(١٥٣) - ١٩٦٩ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: أَمَا تَسْتَحِي الْمَرْأَةُ أَنْ تَهَبَ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ
===
(٥٧) - (٦٢٥) - (باب التي وهبت نفسها للنبي ﷺ)
(١٥٣) - ١٩٦٩ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبدة بن سليمان) الكلابي الكوفي، ثقة ثبت، من صغار الثامنة، مات سنة سبع وثمانين ومئة، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أنها) أي: أن عائشة (كانت تقول: أما) الهمزة للاستفهام الإنكاري (تستحي المرأة) من (أن تهب نفسها للنبي ﷺ؟ !) وهذا تقبيح منها على من فعلت ذلك، وتنفير للنساء عنه، أوجبه غَيْرَتُها، وإلا. . فقد علمت أن الله تعالى أباح هذا للنبي ﷺ خاصةً، وأنَّ النساءَ كُلَّهن لو مَلَّكْنَ رِقَّهُنَّ ورقابَهُنَّ للنبي ﷺ. . لكُنَّ معذوراتٍ في ذلك ومشكوراتٍ عليه؛ لعظيم بركتِه ولشرفِ منزلةِ القُرْبِ منه.
وبالجملةِ: فإذا حُقِّقَ النظرُ في أحوالِ أزواجهِ ﷺ. . عُلِمَ أنه لم يَحْصُلْ أحدٌ في العالَمِ على مِثْلِ ما حَصَلَتْ عليه، ويكفيك من ذلك مخالطةُ اللحومِ والدماء، ومُشابكةُ الأعضاءِ والأجزاء، وناهِيكَ بها مراتبُ فاخرةٌ، لا جَرَمَ من أزواجهُ المخصوصاتُ به في الدنيا والآخرة. انتهى من "المفهم".
[ ١١ / ٤٥٨ ]
حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾
===
وقولُه: (حتى أنزل الله) ﷿ غاية للقول المذكور: (﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ (١)، ﴿تُرْجِي﴾ وتوخر ﴿مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ تأخيرها عن المضاجعة معها ﴿وَتُؤْوِي﴾ - أي: تضم ﴿إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ ضمها إليك بالمضاجعة معها ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ﴾ وطلبت الرجوع إليها بالمضاجعة ﴿مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ أي: عَطَّلْتَها من المضاجعة معها. . ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ في ابتغائِها.
واختلف المفسرون في تفسيرِ هذه الآية على ثلاثة أقوال:
الأولُ: أنه إباحةٌ له ﷺ في تَرْكِ القَسْم، ومعنى الإرجاء والإيواء: أن يُؤخِّرَ مَنْ شاء منهن ويَبيتَ مع مَنْ شاء، وهذا قول الجمهور.
والثاني: أنه إباحةٌ له ﷺ في طلاقِ بعض أزواجه وإمساكِ بعض، وأنه كان هَمَّ بطلاقِ بعضِهن، فقُلْنَ له: لا تطلقنا، واقْسِمْ لنا ما شئت، فكان يَقْسِمُ لبعضٍ قسمًا مستويًا، وهن اللاتي آواهن؛ ومنهن: عائشة، وحفصةُ، وأمُّ سلمة، ويَقْسِمُ للباقي ما شاء، وهن اللاتي أرجاهن؛ وهن: سودة، وجُويرية، وصفيةُ، وميمونةُ، وأمُّ حبيبة، وكان يقسم لهن ما شاء، وتُوفِّي ﷺ وقد آوى جميعهن إلا صفية، وهذا وَهْمٌ، والصوابُ: إلا سودة؛ فإنها هي التي وَهَبَتْ نوبتَها لعائشة، وهذا يدلُّ على أن القسم ليس واجبًا عليه، وهو أحد القولين.
والثالث: أن الآية في الواهبات، وهو تخييرٌ له ﷺ أن يَقْبَلَ من شاء منهن ويَرُدَّ من شاء، وحديث عائشة يؤيد هذا القول الأخير والذي
_________________
(١) سورة الأحزاب: (٥١).
[ ١١ / ٤٥٩ ]
قَالَتْ: فَقُلْتُ: إِنَّ رَبَّكَ لَيُسَارِعُ فِي هَوَاكَ.
===
قبله، واللفظ محتمل للأقوال الثلاثة، هذا ملخص ما في "فتح الباري".
واتفقَتْ أقوالُ أهل السير على أنه ﷺ لم يعمل بهذه الرخصة في ترك القسم، وإنما يَقْسِمُ لهن جميعًا؛ أي: فلمَّا أُنزلت هذه الآية. . (قالت) عائشة: (فقلتُ) لرسول الله ﷺ: (إنَّ رَبَّكَ لَيسارع) ويُبادر (في) إنزالِ (هواك) ومرضاتك؛ أي: يُخفِّفُ عنك ويوسِّع عليك في الأمور، ولهذا خَيَّرك، تعني: ما أرى الله إلا مُوجدًا لك ما تريد وترضى بلا تأخير، مُنْزِلًا لما تُحِبُّ وترضى.
قال الأبي: وهذا إكرام أبرزَتْهُ الغَيْرَةُ والإدْلالُ، وإلا. . فإضافة الهوى إلى رسول الله ﷺ. . مباعد؛ لما يَجِبُ على الخلقِ من تعظيمه ﷺ وتوقيرِه، ولو أَبْدَلَتْ "هواك" بـ "مرضاتك". . كان أولى وأحق. انتهى.
قلتُ: إنَّ البساطةَ فيمَا بَينَ الزوجين لا حاجة فيها إلى هذه الدِقَّةِ والتكلُّفِ في الكلام، وإنما هو إدلالٌ من الزوجة على زوجها ﷺ، وليس من سوءِ الأدب في شيء؛ لأنه ﷺ لم يكُنْ لِيَكْرَهَهُ، بل رُبَّما يَسْتَحْسِنُ أمثالَهُ منها. انتهى "تكملة".
وقولُها: (فقلتُ: إن ربك ليسارع في هواك) كناية عن ترك ذلك التنفير والتقبيح؛ لما رأَتْ من مسارعة الله تعالى في مرضاةِ النبي ﷺ؛ أي: كنت أُنفِّرُ النساءَ عن ذلك، فلما رأيْتُ اللهَ ﷿ أنه يسارع في مرضاةِ النبي ﷺ. . تركْتُ ذلك؛ لما فيه من الإخلال بمرضاته ﷺ.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب النكاح، باب
[ ١١ / ٤٦٠ ]
(١٥٤) - ١٩٧٥ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ بَكْرُ بْنُ خَلَفٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مَرْحُومُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيز، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَعِنْدَهُ ابْنَةٌ لَهُ
===
هل للمرأة أن تهب نفسها لأحدٍ، ومسلم في كتاب الرضاع، باب جواز هبتها نوبتها لضرتها.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه،
وغرضه بسوقه: الاستدلال به على الترجمة.
ثم استشهد المؤلف لحديث عائشة بحديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٥٤) - ١٩٧٠ - (٢) (حدثنا أبو بشر بكر بن خلف) البصري ختن المقرئ، صدوق، من العاشرة، مات بعد سنة أربعين ومئتين. يروي عنه: (د ق).
(ومحمد بن بشار) بن عثمان العبدي البصري أبو بكر بندار، ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(قالا: حدثنا مرحوم بن عبد العزيز) بن مهران العطار الأموي أبو محمد البصري، ثقة، من الثامنة، مات سنة ثمان وثمانين ومئة (١٨٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا ثابت) بن أسلم البناني أبو محمد البصري، ثقة عابد، من الرابعة، مات سنة بضع وعشرين ومئة (١٢٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(قال) ثابت: (كنا جلوسًا مع أنس بن مالك وعنده) أي: وعند أنس (ابنة له) أي: لأنس.
[ ١١ / ٤٦١ ]
فَقَالَ أَنَسٌ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَعَرَضَتْ نَفْسَهَا عَلَيْهِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ هَلْ لَكَ فِيَّ حَاجَةٌ؟ فَقَالَتِ ابْنَتُهُ: مَا أَقَلَّ حَيَاءَهَا، فَقَالَ: "هِيَ خَيْرٌ مِنْك، رَغِبَتْ فِي رَسُولِ اللهِ ﷺ فَعَرَضَتْ نَفْسَهَا عَلَيْهِ".
===
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(فقال أنس: جاءت امرأة) من المسلمات لم أر من ذكر اسمها (إلى النبي ﷺ) في عهده (فعرضت نفسها عليه) ﷺ؛ أي: وهبتها له (فقالت) تلك المرأة في عرض نفسها عليه: (يا رسول الله؛ هل لك فِيَّ) أي: في زواج نفسي (حاجة؟) أي: رغبة.
(فقالت ابنتُه) أي: ابنةُ أنس الحاضرةُ عنده عندما حدَّث بهذا الحديث: (ما أقلَّ حياءها!) أي: أيُّ شيء جَعَلَ حياء تلك المرأة قليلًا؟ ! تعجبًا مِن عرضِ نفسها عليه ﷺ، والمقصود: التعجبُ من قلةِ حيائها؛ حيث عرضَتْ نفسها على الرجل (فقال) أنس لابنته: (هي) أي: تلك المرأة (خير منك) يا بنتي؛ حيث (رغبت في) زواج (رسول الله ﷺ) إياها (فعرضت نفسها عليه) ﷺ، فقالت: يا رسول الله؛ هل لك رغبة في زواجي محبةً له.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب النكاح، باب عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح، والنسائي في كتاب النكاح، باب عرض المرأة نفسها على من ترضى.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة، وغرضه: الاستشهاد به لحديث عائشة.
[ ١١ / ٤٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله ﷾ أعلم
[ ١١ / ٤٦٣ ]