١١ / ٤٤٦ ]
(١٥٠) - ١٩٦٦ - (٢) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ،
===
إيثار حمية الجاهلية على ما شرعه الله لنا. انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الجهاد، باب في الخيلاء في الحرب، والنسائي في كتاب الزكاة، باب الاختيال في الصدقة، ورواه ابن حبان في "صحيحه" في كتاب البر والإحسان، باب الصدق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من حديث ابن عَتِيكٍ الأنصاري، والدارمي في كتاب النكاح، باب في الغيرة عن جابر بن عتيك، والطبراني، وله شاهد في "مسند الإمام أحمد" من حديث عقبة بن عامر الجهني، وعبد الرزاق في "مصنفه"، والحاكم في "المستدرك"، وصححه ووافقه الذهبي.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة، ولأن له شواهد، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي هريرة بحديث عائشة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٥٠) - ١٩٦٦ - (٢) (حدثنا هارون بن إسحاق) بن محمد بن مالك الهمداني -بالسكون- أبو القاسم الكوفي، صدوق، من صغار العاشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (ت س ق).
(حدثنا عبدة بن سليمان) الكلابي أبو محمد الكوفي، ثقة ثبت، من صغار الثامنة، مات سنة سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن هشام بن عروة) بن الزبير الأسدي المدني، ثقة، من الخامسة، مات سنة خمس أو ست وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
[ ١١ / ٤٤٧ ]
عَنْ أَبيه، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا غِرْتُ عَلَى أمْرَأَةٍ قَطُّ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ مِمَّا رَأَيْتُ مِنْ ذِكْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَهَا، وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَبُّهُ أَنْ يُبَشِّرَهَا
===
(عن أبيه) عروة بن الزبير، ثقة، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين (٩٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قالت) عائشة: (ما) نافية (غرت) من باب باع؛ من الغيرة؛ وهي الحمية والأنفة، يقال: رجل غيور وامرأة غيور بلا هاء؛ لأن فعولًا يشترك فيه المذكر والمؤنث؛ نحو: صبور؛ أي: ما أنفت (على امرأة) من أزواج النبي ﷺ (قط) أي: فيما مضى من عمري، وقط: ظرف مستغرق لما مضى من الزمان ملازم للنفي. . (ما غرت على خديجة) بنت خويلد.
و(ما) مصدرية أو موصولة؛ أي: ما غرت قط على امرأة من أزواج النبي ﷺ غيرة مثل غيرتي على خديجة، أو غيرةً مثل الغيرة التي غرتها على خديجة؛ فإن غيرتي على خديجة أشد وأزيد من غيرتي على غيرها منهن، والحال أنها لقد هلكت وماتت قبل أن يتزوجني رسول الله ﷺ بثلاث سنين؛ كما في رواية مسلم، وإنما كانت غيرتي عليها أشد.
(مما رأيت) أي: لأجل ما رأيت وسمعت؛ فـ (مِنْ) في: (مِمَّا) تعليلية، و(ما) مصدرية؛ أي: وإنما كانت غيرتي عليها أشد؛ لأجل ما رأيت وسمعت (من ذكر رسول الله ﷺ لها) أي: لخديجة رضي الله تعالى عنها ذكرًا كثيرًا، وثنائِه عليها (و) الله (لقد أمره) ﷺ (ربه) ﷿ (أن يبشرها) أي: أن يبشر خديجة
[ ١١ / ٤٤٨ ]
بِبَيْتٍ فِي الْجَنَةِ مِنْ قَصَبٍ - يَعْنِي: مِنْ ذَهَبٍ - قَالَهُ ابْنُ مَاجَهْ.
===
(ببيت) وقصر (في الجنة) مخلوق (من قصب) أي: من ذهب على صورة قصب؛ وهو البوص الفارسي (يعني) الله ﷿ أو النبي ﷺ بقوله: "من قصب" أي: (من ذهب) قال أبو الحسن تلميذ المؤلف: (قاله) أي: قال هذا التفسير وزاده (ابن ماجه) مؤلف الكتاب رحمه الله تعالى.
قوله: (من ذكر رسول الله ﷺ) أي: من مدحه لها وثنائه عليها؛ بذكر فضائلها وما اتصل له من الخيرِ بسببِها وفي بيتِها؛ لأن من أحب شيئًا. . أكثر من ذكره، ولذلك قال النبي ﷺ: "إني رُزقت حبها"، وكونُه ﷺ يُهدي لخلائل خديجة دليلٌ على كرم خُلُقه وحُسْنِ عهده، ولذلك كان يرتاح لِهالَة بنتِ خويلد إذا رآها ويَنْهضُ؛ أي: يَهُشُّ؛ إكرامًا لها وسرورًا بها، وفيه أنَّ مِنْ حقوقِ الميت الإحسانَ إلى أصدقائه. انتهى من "المفهم".
وفي الحديث إثبات الغيرة الطبيعية، وأنها غير مستنكر وقوعُها من فاضلاتِ النساء عَمَّنْ دُونَهُن ما لم يَحْدُث بسببها محرمٌ شرعًا؛ من الحسدِ وغيره. انتهى من "القسطلاني".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب العمرة، باب متى يحل المعتمر، وفي كتاب مناقب الأنصار، باب تزوج النبي ﷺ خديجة وفضلها، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل خديجة أم المؤمنين، والترمذي في كتاب المناقب، باب فضل خديجة، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن.
قوله: (من قصب) قال في "النهاية": القصب في هذا الحديث: لؤلؤ
[ ١١ / ٤٤٩ ]
(١٥١) - ١٩٦٧ - (٣) حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ الْمِصْرِيُّ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ
===
مجوف واسع؛ كالقصر المنيف، والقصب من الجوهر: ما استطال منه في تجويفه. انتهى "سندي".
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي هريرة بحديث المسور بن مخرمة رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(١٥١) -١٩٦٧ - (٣) (حدثنا عيسى بن حماد) بن مسلم التجيبي (المصري) أبو موسى الأنصاري، لقبه زغبة، ثقة، من العاشرة، مات سنة ثمان وأربعين ومئتين (٢٤٨ هـ). يروي عنه: (م د س ق).
(حدثنا الليث بن سعد) بن عبد الرحمن الفهمي مولاهم المصري، ثقة حجة إمام، من السابعة، مات سنة خمس وسبعين ومئة (١٧٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله) بن عبيد الله بن عبد الله (بن أبي مليكة) -بالتصغير- زهير بن عبد الله بن جدعان التيمي المدني، ثقة فقيه، من الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومئة (١١٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن المسور بن مخرمة) بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة الزهري أبي عبد الرحمن، له ولأبيه صحبة، مات سنة أربع وستين (٦٤ هـ). يروي عنه: (ع) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
[ ١١ / ٤٥٠ ]
قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: "إِنَّ بَنِي هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ اسْتَأْذَنُونِي أَنْ يُنْكِحُوا ابْنَتَهُمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَلَا آذَنُ لَهُمْ، ثُمَّ لَا آذَنُ لَهُمْ، ثُمَّ لَا آذَنُ لَهُمْ
===
(قال) المسور: (سمعت رسول الله ﷺ وهو) أي: والحال أن رسول الله ﷺ قائم (على المنبر) حالة كونه (يقول) في خطبته: (إن بني هشام بن المغيرة) وهشام بن المغيرة: هو جد مخطوبة على التي هي بنت أبي جهل؛ لأن أبا جهل اسمه عمرو بن هشام بن المغيرة، ووالد أبي جهل وبنوه أعمام المخطوبة (استأذنوني) أي: طلبوا مني الإذن لهم في (أن ينكحوا) ويزوجوا (ابنتهم) التي هي ابنة أبي جهل لـ (علي بن أبي طالب، فلا آذن لهم، ثم لا آذن لهم، ثم لا آذن لهم) كرره للتأكيد.
قال الحافظ: كرر ذلك، وفيه إشارة إلى تأبيد مدة منع الإذن، كأنه أراد رفع المجاز؛ لاحتمال أن يحمل المنع على مدة بعينها، فقال: "ثم لا آذن" أي: ولو مضت المدة المفروضة تقديرًا بعدها، ثم كذلك أبدًا. انتهى.
وقال القرطبي: كرره تأكيدًا لمنع الجمع بين فاطمة وبين ابنة أبي جهل؛ لما خاف النبي ﷺ على فاطمة من أجل الغيرة، ولما توقع من مكايدة هذه الضرة، لأن عداوة الآباء قد تؤثر في الأبناء. انتهى من "المفهم".
قوله: "أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب" هكذا وقع في رواية ابن أبي مليكة: أن سبب الخطبة: استئذان بني هشام بن المغيرة، ووقع عند الحاكم من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي حنظلة: أن عليًّا خطب بنت أبي جهل، فقال له أهلها: لا نزوجك على فاطمة، فكان ذلك سبب استئذانهم.
ووقع في رواية عبيد الله بن أبي زياد عند ابن حبان في "صحيحه": أن عليًّا خطب ابنة أبي جهل على فاطمة، فبلغ ذلك فاطمة، فقالت لرسول الله
[ ١١ / ٤٥١ ]
إِلَّا أَنْ يُرِيدَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يُطَلِّقَ ابْنَتِي وَيَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ، فَإِنَّمَا هِيَ بَضْعَةٌ مِنِّي يَرِيبُنِي مَا رَابَهَا وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا".
===
ﷺ: إن الناس يزعمون أنك لا تغضب لبناتك، وهذا على ناكح بنت أبي جهل.
وجاء أيضًا: أن عليًّا رضي الله تعالى عنه استأذن بنفسه، فأخرج الحاكم بإسناد صحيح إلى سويد بن غفلة؛ وهو أحد المخضرمين قال: خَطَبَ عليٌّ بنتَ أبي جهل إلى عمِّها الحارث بن هشام، فاستشار النبيَّ ﷺ، فقال: "أعن حَسَبِها تسألني؟ ! " فقال: لا، ولكن تأمرُني بها؟ قال: "لا؛ فاطمةُ مضغةٌ مني، ولا أحسبُ إلا أنها تَحْزَنُ أو تَجْزَعُ"، فقال عليٌّ: لا آتي شيئًا أنت تكرهُهُ (إلا أن يريد) ويُحب (عليُّ بن أبي طالب أن يطلِّق ابنتي وينكح ابنتَهم؛ فإنما هي بَضْعة مني) -بفتح الباء لا غير وسكون الضاد- أي: قطعة مني؛ فالبَضْعَةُ: القطعةُ من اللحم، وتجمع على بِضَاعٍ؛ كقَصْعَةٍ وقِصاع؛ مأخوذة من البَضْعِ؛ وهو القَطْعُ.
وقد وقع في رواية علي بن حسين الآتية قريبًا: "مضغة مني" والمضغة: قطعة من اللحم قدر ما يمضغها الماضغ؛ يعني بذلك: أنها كالجزء منه، يؤلمه ما آلمها؛ كما قال (يريبني) أي: يشوشني (ما رابها) أي: ما شوشها (ويؤذيني) أي: يؤلمني ويُتْعِبُني ويَشُقُّ علَيَّ (ما آذاها) أي: ما آلمها وشق عليها.
قوله: "يريبني" -بفتح الياء- من راب الثلاثي؛ من باب باع، ووقع في رواية البخاري: "يُرِيبني ما أرابها" -بضم الياء- من أراب الرباعي، قال الفراء: كلاهما بمعنى واحد، وقال إبراهيم الحربي: الريب: ما رابك وشوشك من كل شيء خفت عقباه؛ أي: يشوشني ما رابها؛ أي: شوشها.
وذكر الحافظ في "الفتح": أن فاطمة رضي الله تعالى عنها كانت أصيبت
[ ١١ / ٤٥٢ ]
(١٥٢) - ١٩٦٨ - (٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَان، أَنْبَأَنَا شُعَيْبٌ،
===
بموت أمها، ثم بأخواتها واحدة بعد واحدة، فلم يبق لها من تستأنس به ممن يخفف عليها الأمر؛ ممن تفضي إليه سِرَّها إذا حصلت لها الغيرة. انتهى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب مناقب الصحابة، باب ذكر أصهار النبي ﷺ، وفي مواضع كثيرة، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل فاطمة رضي الله تعالى عنها، وأبو داوود في كتاب النكاح، باب ما يكره أن يجمع بينهم، والترمذي في كتاب المناقب، باب فضل فاطمة، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث أبي هريرة بحديث آخر للمسور بن مخرمة ﵃، فقال:
(١٥٢) - ١٩٦٨ - (٤) (حدثنا محمد بن يحيى) الذهلي النيسابوري، ثقة متقن، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع الحمصي مشهور بكنيته، ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة اثنتين وعشرين ومئتين (٢٢٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(أنبأنا شعيب) بن أبي حمزة الأموي مولاهم، واسم أبيه: دينار أبو بشر الحمصي، ثقة عابد، قال ابن معين: من أثبت الناس في الزهري، من السابعة، مات سنة اثنتين وستين ومئة (١٦٢ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
[ ١١ / ٤٥٣ ]
عَنِ الزُّهْرِيّ، أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ، أَخْبَرَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ خَطَبَ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ وَعِنْدَهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمَّا سَمِعَتْ بِذلِكَ فَاطِمَةُ. . أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنَّ قَوْمَكَ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ لَا تَغْضَبُ لِبَنَاتِكَ، وَهَذَا عَلِيٌّ نَاكِحًا ابْنَةَ أَبِي جَهْلٍ، قَالَ الْمِسْوَرُ: فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَسَمِعْتُهُ حِينَ تَشَهَّدَ
===
(عن الزهري) قال الزهري: (أخبرني علي بن الحسين) بن علي بن أبي طالب الملقب بزين العابدين الهاشمي المدني، ثقة عابد ثبت فقيه، من الثالثة، مات سنة ثلاث وتسعين (٩٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(أن المسور بن مخرمة) رضي الله تعالى عنهما (أخبره) أي: أخبر مسور لعلي بن الحسين.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن علي بن أبي طالب) رضي الله تعالى عنه (خطب بنت أبي جهل) اسمها العوراء (وعنده) أي: والحال أن عندَ عليٍّ (فاطمةُ بنت النبي ﷺ، فلما سمعت بذلك) أي: بخطبةِ علي بنتَ أبي جهل (فاطمةُ. . أتت النبيَّ ﷺ، فقالت) فاطمة: (إن قومَك) قريشًا يا والدي (يتحدثون) فيما بينهم (أنك) يا والدي (لا تَغْضَبُ لبناتك، وهذا) الرجلُ الذي زوَّجْتَنيه (عليٌّ) بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان له. . يُريد أن يكون (ناكحًا ابنةَ أبي جهل، قال المسور) بن مخرمة: (فقام النبيُّ ﷺ) على المنبر خطيبًا، قال المسورُ: (فسمعتُهُ) ﷺ (حين تشهد) أي: حين أتى بالشهادتين في خطبته.
[ ١١ / ٤٥٤ ]
ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي قَدْ أَنْكَحْتُ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ فَحَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي، وَإِنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ بَضْعَةٌ مِنِّي وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ تَفْتِنُوهَا، وَإِنَّهَا وَاللهِ لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ وَبِنْتُ عَدُوِّ اللهِ عِنْدَ رَجُلٍ وَاحِدٍ أَبَدًا"،
===
(ثُمَّ) بعد الشهادتين (قال: أمَّا بَعْدُ) أي بعدما ذكرْتُ من الحمدلةِ والشهادتينِ: (فـ) أقول لكم أيها الحاضرون: (إني قد أنكحْتُ) وزوَّجْتُ بنتي زينبَ أكبرَ بناته (أبا العاص) لَقِيطَ (ابن الربيع) بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف العبشميَّ (فحدَّثَني) أبو العاص بأني أُرْسِلُ لك بنتَك إلى المدينة حين بَقِيَ على الشرك (فصدقني) ذلك الوَعْدَ بإرسالها إليَّ في المدينة، ولعل هذا إشارة له إلى أن أبا العاص لمَّا أُسِرَ يومَ بدر. . أطلقه رسولُ الله ﷺ على أن يُرسِلَ زوجتَهُ زينبَ إلى رسول الله ﷺ، فوفى بذلك وأَرْسَلَها، وقوله: "ووعدني. . ." إلى آخره، من زيادة مسلم في "صحيحه".
(وإن فاطمةَ بنتَ محمد بضعةٌ مني) أي: قطعة مني، يُؤذيني ما آذاها (وأنا أَكْرَهُ أن تفتنوها) في دينها، والخطابُ لبني هشام بن المغيرة ولعليِّ بن أبي طالب.
وفي رواية مسلم: "أن يفتنوها" (وإنها) أي: وإن القصةَ وجملةُ القسم في قولِهِ: (والله) معترضةٌ بين إن وخبرها، أتى بها لتأكيد الكلام (لا تجتمع بنت رسول الله) ﷺ (وبنت عدو الله عند رجل واحد) أي: في عصمته (أبدًا) أي: أمدًا وعوضًا، وأبدًا ظرف مستغرق لما يستقبل من الزمان، وفي هذا دليل على أن ولد الحبيب حبيب، وولد العدو عدو إلى أن يتيقن خلاف ذلك. انتهى من "المفهم".
[ ١١ / ٤٥٥ ]
قَالَ: فَنَزَلَ عَلِيٌّ عَنِ الْخِطْبَةِ.
===
(قال) المسور بالسند السابق: (فنزل علي) بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه؛ أي: تنازَلَ واستقالَ عليٌّ (عن الخطبة) وتركَها؛ أي: عن خطبةِ بنت أبي جهل وغيرها، ولم يتزوج على فاطمة ولا تَسرَّى عليها حتى ماتَتْ، رضي الله تعالى عنها.
وشارك المؤلف في روايةِ هذا الحديث: البخاريُّ في كتاب الجمعة، بابُ مَنْ قال في الخُطبةِ بعد الثناء، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، بابٌ في فضائل فاطمة، وأبو داوود في كتاب النكاح، بابُ ما يُكْرَهُ أن يُجْمَعَ بينهن من النساء.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضُه: الاستشهاد به.