الجمة - بضم الجيم وتشديد الميم المفتوحة -: هي من شعر الرأس ما سقط على المنكبين، والوفرة: هي شعر الرأس إذا وصل إلى شحمة الأذن.
واللمة - بكسر اللام وتشديد الميم المفتوحة -: هي الشعر المتجاوز شحمة الأذن ويكون دون الجمة. انتهى من "تحفة الأحوذي".
ثم استشهد المؤلف لحديث أم هانئ بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهم، فقال:
[ ٢١ / ٢١٤ ]
(٨٣) - ٣٥٧٦ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الله، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَسْدُلُونَ أَشْعَارَهُمْ،
===
(٨٣) - ٣٥٧٦ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يحيى بن آدم) بن سليمان الأموي مولاهم الكوفي، ثقة، من كبار التاسعة، مات سنة ثلاث ومئتين (٢٠٣ هـ). يروي عنه (ع).
(عن إبراهيم بن سعد) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة، من الثامنة، مات سنة خمس وثمانين ومئة (١٨٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) محمد بن مسلم (الزهري) المدني، ثقة إمام، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).
(عن عبيد الله بن عبد الله) بن عتبة بن مسعود الهذلي المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين، وقيل: سنة ثمان وتسعين، وقيل غير ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) ابن عباس: (كان أهل الكتاب) يعني: اليهود والنصارى (يسدلون) أي: يرسلون (أشعارهم) أي: أشعار رؤوسهم من كل الجوانب؛ يعني: على الجبين والقرنين والقفا، ولكن المراد بالسدل هنا: أن يتركوا شعر ناصيتهم على جَبْهَتِهِم، قال النووي: قال العلماء: المراد بالسدل: إرساله على الجبين واتخاذه؛ كالقصة، والقصة - بالضم -: شعر الناصية، يقال: سدل شعره من بابي نصر وضرب؛ إذا أرسله على الناصية وجعله قصة؛ أي: مجموعة على الناصية،
[ ٢١ / ٢١٥ ]
وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْرِقُونَ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَاب، قَالَ: فَسَدَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَاصِيَتَهُ ثُمَّ فَرَقَ بَعْدُ.
===
ويقال: سدل شعره وثوبه؛ إذا أرسله ولم يضم جوانبه (وكان المشركون) من العرب (يفرقون) شعورهم؛ أي: يقسمون شعورهم على جوانب رؤوسهم؛ أي: على القرنين.
وقوله: (يفرقون) من فرق؛ من بابي نصر وضرب؛ إذا قسمه على الجانبين، وجعل له مفرقًا؛ من الفرق؛ وهو جعل شعر الرأس فرقتين على الجانبين وبينهما مفرق؛ والفرق سنة؛ لأنه هو الذي رجع إليه رسول الله ﷺ بعدما تركه أولًا (وكان رسول الله ﷺ يحب موافقة أهل الكتاب) فيما؛ أي: في أمر لم يؤمر به؛ أي: لم يؤمر فيه بشيء من الفعل أو الترك؛ أي: يحب موافقتهم فيما لا يخالف شرعه؛ لأن أهل الكتاب كانوا في زمانه ﷺ متمسكين ببقايا من شرائع الرسل، فكانت موافقتهم أحب إليه من موافقة عباد الأوثان.
(قال) ابن عباس: (فسدل) أي: أرسل (رسول الله ﷺ ناصيته) أي: شعر ناصيته على الجبين والجبهة موافقةً لأهل الكتاب لما ذكر، فلما أسلم غالب عباد الأوثان، ولم يسلم أهل الكتاب عنادًا له .. أحب ﷺ حينئذ مخالفة أهل الكتاب فيما وافقهم فيه أولًا؛ من سدل الشعر على الناصية (ثم فرق) شعره؛ أي: جعله فرقتين على الجانبين (بعد) أي: بعدما سدله أولًا موافقة لهم، وقيل: إنه فعل ذلك السدل أولًا؛ لاستئلافهم، فلما ظهر الدين واستغنى عن استئلافهم .. أمر بمخالفتهم، والتعليل الأول أولى وأوفق.
قوله: (ثم فرق بعد) ومن ثم ذهب جماعة من العلماء إلى كونه سنة، وقال
[ ٢١ / ٢١٦ ]
(٨٤) - ٣٥٧٧ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ،
===
آخرون: السدل والفرق كلاهما جائز، ولكن الفرق أفضل؛ لكونه آخر الأمرين من رسول الله ﷺ، ورجحه النووي.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في مواضع كثيرة؛ منها: كتاب المناقب، باب صفة النبي ﷺ، وكتاب اللباس، باب الفرق، ومسلم في كتاب الفضائل، باب سدل النبي ﷺ، وأبو داوود في كتاب الترجل، باب ما جاء في الفرق، والترمذي في "الشمائل"، باب ما جاء في شعر رسول الله ﷺ، والنسائي في كتاب الزينة، باب فرق الشعر.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أم هانئ.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أم هانئ بحديث عائشة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٨٤) - ٣٥٧٧ - (٣) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا إسحاق بن منصور) السلولي مولاهم الكوفي، صدوق، من التاسعة، مات سنة أربع ومئتين (٢٠٤ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن إبراهيم بن سعد) بن إبراهيم الزهري المدني، ثقة، من الثامنة، مات سنة خمس وثمانين ومئة (١٨٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) محمد (بن إسحاق) بن يسار المطلبي مولاهم المدني نزيل العراق إمام المغازي، صدوق يدلس، قال في "التهذيب": بل هو ثقة معروف بالعلم،
[ ٢١ / ٢١٧ ]
عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَفْرِقُ خَلْفَ يَافُوخِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، ثُمَّ أَسْدِلُ نَاصِيَتَهُ.
===
من صغار الخامسة، مات سنة خمسين ومئة (١٥٠ هـ)، ويقال بعدها. يروي عنه: (م عم).
(عن يحيى بن عباد) - بفتح المهملة وتشديد الموحدة - ابن عبد الله بن الزبير بن العوام المدني، ثقة، من الخامسة، مات بعد المئة، وله ست وثلاثون. يروي عنه: (عم).
(عن أبيه) عباد بن عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي قاضي مكة زمنَ خلافةِ أبيه، وخَلِيفَتُهُ إذا حَجَّ، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (ع).
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قالت) عائشة: (كنت) أنا (أفرق) وأقسم شعره ﷺ فرقتين (خلف) ووراء (يافوخ رسول الله ﷺ) أي: خلف ووراء الموضع الذي يسمى باليافوخ من رأس رسول الله ﷺ؛ أي: خلفه من جهة القفا.
واليافوخ: هو الموضع الذي يتحرك في وسط رأس الصبي؛ وهو الموضع الذي تدخل منه الروح في الجسد، وتخرج منه إذا خرجت.
تريد: أني أفرق شعر القفا (ثم أسدل) وأرسل شعر (ناصيته) على الجبهة والجبين.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به للحديث الأول.
[ ٢١ / ٢١٨ ]
(٨٥) - ٣٥٧٨ - (٤) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنْبَأَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ شَعَرُ رَسُولِ اللهِ ﷺ شَعَرًا رَجِلًا بَيْنَ أُذُنَيْهِ وَمَنْكِبَيْهِ.
===
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث أم هانئ بحديث أنس رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٨٥) - ٣٥٧٨ - (٤) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي الواسطي، ثقة متقن، من التاسعة، مات سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه (ع).
(أنبأنا جرير بن حازم) بن زيد بن عبد الله الأزدي أبو النضر البصري والد وهب، ثقة لكن في حديثه عن قتادة ضعف، وله أوهام إذا حدث من حفظه، من السادسة، مات سنة سبعين ومئة (١٧٠ هـ) بعدما اختلط، لكن لم يحدث في حال اختلاطه. يروي عنه: (ع).
(عن قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقة ثبت، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أنس) بن مالك رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أنس: (كان شعر رسول الله ﷺ شعرًا رجلًا) - بكسر الجيم - وقيل: بفتحها؛ أي: مسترسلًا لينًا؛ كشعر العرب، لا مسترسلًا كل الاسترسال؛ كشعر الروم، ولا قططًا؛ كشعر الإفريقيا، بل كان وسطًا بين النوعين، وكان شعره ساقطًا إلى ما (بين أذنيه ومنكبيه) ويسمى بـ (اللمة) - بكسر اللام؛ كما مر - وهو أحسن الشعور وأجملها؛ لأنه ليس قصيرًا ولا طويلًا، بل وسطًا بينهما، وقال الحافظ: إن الجمة مجتمع الشعر إذا تدَلَّى من
[ ٢١ / ٢١٩ ]
(٨٦) - ٣٥٧٩ - (٥) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ،
===
الرأس إلى شحمة الأذن وإلى المنكبين وإلى أكثر من ذلك، وأما الذي لا يجاوز الأذنين .. فهو الوفرة.
والمعنى: كان شعرًا رجلًا واصلًا إلى ما بين شحمةِ أذنيه وجِلْدَتِهما وأعلى منكبيه، فالجمة عامة، تطلق على الوفرة؛ وهي الواصلة إلى شحمة الأذن ولم تجاوزها، وعلى اللمة؛ وهي التي أَلَمَّتْ بالمنكبين ووصلت إليهما.
والذي جاوز المنكبين يسمى: جمة لا غير، قال النووي: قال أهل اللغة: الجمة: أكثر من الوفرة واللمة، فالجمة: الشعر الذي نزل على المنكبين، والوفرة: ما نزل إلى شحمة الأذنين، واللمة: التي ألمت بالمنكبين، وأما شحمة الأذن .. فهو الموضع اللين منها في أسفلها، وهو معلَّق القرط منها. انتهى من "الكوكب".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب اللباس، باب الجعد، ومسلم في كتاب الفضائل، باب صفة شعر النبي ﷺ، وأبو داوود في كتاب الترجل، باب ما جاء في الشعر، والنسائي في كتاب الزينة، باب الأخذ من الشارب.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف رابعًا لحديث أم هانئ بحديث آخر لعائشة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٨٦) - ٣٥٧٩ - (٥) (حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم) بن عمرو العثماني مولاهم الدمشقي، أبو سعيد الأموي، لقبه دحيم، ثقة حافظ متقن،
[ ٢١ / ٢٢٠ ]
حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَاد، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ شَعَر دُونَ الْجُمَّةِ وَفَوْقَ الْوَفْرَةِ.
===
من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ د س ق).
(حدثنا) محمد بن إسماعيل بن مسلم (ابن أبي فديك) - بالفاء مصغرًا - اسمه دينار الديلي مولاهم المدني، صدوق، من صغار الثامنة، مات سنة مئتين (٢٠٠ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الرحمن بن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان الأموي مولاهم المدني، صدوق تغير حفظه لما قدم بغداد، وكان فقيهًا، من السابعة، ولي خراج المدينة فحُمِدَ، مات سنة أربع وسبعين ومئة (١٧٤ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن هشام بن عروة) بن الزبير بن العوام الأسدي المدني، ثقة ثبت، من الخامسة، مات سنة خمس أو ست وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) عروة بن الزبير الأسدي المدني، ثقة فقيه، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين (٩٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قالت) عائشة: (كان لرسول الله ﷺ شعر دون الجمة) أي: أقل منها؛ فالجمة: ما نزل إلى المنكبين (وفوق الوفرة) أي: أكثر منها؛ والوفرة: ما بلغ شحمة الأذن؛ وشحمة الأذن: الموضع اللين من الأذن الذي يعلق فيه القرط وهو طرفها الأسفل؛ أي: كان وسطًا بين الجمة والوفرة، وهو
[ ٢١ / ٢٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
المسمى باللمة؛ فاللمة: هي التي ألمت بالمنكبين ووصلت إليهما؛ كما ذكرنا تفصيلها وبيانها في الحديث المذكور قبل هذا الحديث، فشعر النبي ﷺ له ثلاث أحوال:
- أول ما نزلت عن الرأس تسمى وفرة.
- ثم إذا زادت على ذلك .. تسمى لمة.
- ثم إذا زادت على ذلك .. تسمى جمة.
ولا يزيد على ذلك، بل يحلقها أو يقصرها، والله أعلم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الترجل، باب ما جاء في الشعر، والترمذي: في كتاب اللباس، باب في الجمة واتخاذ الشعر، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب من الأحاديث: خمسة:
الأول للاستدلال، والبواقي للاستشهاد.
والله ﷾ أعلم
[ ٢١ / ٢٢٢ ]