ثم المذكور في "المُغْرِب": أن الثوب: ما يلبسه الناس من الكتان والقطن والحرير والصوف والخز والفرا، وأما الستور .. فليس من الثياب، والقميص على ما ذكره الجزري وغيره: ثوب مخيط بكمين غير مفرج يلبس تحت الثياب، وفي "القاموس": القميص معلوم، وقد يؤنث، ولا يكون إلا من القطن، وأما الصوف .. فلا. انتهى.
ولعل حصره المذكور، للغالب في الاستعمال، لكن الظاهر أن كونه من القطن مراد هنا؛ لأن الصوف يؤذي البدن، ويدر العرق، ورائحته يتأذى بها، وقد أخرج الدمياطي: (كان قميص رسول الله ﷺ قطنًا قصير الطول والكمين).
[ ٢١ / ٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ثم قيل: وجه أحبية القميص إليه ﷺ: أنه أستر للأعضاء من الإزار والرداء، ولأنه أقل مؤونةً، وأخف على البدن، ولأن لبسه أكثر تواضعًا، كذا في "المرقاة" كما ذكرناه آنفًا.
وقال الشوكاني في "النيل" تحت هذا الحديث: والحديث يدل على استحباب لبس القميص، وإنما كان أحب الثياب إلى رسول الله ﷺ؛ لأنه أمكن في الستر من الرداء والإزار اللذين يحتاجان كثيرًا إلى الربط والإمساك وغير ذلك، بخلاف القميص.
ويحتمل أن يكون المراد: (من أحب الثياب إليه القميص) لأنه يستر عورته ويباشر جسمه؛ فهو شعار الجسد، بخلاف ما فوقه من الدثار، ولا شك أن كل ما قرب من الإنسان كان أحب إليه من غيره مما يلبس، ولهذا شبه رسول الله ﷺ الأنصار بالشعار الذي يلي البدن، بخلاف غيرهم؛ فإنه شبههم بالدثار، وإنما سمي القميص قميصًا؛ لأن الادمي يتقمص فيه؛ أي: يدخل فيه ليستره.
وفي حديث المرجوم: (أنه يتقمص في أنهار الجنة) أي: يدخل فيها. انتهى من "تحفة الأحوذي".
قوله: "من جر شيئًا خيلاء .. لم ينظر الله إليه " إلى آخره.
قال الحافظ في "الفتح": أي: لا يرحمه؛ فالنظر إذا أضيف إلى الله .. كان مجازًا، وإذا أضيف إلى المخلوق .. كان كناية، ويحتمل أن يكون المراد: لا ينظر الله إليه نظر رحمة.
وقال شيخنا الحافظ في "شرح الترمذي": عبر عن المعنى الكائن عند النظر بالنظر؛ لأن من نظر إلى متواضع .. رحمه، ومن نظر إلى متكبر .. مقته، فالرحمة والمقت متسببان عن النظر.
[ ٢١ / ٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقال الكرماني: نسبة النظر إلى من يجوز عليه النظر كنايةٌ؛ لأن من اعتد واهتم بالشخص .. التفت إليه، ثم كثر حتى صار عبارة عن الإحسان وإن لم يكن هناك نظر، ولمن لا يجوز عليه حقيقة النظر؛ وهو تقليب الحدقة، والله منزه عن ذلك، فهو بمعنى الإحسان مجاز عما وقع في حق غيره كنايةً.
وقوله: "يوم القيامة" إشارة إلى أنه محل الرحمة المستمرة، بخلاف رحمة الدنيا؛ فإنها قد تنقطع بما يتجدد من الحوادث.
ويؤيد ما ذكر من حمل النظر على الرحمة أو المقت ما أخرجه الطبراني، وأصله في "أبي داوود" من حديث أبي جري: (أن رجلًا ممن كان قبلكم لبس بردة فتبختر فيها، فنظر الله إليه فمقته، فأمر الأرض فأخذته ) الحديث. انتهى.
قلت: الأولى، بل المتعين أن يحمل ما ورد من النظر ونحوه من صفات الله تعالى على ظاهره من غير تأويل، وقد تقدم الكلام في هذه المسألة مرارًا. انتهى من "التحفة".
وروي أن أول من جر ثوبه فمقته الله تعالى قارون من قوم موسى ﵇. انتهى؛ كما ذكره المفسرون، فتسوخ به الأرض كل يوم قدر قامة، فإذا وقع إلى مقره من جهنم .. قامت القيامة على أهل الدنيا، كذا قالوا.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث الواحد.
والله ﷾ أعلم
[ ٢١ / ٧٧ ]