٦٧ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا إسماعيل بن علية، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن المغيرة بن شعبة قال: كان النبي - ﷺ - إذا ذهب المذهب أبعد.
خرجه الترمذي، وقال فيه: حسن صحيح، وخرجه ابن خزيمة في صحيحه، عن علي بن حجر، نا إسماعيل بن جعفر، ثنا محمد بن عمرو. فذكره.
وفي الصحيحين عنه: كنت مع النبي - ﷺ - في سفر، فقال: يا مغيرة خذ الإداوة، فأخذتها، فانطلق حتى توارى عني فقضى حاجته.
وذكر الدارقطني أن محمد بن عمرو رواه عنه، عن المغيرة: إسماعيل، وأسباط بن محمد، وأبو بدر شجاع بن الوليد، وخالفهم عبدة بن سليمان، فقال: عن ابن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، والصحيح الأول.
وفي الأوسط، وذكره من حديث ابن سيرين، عن عمرو بن وهب عنه، لم يروه عن ابن سيرين إلا جرير بن حازم. تفرد به علي بن عبد المجيد المعنيّ.
٦٨ - حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، ثنا عمر بن عبيد، عن عمر بن المثنى، عن عطاء الخراساني، عن أنس قال: كنت مع النبي - ﷺ - في سفر فتنحى لحاجته، ثم جاء فدعا بوضوء فتوضأ.
هذا الحديث فيه علل ثلاث:
الأولى: الجهالة بحال عمر بن المثنى؛ فإني لم أره في تاريخ البخاري، ولا ابن أبي حاتم، ولا البستي، ولما ذكره ابن سرور، قال: سمع عطاء ببيت المقدس، روى
[ ١ / ٢٠٠ ]
عنه عمر بن عبيد الطنافسي، والعلاء بن هلال الباهلي، روى له ابن ماجه، لم يزد على ذلك، وليس بكاف في معرفة حاله، وذكره أبو عروبة في الطبقة الثالثة من أهل الجزيرة، وبنحوه ذكره الشيخ جمال الدين ولم يزد.
الثانية: ضعف عطاء بن أبي مسلم عبد الله، ويقال: ميسرة، أبو أيوب الخراساني الأزدي البلخي الشامي، ويقال: أبو عثمان، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو صالح مولى المهلب، وإن كان مسلم خرّج حديثه في صحيحه فقد كذّبه سعيد بن المسيب.
وقال ابن حبان: كان رديء الحفظ يخطئ ولا يعلم؛ فبطل الاحتجاج به.
الثالثة: انقطاع ما بينه وبين أنس بن مالك. نص على ذلك أبو زكريا يحيى بن معين، وأبو زرعة الرازي وغيرهما.
٦٩ - حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب، نا يحيى بن سليم، عن ابن خثيم، عن يونس بن خباب، عن يعلى بن مرة: أن النبي - ﷺ - كان إذا ذهب إلى الغائط أبعد.
هذا حديث معلل بثلاثة أشياء:
الأول: ضعف يعقوب بن حميد المدني، قال فيه أبو حاتم: ضعيف.
وسئل عنه أبو زرعة فحرك رأسه، فقيل: صدوق؟ فقال: لهذا شروط. وقال مرة أخرى: قلبي لا يسكن إليه. وقال العنبري: يوصل الحديث. وقال يحيى والنسائي: ليس بشيء.
الثاني: يونس بن خباب أبو حمزة، ويقال: أبو الجهم، كوفي، قال يحيى بن سعيد فيه: ما تعجبنا الرواية عنه، كان كذابا.
وقال أحمد: كان عبد الرحمن لا يحدّث عنه.
وقال ابن معين: هو لا شيء، رجل سوء.
وقال مرة أخرى: ضعيف، وكذلك قاله النسائي والفسوي في تاريخه.
وقال أبو حاتم: مضطرب الحديث
[ ١ / ٢٠١ ]
ليس بالقوي. وقال ابن حبان: لا تحل الرواية عنه.
وقال الدارقطني: كان رجل سوء، فيه شيعية مفرطة، كان يسب عثمان. وقال عبّاد بن العوام: سمعته يحدث بحديث القبر، وزاد فيه: وسئل عن علي، قال: فقلت له: لم نسمع بهذا، قال: أنت من هؤلاء الذين يحبون عثمان الذي قتل ابنتي رسول الله - ﷺ - قال: قلت له: قتل واحدة، فلم زوَّجه الأخرى؟
وقال أبو داود: كان له رأي سوء في حديث القبر، وعلى رأي شتام لأصحاب النبي - ﷺ -، قال أبو داود: وحدثني من سمعه قال: لا أحدث عنه حتى أتوسد يميني.
قال أبو داود: وقد رأيت أحاديث شعبة عنه مستقيمة وليست الرافضة كذلك.
وقال العجلي: كوفي شيعي خبيث.
الثالث: انقطاع ما بينه وبين يعلى، فإن جميع من نظر في كلامه لما ذكر ابن أبي خيثمة لم يذكر في أشياخه صحابيا كبيرا ولا صغيرا، إنّما ذكر في أشياخه التابعين: كمجاهد، وطاوس، وغيرهما، وقد وقع لنا هذا الحديث من طريق ليس فيها إلا علّة واحدة، وعلى قول بعضهم تكون صحيحة لا علة فيها.
وهي مذكورة في كتاب البغوي عن داود بن رشيد، ثنا إسماعيل بن عياش، حدثني عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن راشد، عن يعلى بن مرّة قال: كان النبي - ﷺ - إذا خرج إلى الخلاء استبعد وتوارى ورواه ابن قانع، عن إبراهيم البلدي، ثنا آدم بن أبي إياس، ثنا إسماعيل به.
ورواه الخطابي في كتاب الغريب، عن محمد بن العباس المكتب، ثنا إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل، ثنا هارون بن إسحاق الهمداني، ثنا مطلب بن زياد، عن عمر بن عبد الله، عن حكيمة، امرأة يعلى، عن يعلى، ولفظه عن النبي - ﷺ -: أنه انطلق للبراز، فقال لرجل معه: سر إلى هاتين الأشاءتين، فقل لهما حتى يجتمعا، فاجتمعا، فقضى حاجته، وسعيد حديثه في الصحيح.
وفي كتاب الاستيعاب: يعلى بن مرة بن وهب بن جابر الثقفي، ويقال: العامري، واسم أمه سيابة، فربما نسب إليها، فقيل: يعلى بن سيابة، ويكنى أبا المرازم، كوفي. وقيل: إن له دارا بالبصرة، شهد مع النبي - ﷺ - الحديبية، وخيبر، والفتح، وحنينا، والطائف. كذا ذكر نسبه، وغالبا إنما يذكر النسب من كتاب المذيل للطبري، وعندي نسخته التي عليها مواضع بخطه، وليست على ما ذكر، إنما هو يعلى بن مرة بن عتاب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف، والنسب الذي ذكره أبو عمر، وذكره ابن سعد، وابن بنت منيع، وأبو أحمد العسكري، وابن قانع، وفي جمع أبي عمر بين ابن سيابة وابن مرة نظر، وإن كان ابن سعد قد ذكر ذلك، وقال: هي أمه أو جدّته، فقد أنكر ذلك ابن حبان في قوله: يعلى بن مرّة الثقفي العامري كنيته أبو المرازم، ومن قال: إنه يعلى بن سيابة، فقد وهم، وكذا فرّق بينهما العسكري وابن أبي حاتم الرازي وخليفة، وذكر نسب كلّ واحد منهما على خلاف ما ذكره الآخر.
فأما ابن مرّة فذكره كما تقدّم، وأما ابن سيابة، فقال: سيابة بن عثمان بن جزي بن ربيعة بن سعد بن أبي عتبة بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن قيس، وهو ثقفي، ثم أعاد ذكر ابن مرة في ساكن البصرة كما تقدّم وحده.
والطبراني في الكبير فرق بينهما، بين ابن مرة العامري، وابن مرة الثقفي، وابن أمية، وابن سيابة. وعلى قول أبي القاسم الاعتماد؛ لأن ثقيفا لا تجتمع مع عامر بحال إلا بحلف أو نزول أو غير ذلك.
وأما الترمذي فإنه لم يذكر في تاريخه غير ابن مرة الثقفي، وكذا يعقوب الفسوي.
٧٠ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن بشار، قالا: ثنا يحيى بن سعيد القطان، عن أبي جعفر الخطمي، واسمه عمير بن يزيد، عن عمارة بن خزيمة،
[ ١ / ٢٠٢ ]
والحارث بن فضيل، عن عبد الرحمن بن أبي قراد، قال: حججنا مع النبي - ﷺ - فذهب لحاجته، فأبعد.
هذا حديث خرجه ابن خزيمة في صحيحه عن بندار، ثنا يحيى بن سعيد به.
ولفظ النسائي: خرجت مع النبي - ﷺ - إلى الخلاء، وكان إذا أراد الحاجة أبعد.
ولما رواه البزار عن عمرو بن علي، ثنا يحيى به، قال: لا نعلم روى عبد الرحمن عن النبي - ﷺ - إلا هذا الحديث، وقد زاد فيه غير يحيى كلاما، وكذا قاله ابن بنت منيع في معجمه، وخالف ذلك أبو عمر بن عبد البر، فقال: له حديث آخر في الوضوء، وله أحاديث، يعد في أهل الحجاز.
وأما ما ذكره ابن قانع من أنَّ عمارة روى هذا الحديث عن الحارث عن عبد الرحمن، فيشبه أن يكون وهما، ولعلّه من الناسخ، ولفظه: فرأيته خرج من الخلاء، فاتبعته بإداوة، وجلست له على الطريق، وكان إذا أتى الحاجة أبعد.
٧١ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا عبيد الله بن موسى، ثنا إسماعيل بن عبد الملك، عن أبي الزبير، عن جابر قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - وكان - ﵇ - لا يأتي البراز حتى يتغيّب فلا يرى.
هذا حديث إسناده ضعيف، لضعف راويه:
إسماعيل بن عبد الملك بن رفيع ابن أخي عبد العزيز أبو عبد الملك، وهو ابن أبي الصفير المكي، روى عنه الثوري، وعيسى بن يونس، وأبو نعيم، وعبد الواحد بن زياد.
قال القطان: تركته ثم كتبت عن سفيان عنه.
وقال أبو حاتم: ليس بقوي
[ ١ / ٢٠٤ ]
في الحديث، وليس حده الترك.
قال ابنه: يكون مثل أشعث بن سوار في الضعف؟ قال: نعم. وقال ابن معين والنسائي: ليس بالقوي. وقال البخاري: يكتب حديثه.
وقال ابن حبان: يقلب ما روى.
وقال ابن مهدي: اضرب على حديثه.
وذكر ابن عدي حديثه هذا فيما أنكر عليه، ثم قال: وهو ممن يكتب حديثه.
وقال الآجري: سألت عنه أبا داود، فقال: ضعيف، وفي موضع آخر: ليس بذاك.
وسيأتي ما للناس في حديث أبي الزبير، عن جابر من الضعف وغير ذلك عن قريب، إن شاء الله تعالى.
وأمّا قول الحاكم إثر حديث المغيرة المتقدّم: شاهده حديث إسماعيل بن عبد الملك عن أبي الزبير، فالشواهد لا يلتزم فيها الصحة من كلّ وجه.
٧٢ - حدثنا العباس بن عبد العظيم العنبري، ثنا عبد الله بن كثير بن جعفر، ثنا كثير بن عبد الله المزني، عن أبيه، عن جدّه، عن بلال بن الحارث المزني: أن رسول الله - ﷺ - كان إذا أراد الحاجة أبعد.
زاد العسكري: خرجنا مع النبي - ﷺ - في بعض أسفاره فخرج لحاجته، وكان إذا خرج يبعد.
ورواه في الأفراد مطولا، فذكر الشجرتين اللتين سترتاه - ﵇ -. وقال: غريب من حديث جابر، تفرد به إسماعيل عنه.
.
وقال في العلل الكبير: سألت محمدا عن هذا الحديث - يعني المذكور في العيد - من رواية عمرو؟ فقال: صحيح، وعن حديث كثير عنه أيضا، فقال: هو أصح شيء في الباب. وبه أقول، وذكر له حديثا آخر: في الجمعة ساعة. وقال فيه: حديث غريب. وحديث فيه: الصلح جائز بين المسلمين. وقال فيه: حسن صحيح. وحديث فيه: من أحيا سنتي قال فيه: حسن. فأين الإِجماع مع مخالفة أبي عبد الله وأبي عيسى؟
وأَما أبوه عبد الله فتفرد عنه بالرواية ابنه كثير، فيما ذكره البخاري وأبو حاتم والبستي في كتاب الثقات.
ومقدار إبعاده - ﵇ - غير مبين فيما مضى من الأحاديث، وفي الباب غير ما حديث.
من ذلك: حديث زياد بن سعد، عن أبي الزبير، حدثني يونس بن خباب الكوفي: سمعت أبا عبيدة بن عبد الله يذكر أنه سمع أباه يقول: كان النبي - ﷺ - وإنه معه مسافرين إلى مكة، إذا خرج إلى الغائط أبعد حتى لا يراه أحد، قال: فبصر بشجرتين
[ ١ / ٢٠٥ ]
متباعدتين فقال: يا ابن مسعود اذهب إليهما فقل لهما: إنّ النبي - ﷺ - يأمركما أن تجتمعا، فيتوارى بكما .. الحديث.
قال أبو القاسم في الأوسط: لم يروه عن زياد إلا زمعة بن صالح، تفرد به أبو قرّة.
وقد جاء مقدار ذلك البعد مصرحا به في حديث عبد الله بن عمر، ذكره الطبري في تهذيب الآثار، قال: كان رسول الله - ﷺ - يذهب إلى حاجته إلى المغمس. قال نافع عن ابن عمر: نحو ميلين من مكة. وفي مسند السراج: أو ثلاثة. وحديث ابن عمر هذا ويعلى وأنس بن مالك مستدرك ذكرهم على الترمذي في قوله: وفي الباب عن أبي قتادة وعبد الرحمن بن أبي قراد، ويحيى بن عبيد عن أبيه، وأبي موسى، وابن عباس، وبلال بن الحارث، وجابر.
وفيه دليل على الإبعاد إذا كان في براح من الأرض، ويدخل في معناه ضرب الحجب وإرخاء الستور وأعماق الآبار والحفائر، ونحو ذلك من الأمور الساترة للعورات.
وذلك من آداب التخلي، وكذلك لا يرتفع ثوبه حتى يدنو من الأرض، والالتفات يمنة وشأمة، وتغطية الرأس وترك الكلام، والاستنجاء باليسار، وغسل اليد بعد الفراغ بالتراب، والاستجمار بثلاث، وأن يجتنب الروثَ والرمة، وأن لا يتوضأ في المغتسل، ونزع الخاتم إذا كان فيه اسم الله تعالى وما في معناه، وارتياد الموضع الدمث، وأن لا يستقبل الشمس والقمر والقبلة، ولا يستدبرها في البيوت، وأن لا يبول قائما، ولا في طريق الناس وظلّهم، والماء الراكد، ومساقط الثمار، وضفة الأنهار، وأن يتكئ على رجله اليسرى، ويتنحنح، وينثر ذكره ثلاثا.
قال الخطابي: البراز بفتح الباء: اسم للفضاء الواسع من الأرض، كَنَوا به عن
[ ١ / ٢٠٧ ]
حاجة الإنسان، كما كنوا بالخلاء عنه، يقال: تبرز الرجل، إذا تغوط، وهو أن يخرج إلى البراز، كما يقال: تخلى، إذا صار إلى الخلاء.
وأكثر الرواة يقولون: البراز بكسر الباء، وهو غلط، وإنما البراز مصدر بارزت الرجل في الحرب مبارزة وبرازا. انتهى.
وما أنكره غير منكر، ولا مردود، لذكره في كتاب الصحاح وغيره من كتب اللغة، والله أعلم.
[ ١ / ٢٠٨ ]