(٦٠) - ٣٥٥٣ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَعْلَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ .. فَقَدْ طَهُرَ".
===
(٢٥) - (١٣٢٧) - (باب لبس جلود الميتة إذا دبغت)
(٦٠) - ٣٥٥٣ - (١) (حدثنا أبو بكر) ابن أبي شيبة، (حدثنا سفيان بن عيينة، عن زيد بن أسلم) العدوي مولى عمر بن الخطاب أبي عبد الله المدني، ثقة عالم، وكان يرسل، من الثالثة، مات سنة ست وثلاثين ومئة (١٣٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الرحمن بن وعلة) - بفتح الواو وسكون المهملة - المصري، صدوق، من الرابعة. يروي عنه: (م عم).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) ابن عباس: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: أيما إهاب) أي: أي شيء من جلود الميتة (دبغ) أي: أزيلت عنه فضلاته من شعور وقطع لحم، وعمومه يشمل جلد مأكول اللحم وغيره .. (فقد طهر) من تنجسه بموته بغير ذكاة شرعية.
قوله: "إهاب" - بكسر الهمزة - يجمع على أهب - بفتح الهمزة والهاء وبضمهما لغتان - قال النووي: اختلف أهل اللغة في الإهاب: فقيل: هو الجلد مطلقًا، وقيل: هو الجلد قبل الدباغ، فأما بعده .. فلا يسمى إهابًا. انتهى.
[ ٢١ / ١٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وكذا قال النضر بن شميل: يسمى إهابًا ما لم يدبغ، فإذا دبغ .. لا يقال له: إهاب، والحديث يدل على أن الدباغ يطهر جلود الميتة.
واختلف العلماء في المسألة على سبعة مذاهب:
أحدها: مذهب الشافعي: أنه يطهر بالدباغ جميع جلود الميتة، إلا الكلب والخنزير والمتولد من أحدهما وغيره، ويطهر بالدباغ ظاهر الجلد وباطنه، ويجوز استعماله في الأشياء المائعة واليابسة، ولا فرق بين مأكول اللحم وغيره، وروي هذا المذهب عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنهما.
والمذهب الثاني: لا يطهر شيء من الجلود بالدباغ، وروي هذا عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وعائشة رضي الله تعالى عنهم، وهو أشهر الروايتين عن أحمد، وإحدى الروايتين عن مالك.
والمذهب الثالث: يطهر بالدباغ جلد مأكول اللحم ولا يطهر غيره، وهو مذهب الأوزاعي وابن المبارك وأبي ثور وإسحاق بن راهويه.
والمذهب الرابع: يطهر جلود جميع الميتات إلا الخنزير، وهو مذهب أبي حنيفة.
والمذهب الخامس: يطهر الجميع إلا أنه يطهر ظاهره دون باطنه، ويستعمل في اليابسات دون المائعات، ويصلى عليه لا فيه لابسًا له، وهذا مذهب مالك المشهور في حكاية أصحابنا عنه.
والمذهب السادس: يطهر الجميع والكلب والخنزير ظاهرًا وباطنًا، وهو مذهب داوود وأهل الظاهر، وحكي عن أبي يوسف.
والمذهب السابع: أنه ينتفع بجلود الميتة وإن لم تدبغ، ويجوز استعمالها
[ ٢١ / ١٦٤ ]
(٦١) - ٣٥٥٤ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الله، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ شَاةً لِمَوْلَاةِ مَيْمُونَةَ مَرَّ بِهَا؛ يَعْنِي:
===
في المائعات واليابسات، وهو مذهب الزهري، وهو مذهب شاذ لبعض أصحابنا لا تفريع عليه ولا التفات إليه، كذا قال النووي في "شرح مسلم".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الحيض، باب طهارة جلود الميتة بالدباغ، وأبو داوود في كتاب اللباس، باب في أهب الميتة، والترمذي في كتاب اللباس، باب جلود الميتة إذا دبغت، والنسائي في كتاب الفرع والعتيرة، باب جلود الميتة.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث ابن عباس بحديث ميمونة رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٦١) - ٣٥٥٤ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله) بن عتبة بن مسعود الهذلي المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين، وقيل: سنة ثمان وتسعين، وقيل غير ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما، (عن ميمونة) بنت الحارث أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أن شاة لمولاة ميمونة) وعَتِيقَمِها (مر بها، يعني) الراوي المار بها:
[ ٢١ / ١٦٥ ]
النَّبِيَّ ﷺ قَدْ أُعْطِيَتْهَا مِنَ الصَّدَقَةِ مَيْتَةً، فَقَالَ: "هَلَّا أَخَذُوا إِهَابَهَا فَدَبَغُوهُ فَأنْتَفَعُوا بِهِ؟ ! "، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّهَا مَيْتَةٌ، قَالَ:
===
(النبي ﷺ) وجملة قوله: (قد أعطيتها) بالبناء للمفعول (من الصدقة) متعلق بـ (أعطيت) أي: من الزكاة صفة ثانية و(شاة).
وقوله: (ميتة) حال من ضمير بها؛ ففي الكلام تقديم وتأخير؛ والتقدير: أن شاة كائنة لمولاة ميمونة قد أعطيتها من الزكاة، مر عليها النبي ﷺ في الطريق حالة كونها جيفة مرمية في الصحراء، ولم أر من ذكر اسم المولاة (فـ) لما مر النبي ﷺ بالشاة .. (قال) النبي ﷺ من عنده: (هلا) - بالتشديد - للتحضيض؛ وهو الطلب بشدة وعنف؛ أي: هلا (أخذوا) أي: هل أخذ أهل هذه الشاة وسلخوا (إهابها) أي: جلدها عنها (فدبغوه) أي: دبغوا ذلك الجلد (فانتفعوا به) أي: بذلك الجلد؛ بجعله فرشًا ولباسًا وإناءً وأوعيةً للدهان مثلًا.
قوله: "إهابها" الإهاب؛ ككتاب: الجلد، أو ما لم يدبغ، قاله في "القاموس"، وفي "الصحاح": الإهاب: الجلد ما لم يدبغ.
قوله: "فدبغوه" والدباغ - بكسر الدال -: عبارة عن إزالة الرائحة الكريهة والرطوبات النجسة باستعمال الأدوية؛ كالقَرَظ مثلًا، أو بغيرها.
وقد أخرج الإمام محمد في كتاب "الآثار" عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم قال: كل شيء يمنع الجلد من الفساد .. فهو دباغ.
(فقالوا) أي: فقال الحاضرون عنده ﷺ حال مروره على الشاة وقوله ذلك: (يا رسول الله؛ إنها) أي: إن هذه الشاة (ميتة) نجسة؛ أي: زائلة الحياة بغير ذكاة شرعية، فـ (قال) لهم رسول الله ﷺ:
[ ٢١ / ١٦٦ ]
"إِنَّمَا حُرِّمَ أَكْلُهَا".
===
(إنما حرم) - بالبناء للمجهول مع تشديد الراء - من التحريم؛ أي: إنما حرم بموتها بغير ذكاة شرعية (أكلها) أي: أكل لحمها لا الانتفاع بجلدها بعد دباغه، فهو حلال.
قال السندي: قوله: "حرم أكلها" روي: (حرم) ثلاثيًّا، (وحرم) رباعيًّا. انتهى بتصرف.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الحيض، باب طهارة جلود الميتة بالدباغ، وأبو داوود في كتاب اللباس، باب في أهب الميتة، والترمذي في كتاب اللباس، باب ما جاء في جلود الميتة، والنسائي في كتاب الفرع والعتيرة.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
قال أبو عيسى: وقد روي هذا الحديث عن ابن عباس عن النبي ﷺ من غير وجه، وروي عن ابن عباس عن ميمونة، وروي عن سودة، وسمعت محمدًا - يعني: البخاري - يصحح حديث ابن عباس عن النبي ﷺ، وحديث ابن عباس عن ميمونة عن النبي ﷺ، وقال: احتمل أن يكون روى ابن عباس عن ميمونة عن النبي ﷺ، وروى ابن عباس عن النبي ﷺ، ولم يذكر فيه عن ميمونة، وكلاهما صحيح، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث ابن عباس بحديث سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنهم، فقال:
[ ٢١ / ١٦٧ ]
(٦٢) - ٣٥٥٥ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: كَانَ لِبَعْضِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ شَاةٌ فَمَاتَتْ، فَمَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْهَا فَقَالَ: "مَا ضَرَّ أَهْلَ هَذِهِ لَوِ انْتَفَعُوا بِإِهَابِهَا".
===
(٦٢) - ٣٥٥٥ - (٣) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان) الكناني المروزي أبو علي الأشل، نزيل الكوفة، ثقة، من صغار الثامنة، مات سنة سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن ليث) بن أبي سليم بن زنيم - بالتصغير فيهما - واسم أبيه أيمن، وقيل: أنس، وقيل: غير ذلك، صدوق اختلط جدًّا، ولم يتميز حديثه فترك، من السادسة، مات سنة ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن شهر بن حوشب) الأشعري الشامي، صدوق كثير الإرسال والأوهام، من الثالثة، مات سنة اثنتي عشرة ومئة (١١٢ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن سلمان) الفارسي رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه ليث بن أبي سليم، وهو متروك.
(قال) سلمان: (كان لبعض أمهات المؤمنين) لم أر من ذكر اسمها (شاة، فماتت) بلا تذكيةٍ (فمر رسول الله ﷺ عليها) أي: على تلك الشاة الميتة (فقال) رسول الله ﷺ من عنده: (ما ضر) أي: أي شيء ضر ومنع (أهل هذه) الشاة من الانتفاع بجلدها (لو) سلخوا جلدها عنها، فدبغوه و(انتفعوا بإهابها) أي: بجلدها المدبوغ .. لكان خيرًا لهم.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن له شاهد من حديث ميمونة السابق ومن حديث عائشة الآتي.
[ ٢١ / ١٦٨ ]
(٦٣) - ٣٥٥٦ - (٤) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ قُسَيْطٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ أُمِّه،
===
ودرجته: أنه صحيح المتن بغيره، ضعيف السند؛ لما سبق آنفًا، وغرضه: الاستشهاد به للحديث الأول.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث ابن عباس بحديث عائشة رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٦٣) - ٣٥٥٦ - (٤) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا خالد بن مخلد) القطواني - بفتح القاف والطاء - أبو الهيثم البجلي مولاهم الكوفي، صدوق يتشيع وله أفراد، من كبار العاشرة، مات سنة ثلاث عشرة ومئتين (٢١٣ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (خ م ت س ق).
(عن مالك بن أنس) المدني الأصبحي إمام الفروع، ثقة متقن إمام، من السابعة، مات سنة تسع وسبعين ومئة (١٧٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن يزيد) بن عبد الله (بن قسيط) - بقاف ومهملتين مصغرًا - ابن أسامة الليثي أبي عبد الله المدني الأعرج، ثقة، من الرابعة، مات سنة اثنتين وعشرين ومئة (١٢٢ هـ)، وله تسعون سنة. يروي عنه: (ع).
(عن محمد بن عبد الرحمن) بن ثوبان القرشي العامري عامر قريش المدني، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (ع).
(عن أمه) أي: عن أم محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان. روت عن: عائشة، ويروي عنها: ابنها محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، روى عنها ابن ماجه، مقبولة، من الثالثة. يروي عنها: (د س ق).
[ ٢١ / ١٦٩ ]
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُسْتَمْتَعَ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ إِذَا دُبِغَتْ.
===
قلت: ذكرها ابن حبان في "الثقات". انتهى "تهذيب"، ولم أر من ذكر اسمها، وقال في "العون": أم محمد بن عبد الرحمن لم تُنْسَبْ ولم تُسَمَّ. انتهى.
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قالت) عائشة: (أمر رسول الله ﷺ) الناس بـ (أن يستمتع) وينتفع (بجلود الميتة إذا دبغت) بما يمكن في الانتفاع به من الفرش واللبس والأوعية، والأمر فيه للإرشاد إلى المصالح.
قال الخطابي: هذا يدل على بطلان قول من زعم أن إهاب الميتة إذا مسه بعد الدباغ .. يَنْجُس، ويُبيِّن أنه طاهر كطهارة جلد المذكى، وأنه إذا بسط وصُلِّي عليه، أو خُرِز منه خُفٌّ فصُلِّي فيه .. جاز. انتهى، انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب اللباس، باب أهب الميتة، والنسائي في كتاب الفرع والعتيرة، باب الرخصة في الاستمتاع بجلود الميتة إذا دبغت، وأحمد في "المسند".
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به للحديث الأول.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث:
الأول للاستدلال به على الترجمة، والبواقي للاستشهاد.
والله ﷾ أعلم
[ ٢١ / ١٧٠ ]