٨٢ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الرحمن بن حسنة، قال: خرج علينا رسول الله - ﷺ - وفي يده الدرقة فوضعها، ثم جلس فبال إليها، فقال بعضهم: انظروا إليه يبول كما تبول المرأة، فسمعه النبي - ﷺ - فقال: ويحك، أما علمت ما أصاب صاحب بني إسرائيل؟ كانوا إذا أصابهم البول قرضوه بالمقاريض، فنهاهم، فعذب في قبره.
هذا حديث قال فيه الحاكم لما خرجه من حديث سفيان، وعبيد الله بن موسى، وزائدة، وعبد الواحد بن زياد، قالوا: حدثنا الأعمش بلفظ: انطلقت أنا وعمرو بن العاص إلى النبي - ﷺ - فخرج ومعه درقة .. الحديث.
هذا حديث صحيح الإِسناد، ومن شرط الشيخين إلى أن بلغ: تفرد زيد بن وهب بالرواية عن ابن حسنة، ولم يخرجا هذا اللفظ.
وفيما قاله نظر، بل هو على شرطهما، ولا نظر إلى تفرد زيد؛ لأنهما رويا عن جماعة لم يرو عن أحدهم إلَّا شخص واحد.
ورواه ابن حبان في صحيحه عن أبي يعلى، ثنا أبو خيثمة، ثنا محمد بن خازم كحديث الباب، لا ذكر لعمرو فيه، وزيد المشار إليه هو ابن وهب الجهني أبو سليمان الكوفي، رحل إلى النبي - ﷺ - فَقُبِض وهو في الطريق؛ فلذلك عُد من المخضرمين، وإن كان مسلم لم يذكره فيهم.
وزعم ابن منجويه أنه من همدان، وجمع الكلاباذي بين النسبين، ولا جمع، إلَّا أن يكون بحلف أو شبهِهِ.
قال ابن سعد: زيد جهني أحد بني حسل بن نصر ابن مالك بن عدي بن الطول بن عوف بن غطفان بن قيس بن جهينة من قضاعة.
وبنحوه ذكره الكلبي في الجامع وغيره، حديثه في الصحيحين، وعبد الرحمن بن حسنة، وهي أمه، وأبوه عبد الله بن المطاع بن الغطريف بن عبد العزى
[ ١ / ٢٢٦ ]
ابن جثامة بن مالك بن ملازم بن مالك بن رُهم بن يشكر بن مبشر بن الغوث بن مُرّ، أخي تيم بن مر، ويقال: إنه من كندة، وهو أخو شرحبيل بن حسنة. كذا ذكره البخاري وأبو داود السجستاني في كتاب الإخوة، وأبو زرعة الدمشقي في كتاب الإخوة أيضًا، وأنكر ذلك ابن أبي خيثمة، وبعده العسكري.
وكانت أمه مولاة لمعمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح، هاجرت إلى الحبشة؛ فلذلك عدّه ابن شهاب في حلفاء بني جمح.
وقيل: إنّها ليست أمه، بل تبنَّته، ونسبه البخاري قرشيا، ولا منافاة بينه وبين ما تقدّم؛ ولأنه قرشي بالحلف في زهرة، أو بالولاء في جمح.
وأمّا من قال: كندي، فبالنسبة إلى نسب أمه، فإنّها منهم، والله أعلم.
واختلف في القائل: انظروا إليه يبول كما تبول المرأة، فعند أبي داود والعسكري أن عمرًا وابن حسنة قالا ذلك، وفي كتاب البغوي: فقال بعضنا لبعض، وعند النسائي: بعض القوم، وكل ذلك قريب، وفي حديث البغوي والطبراني زيادة تبيّن معنى الإنكار على أي وجه كان، وهو قوله: انظروا إليه يبول كما تبول المرأة، وهو قاعد.
وفي بعض ألفاظ الطبراني: يا رسول الله، تبول كما تبول المرأة إما أن يكون سمع، وإما أن يكون أخبر، فإن الأحاديث المتقدّمة موهمة أنّ ذلك إما للاستتار أو الجلوس.
٨٣ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو معاوية ووكيع، عن الأعمش، عن مجاهد، عن طاووس، عن ابن عباس قال: مر رسول الله - ﷺ - بقبرين جديدين، فقال: إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير؛ أمّا أحدهما فكان لا يستنزه من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة.
في صحيح ابن حبان حديث أبي هريرة بمثل حديث ابن عباس مطولًا هذا حديث اجتمع على تخريجه الأئمة الستة في كتبهم. وقال الترمذي: حديث
[ ١ / ٢٢٧ ]
صحيح. وروى منصور هذا الحديث عن مجاهد، عن ابن عباس، ولم يذكر فيه طاوسا، ورواية الأعمش أصح. وكذا ذكره البخاري في كتاب العلل، وخالف وأبى ذلك في جامعه الصحيح بذكره حديث منصور إثر حديث الأعمش؛ فيحتاج إلى تأويل ذلك، بأن يكون ظهر له ترجيحه بوجه من الوجوه، وأظن ذلك؛ لأن شعبة روى عن الأعمش كما رواه منصور، ذكر ذلك أبو موسى المديني في كتاب الترغيب من حديث أبي داود الطيالسي، ثنا شعبة به، ولفظه: أما أحدهما فكان يأكل لحوم الناس، وأما الآخر فكان صاحب نميمة. وقال آخره: كذا قال عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس، والمحفوظ من حديث الأعمش: مجاهد، عن طاوس، وفي حديث الأعمش عند الإسماعيلي: من طريق شعبة عنه، ثنا مجاهد. قال شعبة: وأخبرني منصور مثلَ إسناد سليمان وحديثه، فلم أنكره منه، فهذا الأعمش رواه كما رواه منصور؛ فظهر بذلك ترجيح حديثه على غيره.
وأما أبو حاتم البستي فذكر في صحيحه الحديثين جميعا، وقال: سمع مجاهد هذا الخبر عن ابن عباس، وسمعه عن طاوس، فالطريقان جميعا محفوظان، ففي هذا شفاء للنفس وإزالة للبس بتصريحه بسماع مجاهد هذا الحديث من ابن عباس - ﵄ - ولولا ذلك لكان لقائل أن يقول: إن مجاهدا مدلس، فلو عرى عنه ذلك أو صرّح بالسماع كنّا نقول: رواه عنهما. وأما في هذه الحالة فنجزم بالانقطاع، وعلى تقدير صحة ذلك، لم يكن حديث الأعمش أصح، إنما يكونان صحيحين.
وفي لفظ البخاري: ثم أخذ جريدة رطبة فشقّها نصفين، فغرز في كل قبر واحدة، قالوا: يا رسول الله لم فعلت هذا؟ قال: لعله يخفّف عنهما ما لم ييبسا.
وفي رواية: وما يعذبان في كبير، ثم قال: بلى كان أحدهما. وفي لفظ لمسلم: لا يستنزه عن البول، أو من البول مع لفظ لأبي داود: ويستتر مكان يستنزه، وفي لفظ للبخاري: يستبرئ، زاد ابن الجوزي في قصة يوسف - ﵇ -: فأورق كل واحد من الغصنين واخضر، وأورق من ساعته، ففرح النبي - ﷺ - وقال: رفع عنهما العذاب بشفاعتي.
[ ١ / ٢٢٨ ]
٨٤ - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا عفان، نا أبو عوانة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال رسول الله - ﷺ -: أكثر عذاب القبر من البول.
هذا حديث صحيح الإسناد، قال الشيخ ضياء الدين المقدسي لما ذكره: إسناده حسن، وما علم بأن الحاكم حَكم بصحته على شرط الشيخين، قال: ولا أعرف له علّة، وله شاهد من حديث أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس مرفوعا: عامة عذاب القبر من البول. وصححه أيضًا البخاري، ﵀.
٨٥ - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع، ثنا الأسود بن شيبان، حدثني ابن مرّار، عن جدّه أبي بكرة قال: مرّ النبي - ﷺ - بقبرين، فقال: إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير؛ أما أحدهما فيعذب في البول، وأما الآخر فيعذَّب في الغيبة.
هذا حديث معلّل بأمرين:
ولو سكت أبو عبد الله بن ماجه عن تعيين الجدّ لحمل على عبد الرحمن، وكان الحديث مرسلا، وقد وقع لنا هذا الحديث من طريق متصلة.
وعلى رأي ابن معِين ومن تابعه تكون صحيحة.
ذكرها البخاري في تاريخه الكبير، فقال: ثنا مسلم، ثنا الأسود بن شيبان، ثنا بحر، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، قال: حدّث أبو بكرة، قال: قال لي النبي - ﷺ -: صاحبا القبر يُعذّبان بلا كبير: الغيبة، والبول.
نا الجعفي، ثنا عبد الصمد، نا الأسود، نا بحر، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، قال: حدث أبو بكرة وثنا إسحاق قال: أنا عبد الصمد، نا الأسود، سمعت بحر بن مرار، يحدّث عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، ثنا أبو بكرة، قال: كنت مع النبي - ﷺ - .. الحديث.
وبنحوه ذكره الطبراني في الكبير وابن قانع والعسكري، فهذا كما ترى تصريح بسماع بحر من جدّه، وجده من أبيه، والله تعالى أعلم.
ولما ذكره الدارقطني في العلل، قال: الصواب قول من قال: عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، يعني: عن أبي بكرة. وقال الترمذي إثر حديث ابن عباس: وفي الباب عن زيد بن ثابت، وأبي بكرة، وأبي هريرة، وأبي موسى، وابن حسنة، وأغفل حديث عائشة: عذاب القبر من البول، المذكور عند الدارقطني، وحديث عبادة بن الصامت مرفوعًا: إني أظن منه عذاب القبر، يعني البول. ذكره البزار، وإسناده لا بأس به.
وحديث يعلى بن سيابة أن النبي - ﷺ - مرّ بقبر يعذّب صاحبه فقال: إنَّ هذا
[ ١ / ٢٢٩ ]
القبر يعذب صاحبه في غير كبير، ذكره الطبراني وابن أبي شيبة، الحديث. وحديث أبي أمامة الباهلي وأبي رافع ذكرهما أبو موسى المديني في كتاب الترغيب والترهيب، وحديث ميمونة ذكره أبو القاسم في الأوسط. وحديث جابر بن عبد الله ذكره بحشل في تاريخه من حديث الأعمش، عن أبي سفيان عنه: دخل النبي - ﷺ - حائطا لأمه ميسرة، وإذا بقبرين، فدعا بجريدة رطبة فشقها نصفين، ثم وضع واحدة على أحد القبرين، والأخرى على الآخر، ثم قال: لا يرفعان عنهما حتى يجفّا، قيل: يا رسول الله في أي شيء يعذبان؟ فقال: أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يتنزه من البول.
رواه عن موسى بن شبيب، ثنا عبد الله بن موسى، ثنا أبو إسرائيل، عن الأعمش.
وحديث أنس بن مالك: مرّ النبي - ﷺ - بقبرين من بني النجّار يعذبان في النميمة والبول، فأخذ سعفة رطبة، فشقها بنصفين، فجعل على ذا القبر نصفا، وعلى ذا القبر شقا، وقال: لا يزال يخفف عنهما ما دامتا رطبتين، أنا به المسند المعمر حسن بن عمر بن خليل، قراءة علينا من لفظه، أنا ابن شاذان قراءة عليه، أنا أبو عمرو عثمان بن أحمد الدقاق قراءة عليه، نا حسين بن حميد بن الربيع، ثنا عبيد بن عبد الرحمن، ثنا عيسى بن طهمان، عن أنس، فذكره.
وحديث ميمونة راويه ليس بثقة: أشدّ عذاب القبر في الغيبة والبول. ذكره ابن منده، وحديث عائشة: مرّ النبي
[ ١ / ٢٣١ ]
ﷺ بقبرين يعذّبان، فقال: إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير، كان أحدهما لا يستنزه عن البول، وكان الآخر يمشي بالنميمة، فدعا بجريدة رطبة الحديث، ذكره أبو القاسم في الأوسط من حديث عبيدة بن حميد، عن منصور، عن أبي وائل، عن مسروق عنها، وقال: لم يروه عن منصور إلا عبيدة، تفرّد به علي بن جعفر الأحمر، يعني شيخ شيخه محمد بن أحمد الوكيعي، وحديث عبد الله بن عمر: أن النبي - ﷺ - مر يوما بين قبور ومعه جريدة رطبة، فشقها باثنتين، ووضع واحدة على قبر، والأخرى على قبر آخر، ثم مضى، قلنا: يا رسول الله لم فعلت ذلك؟ فقال: أما أحدهما فكان يعذب في النميمة، وأما الآخر فكان لا يتقي البول، ولن يعذبا ما دامت هذه رطبة.
ذكره أبو القاسم في الأوسط من حديث غسان بن الربيع، ثنا جعفر بن ميسرة، عن أبيه عنه قال: لا يُرْوَى هذا الحديث عن ابن عمر إلا بهذا الإِسناد.
والقبر: جمعه قبور في الكثرة، وفي القلة: أقبرة، واستعمل مصدرًا، قالوا: قبرته أقبره قبرًا، وفي الغريبين: قبرته: دفنته، وأقبرته: جعلت له قبرًا. وقال القزاز: موضع قبر، ومن أسمائه أيضًا فيما ذكره ابن السكيت في كتاب الألفاظ، وأبو هلال العسكري في التلخيص: الجدث، والمنهال، والجدف، والرمس، والدمس، والجبان، والضريح، واللحد.
وفي هذه الأحاديث وغيرها إثبات عذاب القبر على ما هو المعروف عند أهل السنة، واشتهرت به الأخبار، ولم يخالف في ذلك إلا المعتزلة، كذا رأيت جماعة من العلماء ذكروا ذلك عند كلامهم على هذا الحديث وشبهه.
ويشبه أن يكون ذلك وهمًا منهم على المعتزلة؛ لما ذكره القاضي عبد الجبار رئيس المعتزلة ومصنفهم في كتاب الطبقات من تأليفه: إن قيل: إنّ مذهبكم أدَّاكم إلى إنكار عذاب القبر، وهو قد أطبقت عليه الأمة، وظهر فيه الآثار والدلائل. قيل:
[ ١ / ٢٣٢ ]
إن هذا الأمر إنّما أنكره أولًا ضرار بن عمرو، ولما كان من أصحاب واصل، ظنوا أن ذلك مما أنكرته المعتزلة، وليس الأمر كذلك، بل المعتزلة رجلان: أحدهما: يجوز ذلك كما وردت به الأخبار، والثاني: يقطع بذلك، وأكثر شيوخنا يقطعون بذلك، إنّما ينكرون قول طائفة من الجهلة: إنّهم يعذبون وهم موتى، ودليل العقل يمنع من ذلك، وبنحوه قاله أبو عبد الله المرزباني في كتاب الطبقات أيضًا.
واختلف في فتنة القبر: هل هي للمسلمين وللكافرين؟.
فذهب أبو عمر بن عبد البر إلى أنه لا تكون إلا لمؤمن أو منافق من أهل القبلة ممن حقن الإِسلام دمه، وبنحوه قال الحكيم أبو عبد الله الترمذي في نوادر الأصول.
وخالفهما أبو محمد الإشبيلي، فزعم أنها تعم المؤمنين والمنافقين والكافرين، واختاره القرطبي في التذكرة، قال: وقد اختلف في هذين المعذبين - أعني اللذين في حديث ابن عباس - هل كانا من أهل القبلة أم لا؟ فقال: إن كانا منها، فالمرجو لهما بذلك تخفيف العذاب عنهما مطلقا، وإن كانا كافرين فالمرجو تخفيف العذاب المطلق بهذين الذنبين المذكورين.
أما قوله: إن كانا كافرين .. إلى آخره، فهو من طريق الشكّ، فهو قول مسنده فيما أظن - والله أعلم - حديث رواه أبو موسى المديني في كتاب الترغيب والترهيب من حديث ابن لهيعة، عن أسامة بن زيد، عن أبي الزبير، عن جابر قال: مر نبي الله - ﷺ - على قبرين من بني النجار هلكا في الجاهلية، فسمعهما يعذبان في البول والنميمة.
وقال: هذا حديث حسن، وإن كان إسناده ليس بالقوي؛ لأنهما لو كانا مسلمين لما كان لشفاعته لهما إلى أن ييبسا معنى، ولكنه لما رآهما يعذبان، لم يستجز من عطفه ولطفه - ﷺ - حرمهما من ذلك،
[ ١ / ٢٣٣ ]
فشفع لهما إلى المدّة المذكورة، والله أعلم.
وقد أنا بحديث أبي الزبير هذا المسند المعمر فتح الدين بن حسن الهروي الكناني عن أبي الحسن البغدادي، أنبأتنا شهدة قراءة عليها وأنا أسمع، أنا الحسين بن طلحة الثعالبي قراءة عليه ونحن نسمع، أنا أبو القاسم الحسن بن الحسن بن المنذر، أنا أبو علي البرذعي، ثنا أبو بكر بن أبي الدنيا، أنا محمد بن علي، ثنا النضر بن شميل، أنا أبو الغرام، واسمه عبد العزيز بن ربيع الباهلي، ثنا أبو الزبير، عن جابر، ولفظه غير اللفظ الذي ساقه أبو موسى، قال: كنا مع النبي - ﷺ - في مسيرنا، فأتى على قبرين يعذبان صاحباهما، فقال: إنهما لا يعذبان في كبير؛ أما أحدهما فكان يغتاب الناس، وأمّا الآخر فكان لا يتأذى من بوله، ودعا بجريدة .. الحديث.
ولفظ أبي القاسم في الأوسط، وقد خرجه من حديث ابن لهيعة، عن أسامة بن زيد، عن أبي الزبير، عن جابر: مر النبي - ﷺ - على قبور نساء من بني النجار هلكن في الجاهلية، فسمعهن يعذبن في النميمة، فأتى بجريدة، لم يروه عن أسامة إلا ابن لهيعة، فلئن كان ذلك فهو تصريح لا شك فيه، ولكن يعكر عليه ما جاء في بعض ألفاظ حديث ابن عباس في: مر بقبرين من قبور الأنصار وبنو النجار من الأنصار، فيحتمل أن يكون الراوي قاله بالمعنى الأول، والأنصار لفظة إسلامية لم يعرف بها مسمى في الجاهلية؛ ولذلك قال النعمان بن بشير الأنصاري - ﵄ - يخاطب عمرو بن العاص:
يا عمرو لا تعد الدعاء فما لنا … نسب نجيب به سوى الأنصار
نسب تخيره الإله لصحبنا … أثقل به نسبًا على الكفار
وحديث الباب: بقبرين جديدين، وفي حديث مسلم: فأحببت بشفاعتي أن يخفف ذلك عنهما، والشفاعة لا تكون إلا لمؤمن، وبضميمة كونهما جديدين، وأما رواية من روى المدينة أو مكة، وهو البخاري في الصحيح، فيحتمل أن يكون سهوا من أحد الرواة. وقد استدرك ذلك أبو عبد الله؛ فذكره في كتاب الأدب على
[ ١ / ٢٣٤ ]
الصواب: المدينة. وقوله: وما يعذبان في كبير، يحتمل معنيين، والذي يجب أن يحمل عليه منهما أنَّهما لا يعذبان في كبير إزالته أو دفعه أو الاحتراز عنه، وأنه سهل يسير على من يريد التوقي منه، ولا يراد بذلك أنه صغير من الذنوب؛ لأنه ورد في الصحيح: وإنه لكبير.
قال المازري: والنميمة تكون من الكبائر؛ فيحتمل على أنه يريد به في كبير علمهم تركه، وإن كان كبيرًا عند الله تعالى، ولا شك أن النميمة كبيرة.
قال: والمنهي عنه على ثلاثة أنحاء: منه ما يشق تركه على الطباع، كالملاذ المنهي عنها، ومنه ما ينبو عنه الطبع ولا يدعو إليه، كالنهي عن قتل نفسه وغيره، ومنه ما لا مشقة فيه على النفس في تركه، فهذا القسم مما يقال فيه: ليس بكبير على الإنسان تركه.
وقال عياض: قوله وما يعذبان في كبير أي كبير عندهم، كقوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾، وسبب ذلك أن عدم النثرة من البول يلزم منه بطلان الصلاة، وتركها كبيرة.
وأما النميمة فقد تكون كبيرة، ولا سيما إذا تكررت، وبذلك أشعر قوله: كان يمشي بالنميمة.
وفي كتاب الإحياء للشيخ أبي حامد، رحمه الله تعالى: اعلم أن النميمة إنما تطلق في الأكثر على من ينم قول الغير إلى المقول فيه، كما تقول: فلان يتكلّم فيك بكذا، وليس النميمة مخصوصة بهذا، بل حدّ النميمة: كشف ما يكره كشفه، سواء كرهه المنقول عنه أو المنقول إليه، وسواء أكان ذلك بالكناية أو الرمز أو الإِيماء، فحقيقة النميمة إفشاء السر وهتك الستر عما يكره كشفه؛ فلو رآه يخبئ مالا لنفسه فذكره فهو نميمة، فكلّ من حملت إليه نميمة، وقيل له: فلان يقول فيك، أو يفعل فيك كذا، فعليه ستة أمور:
الأول: أن لا يصدقه؛ لأن النمّام فاسق.
الثاني: ينهاه عن ذلك.
الثالث: يبغضه في الله؛ لأنه بغيض عند الله.
[ ١ / ٢٣٥ ]
الرابع: لا يظن بأخيه الغائب سوءا.
الخامس: لا يحمله ما حكاه على التجسس والبحث عن ذلك.
السادس: أن لا يرضى لنفسه ما نهى عنه النّمام، فلا يحكي نميمته عنه فيقول: فلان حكى كذا، فيصير نمّاما.
لا تنه عن خلق وتأتي مثله … عار عليك إذا فعلت عظيم
فإن كانت النميمة في مصلحة، فلا منع منها، وذلك كما إذا أخبره أن إنسانا يريد الفتك به أو بأهله أو بماله، أو أخبر الإمام أو من له ولاية أنّ إنسانًا يسعى بما فيه مفسدة؛ فيجب على صاحب الولايةَ الكشف عن ذلك وإزالته، فكلّ هذا وشبهه ليس بحرام، وقد يكون بعضه واجبًا وبعضه مستحبا على حسب المواطن. انتهى.
وأهل اللغة يفرقون بين نميت مخففة، ونمَّيت مشدّدة.
فالأول: إذا بلغته على وجه الإصلاح والخير.
والثاني: على وجه الإِفساد، ولم يبين الشيخ أبو حامد ذلك في كلامه، فيلبس على من لا يعرف اشتقاق النميمة، والله أعلم.
وأما حديث أبي بكرة: فيعذّب في الغيبة فالغيبة مخالفة للنميمة؛ إذ هي ذكر المرء بسوء فيه من ورائه، وفي قول الشيخ أبي حامد: النميمة هتك الستر، معنى من معاني الغيبة؛ لأنك إذا ذكرته بسوءٍ فيه، فقد هتكت ستره بذكرك ذلك، وإذا كان كذلك، كانا بمعنى واحد، ويكون الراوي لمح في هذا المعنى.
وقوله: من البول يؤخذ منه نجاسة الأبوال مطلقا، قليلها وكثيرها، إلا ما عفا عنه الشّارع، صلوات الله عليه وسلامه.
وأما لعلّ فهو حرف لتوقع مرجو أو مخوِّف، وفيها لغات أنها: لعلّ، وعلّ، وعنّ، ولعنّ، وأنّ، ولأنّ.
وفيه دليل على انتفاع الميت بتلاوة القرآن العظيم أخذًا من غرز العسيب، فإذا انتفع بتسبيح النبات فقراءة القرآن من الإِنسان
[ ١ / ٢٣٦ ]
أولى، وفي الصحيح للبخاري: أوصى بريدة أن يجعل في قبره جريدتان تبركًا بفعل النبي - ﷺ - ذلك، واختلف في وصول ثواب القرآن العظيم للميت؛ فمذهبنا ومذهب أحمد وصول ذلك إليه، وأبى ذلك جماعة من العلماء مستدليّن بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ وبقوله - ﵇ -: إذا مات المرء انقطع عمله .. والكلام في ذلك يأتي بعد في كتاب الجنائز، إن شاء الله تعالى.
وأمّا الدرقة فهي ضرب من الترسة تتخذ من جلود دواب تكون في بلاد الحبشة، والجمع درق وأدراق، قاله القزاز.
وفي الصحاح: هي الجحفة إذا كانت من جلود ليس فيها خشب ولا عقب.
وأما بنو إسرائيل فهم أولاد يعقوب - ﵇ -، وهو اسم عبراني، وفيه لغات: إسرائيل بكسر أوله، والمدّ، والياء بعد الراء، والهمزة، وقيل: كذلك إلَّا أنّه بغير همز، وبيائين، وقيل: بفتح أوله مع الوجوه الثلاثة، وقيل: إسرال بغير مدّ ولا ياء، بكسر أوّله وقد يفتح، وقيل: بكسر الهمزتين بغير ألف بعد الراء، وقيل كذلك إلا أنه بياء من غير همز، وقيل بدلا عن اللام على الوجوه كلها، وقيل غير ذلك.
ولا خلاف أن إِيل هو اسم الله تعالى في اللغة العبرية. واختلف في إسرا، فزعم السهيلي أنه عبد. وقيل: صفوة. وقيل: هو مركب من عربي وعجمي، معناه: أسري إلى الله، وذلك أن يعقوب - ﵇ - أسري به ليلة في الهجرة إلى الربّ - ﷾ - فسمى إسرائيل بذلك، والله أعلم.
[ ١ / ٢٣٧ ]