٧٥ - حدثنا محمد بن رمح، ثنا الليث بن سعد، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن عمار بن ياسر، أنه قال: سقط عقد لعائشة، فتخلّفت لالتماسه، فانطلق أبو بكر إلى عائشة، فتغيظ عليها في حبسها الناس، فأنزل الله تعالى الرخصة في التيمم، قال: فمسحنا يومئذ إلى المناكب، قال: فانطلق أبو بكر إلى عائشة، فقال: ما علمت، إنك لمباركة.
هذا حديث إسناده منقطع؛ لأن عبيد الله بن عبد الله لم يدرك عمارا، يدل عليه ما رواه ابن ماجه بعد هذا:
٧٦ - ثنا محمد بن أبي عمر العدني، ثنا سفيان عن عمرو، عن الزهري عن عبيد الله، عن أبيه، عن عمار، قال: تيممنا مع رسول الله ﷺ إلى المناكب.
وفي كتاب المعرفة لأبي بكر: رواه ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن الزهري، ثم سمعه من الزهري، فرواه عنه، فكان يقول أحيانا: عن أبيه عن عمار، وأحيانا لا يقول: عن أبيه. قال علي ابن المديني: قلت لسفيان: عن أبيه عن عمار؟ قال: أشكّ في أبيه، قال علي: كان إذا حدثنا لم يجعل: عن أبيه.
ورواه الشافعي عن الثقة عن معمر عن الزهري، فذكر أباه، ورواه عبد الرزاق في مصنفه عن معمر فلم يذكره، واختلف فيه على الزهري، فقيل: عنه عن أبيه، وقيل: عنه دون ذكر أبيه، ورواه صالح بن كيسان عند أبي داود عن الزهري، حدثني عبيد الله عن ابن عباس عن عمار: أنّ رسول الله ﷺ عرس بأولات الجيش ومعه عائشة، فانقطع عقد لها من جزع ظفار، فحبس الناس ابتغاء عقدها ذلك، حتى أضاء الفجر، وليس مع الناس ماء، فتغيظ عليها أبو بكر، وقد حبست الناس، وليس معهم ماء؛ فأنزل الله
[ ٢ / ٣٠٤ ]
تعالى رخصة التطهير بالصعيد الطيّب، فقام المسلمون مع رسول الله ﷺ فضربوا بأيديهم الأرض، ثم رفعوا أيديهم، ولم ينفضوا من التراب شيئا، فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكب، ومن بطون أيديهم إلى الآباط.
قال أبو داود: زاد ابن يحيى في حديثه: عن ابن شهاب، ولا يعتبر الناس بهذا، قال أبو داود: وكذلك رواه ابن إسحاق - يعني: عن الزهري - قال فيه: عن ابن عباس، وذكر ضربتين، كما ذكره يونس، ورواه معمر: ضربتين، وقال مالك: عن الزهري عن عبيد الله عن أبيه عن عمار، وكذلك قال أبو أويس، وشك فيه ابن عيينة، قال مرة: عن عبيد الله عن أبيه، أو عن عبد الله بن عباس: اضطرب فيه. ومرة قال: عن أبيه. ومرة قال: عن ابن عباس، اضطرب فيه، وفي سماعه من الزهري شك، ولم يذكر أحد منهم الضربتين [إلا من سميت، وذكره ابن ماجه أيضا] من جهة يونس عن ابن شهاب عن عبيد الله عن عمار، بلفظ: فأمر المسلمين، فضربوا أكفهم بالتراب، ولم يقبضوا من التراب شيئا، فمسحوا وجوههم مسحة واحدة، ثم عادوا، فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أخرى، فمسحوا أيديهم.
وفي قول أبي داود: ولم يذكر أحد منهم - يعني: من الرواة عن الزهري - إلا من سميت نظر؛ لأن ابن أبي ذئب رواه عنه كذلك، أنبأنا بحديثه أبو العباس أحمد بن وهب الشافعي، أنبأنا أبو الحسن بن سلامة، أنبأنا أحمد بن محمد البغوي، أنبأنا القاسم بن أحمد الأصبهاني، أنبأنا الحافظ أبو بكر بن مردويه، ثنا عبد الله بن إسحاق البغوي، ثنا أحمد بن ملاعب، ثنا عبد الصمد بن النعمان، ثنا ابن أبي ذئب به، وفي كتاب الكجي: قال سفيان: فرأيت إسماعيل بن أمية جاء إلى الزهري، فسأله عن
[ ٢ / ٣٠٥ ]
هذا الحديث، فأبى أن يحدثه، وقال: لم أسمعه إلا من عبيد الله بن عبد الله، فانظروا هل تجدونه من جانب آخر.
ولما سأل ابن أبي حاتم أباه وأبا زرعة عن حديث صالح بن كيسان وعبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن عمار في التيمم، فقالا: هذا خطأ، رواه مالك وابن عيينة عن الزهري عن عبيد الله عن أبيه عن عمار وهو الصحيح، وهما أحفظ، قلت: قد رواه يونس وعقيل وابن أبي ذئب عن الزهري عن عبيد الله عن عمار، وهم أصحاب الكتب، فقالا: مالك صاحب كتاب وصاحب حفظ، وأما ما زعمه ابن عساكر والمزي من أن ابن ماجه خرج في سننه عن محمد بن أبي عمر عن سفيان عن عمرو عن الزهري عن عبيد الله عن أنس عن عمّار به فغير صحيح؛ لأني لم أجده في كتابه، وفي التمهيد: كل ما يروى عن عمّار في هذا مضطرب مختلف فيه، وأكثر الآثار المرفوعة عنه ضربه واحدة للوجه واليدين.
وفي سؤالات أحمد بن أبي عبدة: قال أحمد في حديث عمّار هذا: هذا أثبت عندي، وقال عبد الحق: الصحيح المشهور في صفة التيمم من تعليم النبي ﷺ إنّما هو للوجه والكفين، وأقرّه على ذلك أبو الحسن؛ بل نظر فيه، وكذا قاله ابن الحصار في المدارك.
[ ٢ / ٣٠٦ ]
وقال إسحاق فيما ذكره أبو عيسى: حديث عمار للوجه والكفين حديث صحيح، وحديثه: تيممنا مع النبي ﷺ إلى المناكب والآباط، ليس هو بمخالف لحديث الوجه والكفين؛ لأنّ عمارا لم يذكر أن النبي ﷺ أمرهم بذلك، وإنما قال: فعلنا كذا وكذا، فلما سأل النبي ﷺ أمره بالوجه والكفين، ففي هذا دلالة أنه انتهى إلى ما علمه ﷺ.
وقال الإمام الشّافعي: ولا يجوز على عمار إذا ذكر تيممهم مع النبي ﷺ عند نزول الآية إلى المناكب، إن كان عن أمره - ﵇ - إلا أنه منسوخ عنده؛ إذ روى عن النبي ﷺ أنه أمر بالتيمم على الوجه والكفين، أو يكون لم يرو عنه إلا تيمما واحدا، فاختلف رواته عنه، فتكون رواية ابن الصمة التي لم تختلف أثبت، وإذا لم تختلف فأولى أن يؤخذ بها؛ لأنها أوفق لكتاب الله تعالى من الروايتين اللتين روينا مختلفتين، أو يكون إنما سمعوا آية التيمّم عند حضور الصلاة فتيمموا، فاحتاطوا، وأتوا على غاية ما يقع عليه اسم اليد؛ لأنّ ذلك لا يضرهم، كما لا يضرهم لو فعلوه في الوضوء، فلما صاروا إلى سؤاله - ﵇ - أخبرهم أنّهم يجزيهم من التيمم أقلّ مما فعلوا.
وهذا أولى المعاني عندي برواية ابن شهاب من حديث عمار بما وصف من الدلائل، والله تعالى أعلم.
وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن اختلاف حديث عمار في التيمم، وما الصحيح منها؟ فقال: رواه الثوري عن سلمة عن أبي مالك الغفاري عن عبد الرحمن بن أبزى عنه عن النبي ﷺ، ورواه شعبة عن الحكم عن ذر عن سعيد بن عبد الرحمن عن
[ ٢ / ٣٠٧ ]
أبيه عن عمار عن النبي ﷺ، ورواه شعبة عن سلمة عن ذر عن ابن عبد الرحمن عن أبيه عن عمار عن النبي ﷺ، ورواه حصين عن أبي مالك: سمعت عمارا يذكر التيمم موقوفا، قال أبي: الثوري أحفظ من شعبة، قلت لأبي: فحديث حصين عن أبي مالك؟ قال: الثوري أحفظ، ويحتمل أن يكون سمع أبو مالك من عمّار كلاما غير مرفوع، وسمع مرفوعا من عبد الرحمن بن أبزى عن عمار عن النبي ﷺ القصة، وفي كتاب ابن أبي حازم: حديث عمار لا يخلو إمّا أن يكون عن أمره - ﵇ - أو لا، فإن لم يكن عن أمره فقد صحّ عن النبي ﷺ خلافه، ولا حجة لأحد مع كلام النبي ﷺ، والحق أحق أن يتبع، وإن كان عن أمره فهو منسوخ، وناسخه أيضا حديث عمار - يعني: المذكور في الصحيح - مرفوعا: إنما كان يجزيك، وضرب ﷺ بيده الأرض إلى التراب، ثم قال: هكذا، فنفخ فيها، فمسح وجهه ويديه إلى المفصل، وليس فيه الذراعان، وهذا الحديث ظاهر الدلالة في النسخ لتأخّره عن الحديث الأوّل، فإن قيل: فلو كان عمار حفظ التيمم في أوّل الأمر، وكان الثّاني بعد الأوّل كما زعمتم لما اضطر عمار إلى التمرغ في التراب، قلت: إنّما أشكل الأمر على عمر وعمار لحصول الجنابة، فاعتزل عمر، وتمعك عمار ظنّا منه أنّ حالة الجنابة تخالف حالة الحدث الأصغر؛ إذ ليس في الحديث الأوّل ما يدلّ على أنّ القوم كانوا قد أصابتهم جنابة، وهم على غير ماء، فاحتاجوا إلى الوضوء، فأمروا بالوضوء.
ولفظ الدارقطني في حديثه: إذ سأل النبي ﷺ لما تمرغ في الصعيد كالدابة،
[ ٢ / ٣٠٨ ]
وضرب بكفه إلى الأرض، ثم نفضها، وقال: تمسح بها وجهك وكفيك إلى الرسغين، وقال: لم يروه عن حصين مرفوعا غير إبراهيم بن طهمان، وأوقفه شعبة وزائدة وغيرهما، ورواه أبو بكر الأثرم: ثم تمسح بوجهك وكفيك إلى الرسغة من رواية إبراهيم عن حصين، وفي لفظ لمسلم: ثم تمسح بهما وجهك وكفيك.
وفي لفظ لابن ماجه: فضربوا بأكفهم التراب، ولم يقبضوا من التراب شيئا، فمسحوا بوجوههم مسحة واحدة، ثم عادوا فضربوا بأكفهم الصّعيد مرة أخرى، فمسحوا بأيديهم.
وفي لفظ لأبي داود: ثم مسح وجهه والذراعين إلى نصف الساعد، ولم يبلغ المرفقين ضربة واحدة.
وفي رواية: شكّ سلمة بن كهيل، فقال: لا أدري فيه: إلى المرفقين، يعني: أو إلى الكعبين.
وقال شعبة: كان سلمة يقول: الكفين والوجه والذراعين، فقال له منصور ذات يوم: انظر ما تقول؛ فإنّه لا يذكر الذراعين غيرك.
وقال الطبراني في الأوسط: لم يروه عن الحكم بن عتيبة إلا سليمان بن أبي داود.
تفرد به محمد بن سليمان، فرجع إلى أبي داود، وفي رواية: إلا أنه لم ينفخ، وفي رواية: سألت النبي ﷺ عن التيمم، فأمرني به واحدة للوجه والكفين.
[ ٢ / ٣٠٩ ]
وفي كتاب الدارقطني: إلى المرفقين، قال الحربي: فذكرته لأحمد بن حنبل فعجب منه، وقال: ما أحسنه!.
وفي رواية لأبي داود: قال: إلى المرفقين، وفي إسناد هذه الرواية رجل مجهول، قال أبو القاسم في الأوسط: لم يرو هذا الحديث عن أبان بن يزيد العطار إلا عفّان، وقال أبو محمد بن حزم: والأخبار الثابتة كلها عن عمار بخلاف هذا، فسقط الخبر.
وفي لفظ للنسائي: ثم ضرب بيده على الأرض ضربة واحدة فمسح كفيه، ثم نفضهما، ثم ضرب بشماله على يمينه، وبيمينه على شماله، على وجهه وكفيه.
وفي المعرفة: قال الشافعي: ولو أعلمه ثابتا - يعني: الوجه والكفين - لم أعده، ولم أشك فيه، وفي الأوسط لابن مطير: ثنا محمد بن نوح بن حرب، ثنا يحيى بن غيلان، ثنا إبراهيم بن محمد الأسلمي، عن عتبة بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن عمار، أنه أصابته جنابة وليس معه ماء، فقال له النبي ﷺ: إنما يكفيك أن تمسح وجهك وكفيك بالتراب، ضربة للوجه وضربة للكفين.
وقال: لم يروه عن أبي عميس عتبة بن عبد الله إلا إبراهيم بن محمد، وفي
[ ٢ / ٣١٠ ]
المعجم الكبير له: وضربة لليدين إلى المنكبين ظهرا وبطنا، وفي لفظ: ومن بطون أيديهم إلى الآباط، وفي لفظ: إلى المناكب والآباط، وفي لفظ: إنما كان يكفيك من ذلك التيمم، فإذا قدرت على الماء اغتسلت.
وفي لفظ: عزبت في الإبل، فأجنبت، فأمرني رسول الله ﷺ أن أتيمّم، وكنت تمعكت في التراب حين أجنبت.
رواه عن أحمد بن الخضر المروزي، ثنا محمد بن عبدة المروزي، ثنا أبو معاذ النحوي الفضل بن خالد، ثنا أبو حمزة السكري، عن رقبة، عن أبي إسحاق، عن ناجية بن كعب عنه، وهو غير حديثه الذي في الصحيح؛ لأنّ ذلك وهو في غزاة، والله أعلم.
وفي كتاب الكنى للنسائي، أنه قال لعمر: أما تذكر أنا كنّا نتناوب رعية الإبل فأجنبت، الحديث.
وفي كتاب البيهقي: أجنبت في الرمل فتمعكت، الحديث.
وفي حديث عبد الله بن عمر: سلّم رجل على النبي ﷺ في سكة من السكك، وقد خرج من غائط أو بول، فسلم عليه فلم يرد عليه، حتى إذا كاد أن يتوارى ضرب بيديه على الحائط ومسح بهما وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه، ثم رد على الرجل السلام.
رواه أبو داود من حديث محمد بن ثابت العبدي عن نافع عنه، وقال في كتاب التفرّد: لم يتابع أحد محمد بن ثابت في هذه القصة على ضربتين عن النبي ﷺ، ورووه فعل ابن عمر، ورواية أبي الجهم نحو حديث ابن الهاد عن نافع عن ابن عمر، ورواه أيوب بن مالك، وعبيد الله، وقيس بن سعد، ويونس،
[ ٢ / ٣١١ ]
وابن أبي داود عن نافع عن ابن عمر: أنه تيمم ضربتين للوجه، قال أبو داود: جعلوه فعل ابن عمر، وسمعت أحمد يقول: روى محمد بن ثابت حديثا منكرا في التيمم، انتهى كلامه، وفيه نظر؛ من حيث إنّ حديث ابن أبي داود مرفوع لا موقوف، ذكره الشيرازي في الألقاب، فقال: ثنا أبو عمرو، ثنا محمد بن إبراهيم، ثنا موسى بن سعيد بن النعمان بن حبان الدنداني، ثنا أبو حذيفة موسى بن مسعود، عن ابن رواد به، بلفظ: التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين.
وقال الطبراني في الأوسط: لم يروه بهذا التمام عن نافع إلا العبدي.
وقال أبو أحمد بن عدي: خالف العبدي عبيد الله وأيوب والناس، فقالوا: عن نافع عن ابن عمر فعله.
وقال الخطابي: هذا حديث لا يصح؛ لأن محمدا ضعيف جدا، لا يحتج بحديثه.
وقال أبو بكر في كتاب المعرفة: رواه جماعة من الأئمة عن العبدي؛ منهم: يحيى بن يحيى، ومعلى بن منصور، وسعيد بن منصور، وغيرهم.
وقال مسلم بن إبراهيم في رواية موسى بن الحسن بن عباد عنه: ثنا، وأنكر البخاري رفع هذا الحديث، ورفعه غير منكر، فقد روى الضحاك بن عثمان عن نافع عن ابن عمر - يعني: الذي في صحيح مسلم - قصة السلام مرفوعة إلا أنه قصر بها، فلم يذكر التيمم.
ورواه يزيد بن عبد الله بن الهاد عن نافع عن ابن عمر، فذكر قصة السلام، وذكر
[ ٢ / ٣١٢ ]
قصة التيمم، إلا أنّه قال: ثم مسح وجهه ويديه، كما روى يحيى بن بكير عن الليث في حديث ابن الصمة، وإنّما تفرد العبدي من هذا الحديث بذكر الذراعين فيه دون غيره، وتيمم ابن عمر، وفتواه بذلك تؤكد رواية العبدي، وتشهد له بالصحة، فقد صار بهذه الشواهد معلوما أنه روى قصة السلام والتيمم، وهو لا يخالف النبي ﷺ فيما يروي عنه، فتيمّمه على الوجه والذراعين إلى المرفقين يدلّ على أنّه حفظه من النبي ﷺ، وأنّ العبدي حفظه من نافع.
أنبأ أبو سعيد، أنبأنا أبو العباس، أنبأنا الربيع، أنبأنا الشافعي، أنبأنا مالك عن نافع، أنه أقبل هو وابن عمر من الجرف، حتى إذا كان بالمربد نزل فتيمّم صعيدا، فمسح بوجهه ويديه إلى المرفقين، ثم صلى.
وروى عُبيد الله ويونس عن نافع عن ابن عمر، أنّه كان يقول: التيمم ضربتان؛ ضربة للوجه، وضربة للكفين إلى المرفقين.
قال: ورويناه أيضا عن جابر مرفوعا: التيمم ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين، انتهى كلامه.
وفيه نظر من وجوه:
وقال أبو زرعة: هذا حديث باطل.
الثاني: قوله: إنما ينفرد العبدي من هذا الحديث - يعني: حديث ابن عمر - بذكر الذراعين غير صحيح، لما نذكره بعد من رواية الشافعي من شرح السنة للبغوي، ولما ذكره أبو عبد الله في مستدركه شاهدا: ثنا أبو جعفر عبد الله بن إبراهيم، ثنا الهيثم بن خالد، ثنا أبو نعيم، ثنا سليمان بن الأرقم، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: تيممنا مع النبي ﷺ، فضربنا بأيدينا على الصعيد الطيب، ثم نفضنا أيدينا، فمسحنا بها وجوهنا، ثم ضربنا ضربة أخرى، ثم نفضنا أيدينا، فمسحنا بأيدينا من المرفق إلى الكف على منابت الشعر من ظاهر وباطن،
[ ٢ / ٣١٣ ]
ثم قال: هذا حديث مفسر، وإنما ذكرته شاهدا؛ لأن سليمان ليس من شرط هذا الكتاب، وقد اشترطنا إخراج مثله في الشواهد، ولفظ الدارقطني في سننه: وضربة للذراعين إلى المرفقين.
قال الحاكم: أنبأنا حمزة بن العباس العقبي ببغداد، ثنا محمد بن عيسى المدائني، ثنا شبابة بن سوار، ثنا سليمان بن أبي داود الحراني عن سالم ونافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ، أنه قال: التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين. سليمان بن أبي داود، إنّما ذكرنا في الشواهد.
ثنا علي بن عيسى بن عمرو الحرشي، ثنا محمد بن يحيى، ثنا علي بن ظبيان، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ، قال: التيمم ضربتان؛ ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين.
قد اتفق الشيخان على حديث الحكم عن ذر عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن عمر في التيمم، ولم يخرجاه بهذا اللفظ، ولا أعلم أحدا أسنده عن عبيد الله غير.
الثالث: قوله: ورويناه أيضا عن جابر من غير تعرّض للكلام عليه كعادته، حتى
[ ٢ / ٣١٥ ]
ننظر من سبب ضعفه، وعدم بلوغه مرتبة حديث العبدي، لا سيّما وذكر بعده، ولو صدر بذكره لكان أولى من حديث العبدي لصحته وعدالة رواته، رواه الحاكم في مستدركه عن ابن حمشاذ وابن بالويه، ثنا ابن إسحاق الحربي، ثنا أبو نعيم، ثنا عزرة بن ثابت عن أبي الزبير عن جابر، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ، فقال: أصابتني جنابة، وإني تمعكت في التراب، فقال: اضرب، فضرب بيديه الأرض، فمسح وجهه، ثم ضرب بيديه، فمسح بهما إلى المرفقين.
وثنا ابن حمشاذ وابن بالويه، ثنا الحربي، ثنا عثمان بن محمد الأنماطي، ثنا حرمي بن عمارة عن عزرة بن ثابت، بلفظ: قال النبي ﷺ: التيمم ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين.
قال: هذا إسناد صحيح، ورواه أبو بكر في مصنفه عن وكيع عن عزرة موقوفا، وأتبع ما ذكره عن ابن عمر موقوفا، ووقع ذكره عنده في موضع آخر مرفوعا، وقال أبو عبد الله النيسابوري: ورواه عن محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن سنان القزاز، ثنا عمرو بن محمد بن أبي رزين، ثنا هشام بن حسان عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، قال: رأيت النبي ﷺ بموضع، يقال له: مربد النعم يتيمم، وهو يرى بيوت المدينة.
قال: هذا حديث تفرد به ابن أبي رزين، وهو صدوق، ولم يخرجاه، وقد أوقفه الأنصاري، وغيره عن نافع عن ابن عمر، وأما قول أبي القاسم الطبراني: لم يروه بهذا التمام غير العبدي، ففيه نظر؛ لما أسلفناه من أنّ يزيد بن الهاد ذكره كذلك، وكذا رواه أبو الحسن، وفي الباب غير حديث؛ من ذلك: حديث أبي هريرة: أن
[ ٢ / ٣١٦ ]
ناسا من أهل البادية أتوا النبي ﷺ، فقالوا: إنا نكون بالرمال الأشهر الثلاثة والأربعة، ويكون فينا الحائض والجنب والنفساء، ولسنا نجد الماء، فقال: عليكم بالأرض.
رواه أبو القاسم في الأوسط من حديث المثنى بن الصباح عن الزهري عن سعيد عنه، وقال: لم يروه عن الزهري إلا المثنى، ولا رواه عن المثنى إلا حفص.
تفرّد به إبراهيم الشافعي، ورواه الثوري وعبد الرزاق وغيرهما عن المثنى عن عمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيب، وقال في موضع آخر من هذا الكتاب: ورواه عن شيخه أحمد بن محمد البزار، ثنا الحسن بن حمّاد، ثنا وكيع عن إبراهيم بن يزيد عن سليمان الأحول عن سعيد به: لا نعلم للأحول عن سعيد غير هذا، ولم يروه إلا وكيع عن إبراهيم بن يزيد، وقال البيهقي: هذا حديث يعرف بالمثنى عن عمرو، والمثنى غير قوي، وقد رواه الحجاج بن أرطاة عن عمرو، إلا أنه خالفه في الإسناد، فرواه عن عمرو عن أبيه عن جدّه، واختصر المتن، فجعل السؤال عن الرجل لا يقدر على الماء، أيجامع أهله؟ قال: نعم.
ورواه أبو الربيع السمان عن عمرو بن دينار عن ابن المسيب عن أبي هريرة، أن أعرابا، وأبو الربيع ضعيف.
قال ابن المديني: قلت لسفيان: إنّ أبا الربيع روى عن عمرو عن سعيد عن أبي هريرة: يعزب في إبله؟ فقال سفيان: إنما جاء بهذا المثنى عن عمرو بن شعيب، وإنّما قال عمرو بن
[ ٢ / ٣١٧ ]
دينار: سمعت جابر بن زيد يقوله، قال علي: قلت لسفيان: إنّ شعبة رواه هكذا عن جابر، فقال: كان شعبة من أهل الحفظ والصدق، ولم يكن ممن يريد الباطل.
وقد روي عن ابن أبي عروبة عن عمرو، وابن أبي عروبة إنّما سمعه من أبي الربيع عن عمرو، وروي من وجه آخر ضعيف من حديث عبد الله بن سلمة الأفطس عن الأعمش عن عمرو، والأفطس ضعيف، ولفظ أبي الفرج في التحقيق: ثم ضرب بيده على الأرض لوجهه ضربة واحدة، ثم ضرب ضربة أخرى، فمسح على يديه إلى المرفقين.
وهو معارض بما ذكره ابن أبي شيبة في مصنفه عن عباد بن العوّام عن برد عن سليمان بن موسى عن أبي هريرة، قال: لما نزلت آية التيمم لم أدر كيف أصنع، فأتيت النبي ﷺ فلم أجده، فانطلقت أطلبه، فلما رآني عرف الذي جئت له، فبال، ثم ضرب بيديه الأرض، فمسح بهما وجهه وكفيه.
وحديث الربيع بن بدر عليلة، عن أبيه، عن جده، عن الأسلع، ووصف كيف علمه النبي ﷺ التيمم، قال: فضرب بكفيه الأرض، ثم نفضهما، ثم مسح بهما وجهه، ثم أمر على لحيته، ثم أعادها إلى الأرض، فمسح بهما الأرض، ثم دلك إحداهما على الأرض، ثم مسح ذراعيه.
ذكره أبو الحسن المقرئ في سننه، وضعفه أبو حاتم الرازي في كتاب العلل، ذكر الباوردي أن بسببه نزلت آية التيمم، وقال ابن حزم: هذا الحديث في غاية السقوط، وفيه إشكال؛ لأن التيمم نزل قبل
[ ٢ / ٣١٨ ]
إسلامه، وفي تاريخ البرقي: أصابتني جنابة، فنزل عليه جبريل بالتيمم، فذكره، وهو مشكل أيضا.
وحديث أبي أمامة عن النبي ﷺ، أنه قال: في التيمم ضربة للوجه، وأخرى للذراعين.
ذكره عبد الله بن وهب في مسنده عن محمد بن عمرو اليافعي عن رجل حدثه عن جعفر بن الزبير عن القاسم بن عبد الرحمن عنه، قال ابن حزم: فيه علّتان:
إحداهما: ضعف القاسم.
الثانية: أن محمد بن عمرو لم يسم من أخبره عن جعفر، وقد دلسه بعض الناس عليه، فقال: عن محمد بن عمرو عن جعفر، ومحمد لم يدرك جعفرا فسقط هذا الخبر.
وحديث أبي ذر، قال: وضع رسول الله ﷺ يديه على الأرض، ثم نفضهما، ثم مسح وجهه ويديه إلى المرفقين.
ذكره أبو محمد الفارسي من طريق ابن جريج عن عطاء، حدثني رجل أنّ أبا ذر به، وقال: هذا خبر ساقط، قال ابن حزم: وقد روي من حديث عائشة وابن عمر، أنّ النبي ﷺ تيمم للوجه والكفين بضربتين، وليسا صحيحين:
أمّا الأول: فرواه الحريش بن الخريت، وهو ضعيف.
والثاني: فيه سليمان بن أبي داود الحراني، وهو مثله.
[ ٢ / ٣١٩ ]
وحديث ابن الصمة: أنّ النبي ﷺ تيمم، فمسح بوجهه وذراعيه.
رواه الشافعي عن إبراهيم بن محمد عن أبي الحويرث عن عبد الرحمن بن معاوية عن الأعرج عنه.
قال البيهقي: هو منقطع، الأعرج لم يسمعه من ابن الصمة، إنّما سمعه من عمير مولى ابن عباس.
وحديث ابن أبي الحمامة السلمي: أنه أتى النبي ﷺ، وهو في المسجد، فوضع يده على حائط المسجد، فمسح به وجهه وذراعيه، ثم دخل.
رواه أبو القاسم البغوي عن عثمان بن أبي شيبة عن جرير عن محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عتبة عن الحارث بن عبد الرحمن بن هشام عن أبيه، قال: أتى ابن أبي الحمامة، فذكره. وحديث عمار: أن رسول الله ﷺ، قال: إلى المرفقين.
ذكره البيهقي من حديث قتادة، قال: حدثني محدث عن الشعبي عن عبد الرحمن بن أبزى عنه، والله أعلم.
٧٧ - حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب، ثنا عبد العزيز بن أبي حازم وثنا أبو إسحاق الهروي، ثنا إسماعيل بن جعفر، جميعا عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا.
[ ٢ / ٣٢٠ ]
هذا حديث خرجه مسلم بلفظ: فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلّت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون.
ورواه الشافعي عن سفيان عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة، قال: ثم جلست إلى سفيان، فذكر هذا الحديث، فقال الزهري: عن أبي سلمة - أو سعيد - عن أبي هريرة، ولفظ ابن الجارود، وخرجه من حديث أنس بن مالك: جعلت لي من كل أرض طيبة مسجدا وطهورا، فرواه عن محمد بن يحيى، ثنا حجاج الأنماطي، ثنا حماد عن ثابت وحميد عنه، وفي البخاري من حديث جابر: أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، الحديث.
أنبأنا الإمام تاج الدين أحمد بن علي بن وهب القشيري - ﵀ - أنبأنا ابن بنت الحميري، قراءة عليه وأنا أسمع، أنبأنا الحافظ أبو طاهر، أنبأنا أبو عبد الله الثقفي، أنبأنا أبو الفتح هلال بن محمد، ثنا أبو عبد الله الحسين بن يحيى القطان، ثنا أبو الأشعث أحمد بن المقدام، ثنا يزيد بن زريع، ثنا سليمان التيمي، عن يسار، عن أبي أمامة، أن النبي ﷺ قال: إن الله تعالى قد فضلني على الأنبياء - أو قال: أمتي - على الأمم بأربع: أرسلني إلى الناس كافة، وجعل الأرض كلها لي ولأمتي طهورا ومسجدا، فأينما أدركت الرجل من أمتي الصلاة فعنده مسجده وعنده طهوره، ونصرت بالرعب يسير بين يدي مسيرة شهر، فقذف في قلوب أعدائي، وأحلّت لي الغنائم.
وفي كتاب أبي نعيم الأصبهاني - ﵀ - قال: كنا نحرس النبي ﷺ في بعض مغازيه، فجئت ذات ليلة إلى المكان الذي يكون فيه، فلم أجده في مضجعه،
[ ٢ / ٣٢١ ]
فعلمت أنه إِنما أقامته الصلاة، ورميت ببصري يمينا وشمالا، فإذا به قائما يصلي إلى شجرة، فهويت نحوه، فإذا رجل قبلي أخرجه الذي أخرجني، فقمت أنا وهو خلف النبي ﷺ نصلي بصلاته، فصلى ما شاء الله أن يصلي، حتى إذا كان بين ظهري صلاته سجد سجدة، فظننت أن قد قبض فيها فابتدرناه، فجلسنا بين يديه، أنا وصاحبي، فسألناه، فقال: هل أنكرتم من صلاتي الليلة شيئا؟ قلنا: نعم، سجدت بين ظهراني صلاتك سجدة حتى ظننا أنّك قد قبضت فيها، فقال: إني أعطيت فيها خمسا لم يعطهن نبي قبلي، فذكر الحديث، وفيه: وأعطيت دعوة ادخرتها شفاعة لأمتي، رواه من حديث حازم بن خزيمة عن مجاهد عنه، قال: وتابعه على هذا مزاحم بن زفر عن مجاهد عنه مختصرا، ورواه أيضا من حديث مزاحم بن زفر عن مجاهد عن أبي سعيد بنحوه مختصرا، وذكر أيضا حديث حذيفة، قال ﷺ: فضلنا على الناس بثلاث: جعلت لنا الأرض مسجدا، وجعلت تربتها لنا طهورا، رواه مسلم في صحيحه، وحديث ابن عباس، ولفظه: وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأوتيت الكوثر، رواه أبو داود، وذكر أيضا حديث ابن عمر بنحوه، ذكره أبو نعيم.
وحديث علي، قال ﷺ: أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء، فقلنا: ما هو يا رسول الله؟ قال: نصرت بالرعب، وأعطيت مفاتيح الأرض، وسميت أحمد، وجعل لي التراب طهورا، وجُعلت أمتي خير الأمم.
ذكره أحمد في مسنده من حديث ابن عقيل عن محمد بن علي عنه.
وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه: أن رسول الله ﷺ عام غزوة تبوك قام من الليل يصلي، فذكر حديثا، فيه: لقد أعطيت الليلة خمسا ما أعطيهن أحد كان قبلي، فذكر حديثا، وفيه: وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، أينما أدركتني الصلاة تمسّحت وصلّيت.
ورواه أحمد بن حنبل في
[ ٢ / ٣٢٢ ]
مسنده، وكذلك حديث أبي موسى بنحوه أيضا، وحديث ابن مسعود عند البيهقي بنحوه.
وفي حديث عائشة المذكور عند ابن ماجه بعد، وهو مخرج عند الشيخين: خرجنا مع النبي ﷺ في بعض المغازي حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي.
وفيه: فقال أسيد بن الحضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، وفي لفظ: جزاك الله خيرا، فوالله ما نزل بك أمر قط إلا جعل الله لك منه مخرجا، وجعل للمسلمين فيه بركة.
وفي كتاب التفرّد لأبي داود: فحضرت الصلاة، فصلوا بغير وضوء، فأتوا النبي ﷺ، فذكروا ذلك، فأنزلت آية التيمم، قال أبو داود: الذي تفرد به من هذا الحديث أنّهم لم يتركوا الصلاة حين لم يجدوا الماء، فصلُّوا بغير وضوء؛ لأنّ بعض الناس يقول: إذا لم تجد الماء لا تصل، قال أبو عمر: وهو أصح حديث روي في هذا الباب، قال: والسفر المذكور، يقال: إنه كان في غزوة بني المصطلق، وتسمى: المريسيع، وهو ماء لخزاعة، قال الواقدي: كانت سنة خمس، وقال ابن إسحاق: سنة ست، وقال ابن عقبة: أربع من الهجرة، وكذا ذكره ابن الجوزي عن أبي مخنف. ورواه هشام عن أبيه عند النسائي عن عائشة: أنها استعارت قلادة من أسماء، فانسلّت منها، وكان ذلك المكان، يقال له: الضلضل، كذا ضبطه البكري بضادين معجمتين، قال: وهو الصحيح، وزعم الجوهري إنه بالمهملتين، فأباه أبو عبيد.
[ ٢ / ٣٢٣ ]
وفي رواية هشام: قلادة، وقد سبق أنه عقد لها.
وفي كتاب الترمذي عن الحميدي عن سفيان، ثنا هشام به، وفيه: أنّ القلادة سقطت ليلة الأبواء، وفي معجم الطبراني بإسناد لا بأس به؛ بل لو حسن لم ينكر ذلك، ما يدلّ على أنّ عقدها سقط مرّتين، وأنّ التيمم نزل بعد الإفك، وكان الأول في سنة خمس، فيترجح قول من قال: كان التيمم سنة ست، وفيه بيان لقول أسيد: ما هي بأوّل بركتكم.
قال: ثنا القاسم بن عباد، ثنا محمد بن حميد الرازي، ثنا سلمة بن الفضل، وإبراهيم بن المختار عن محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة، قالت: لما كان من أمر عقدي ما كان، وقال أهل الإفك ما قالوا، خرجت مع رسول الله ﷺ في غزوة أخرى، فسقط أيضا عقدي حتى حبس الناس على التماسه، وطلع الفجر، فلقيت من أبي بكر ما شاء الله، وقال: يا بنية في كل سفر تكونين عناء وبلاء، ليس مع الناس ماء، فأنزل الله تعالى الرخصة في التيمم، فقال أبو بكر: يا بنية، إنك ما علمت لمباركة.
وذكر الإمام أبو محمد إسحاق بن إبراهيم البستي في تفسيره، أنّ القائل لها: ما أنزل بلاء بك النبي ﷺ، وفي الباب أحاديث منها: حديث عبد الله بن أبي أوفى.
ذكره ابن أبي حاتم في كتاب العلل.
وحديث سلمان عن النبي ﷺ، قال: تمسحوا بالأرض، فإنها بكم برة.
قال الطبراني في الأصغر: لم يروه عن الثوري عن عوف عن أبي عثمان إلا الفريابي، وقال البيهقي في السنن: هذا حديث غريب الإسناد والمتن.
وحديث معاذ: بال النبي ﷺ، فتيمم بالصعيد، فلم أره يمسح يديه ووجهه إلا مرّة. وأخرجه الطبراني في الكبير
[ ٢ / ٣٢٤ ]
من حديث محمد بن سعيد المصلوب.
التيمم في اللغة: القصد، قال القزاز: قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾ معناه: لا تقصدوا، ومنه قول الشاعر - يعني جندبا -:
تيممتها من أذرعات وأهلها … بيثرب أدنى دارها نظر عالي
.
يريد: قصدتها، ويروى: تنورتها؛ أي: نظرت إلى نارها، وهو أصوب.
وقال خفاف:
فإن تك خيلى قد أصيب صميمها … فعمدا على عيني تيمّمت مالكا
.
أي: قصدته، وقال تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ قالوا: معناه: اقصدوا الصعيد بالتمسح، وقال الخليل: التيمم يجري مجرى التوخي، يقول: تيمم أطيب ما عندك، فأطعمنا منه؛ أي: توخاه، وعلى هذا فسّر ما ذكرنا، وأجاز أن يكون التيمم: التعمد والقصد، وكثر هذا الاسم حتى صار اسما للتمسح بالتراب، والعرب تقول: تيممت الشيء تيمما، وتيممه تيمما، وأممته أما، قال الفراء: ولم أسمع فيها يممت بالتخفيف، ويقولون: يممت فلانا سيفي ورمحي: قصدته وتوخيته دون من سواه، وأنشد الخليل:
يممت بالرمح شزرا ثم قلت له … هذي لا لعب الزحاليق
.
قال: ومن أنشده: أممت، فقد أخطأ؛ لأنه قال: شزرا، والشزر لا يكون إلا من ناحية، ولم يقصد به أمامه، وفي الصحاح: تيممتك وتأممتك، وأنشد أبو بكر في الكتاب الزاهر:
وفي الأظعان آنسة لعوب … تيمم أهلها بلدا فساروا
.
وقال أمية بن أبي الصلت:
ليطلب الوتر أمثال ابن ذي يزن … تيمم البحر للأعداء أحوالا
.
[ ٢ / ٣٢٥ ]
وقال تعالى: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ ومعناه: ولا قاصدين، قال الشاعر:
إني كذلك إذا ما ساءني بلد … يممت صدر بعيري غيره بلدا
.
وقال غيره:
سل الربع أني يممت أم طارق … وهل عادة للربع أن يتكلّما
.
وقال الجاحظ في كتاب المردان تأليفه، ومنهم: عمرو بن الأعرج الأسلع الذي كان يرجل النبي ﷺ، فقال له يوما: إني جنب، وليس عندي ماء، فأنزل الله تعالى آية التيمم، انتهى. وهو قول غريب.
وأما قول ابن الجوزي: ظاهر حديث عائشة يدل على أنهما كانا مرتين؛ حيث قالت: سقط عقدي، وفي الآخر لأسماء، وليس كذلك، وهو معارض ما أسلفناه من عند الطبراني: لما كان من أمر عقدي ما كان، وقال أهل الإفك ما قالوا، خرجت مع النبي ﷺ في غزوة أخرى، فسقط أيضا عقدي، الحديث.
قال القاضي أبو بكر: قول عائشة: فنزلت آية التيمم، لا أدري أي آية أرادت؛ لأن في المائدة آية، وفي النساء آية.
وقال القرطبي: أولاها التي في النساء؛ لأن آيتها لا ذكر فيها للوضوء، والتي في المائدة ذكر فيها الوضوء.
وفي كتاب الحميدي عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة، فنزلت: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾.
وقال المازري - رحمه الله تعالى -: قال بعض أصحابنا: يباح السفر للتجارة، وإن أدى إلى التيمم، ويحتج له بهذا الحديث؛ لأنّ إقامتهم على التماس العقد ضرب من مصلحة المال وتنميته، وقال أبو عمر في كتاب التمهيد: فيه من الفقه خروج النساء
[ ٢ / ٣٢٦ ]
مع الرجال في الأسفار، وفي الغزوات، وذلك مباح إذا كان العسكر كثيرا، يؤمن عليه الغلبة، روى أبو داود عن أنس: كان النبي ﷺ يخرج بأم سليم ونسوة من الأنصار يسقين الجرحى.
وأجمع علماء الأمصار بالمشرق والمغرب - فيما علمت - أن التيمم بالصعيد عند عدم الماء طهور لكل مسلم مريض أو مسافر، وسواء كان جُنبا أو على غير وضوء، لا يختلفون في ذلك، وقد كان عمر بن الخطاب وابن مسعود يقولان: الجنب لا يطهره إلا الماء، ولا يستبيح بالتيمم صلاة؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، وقوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾.
وذهبا إلى أن الجنب لم يدخل في المعنى المراد بقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾.
ولم يتعلّق بقولهما في هذه المسألة أحد من فقهاء الأمصار من أهل الرأي وحملة الآثار، انتهى كلامه.
وفي شرح المهذب للنووي: قد ذكروا رجوع عمر وابن مسعود عن ذلك.
قال أبو عمر: واختلف العلماء في كيفية التيمم، فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم والثوري وابن أبي سلمة والليث: ضربتان للوجه، وضربة يمسح بهما إلى المرفقين، يمسح اليمنى باليسرى واليسرى باليمنى، والفرض عند مالك إلى الكوعين والاختيار إلى المرفقين، وسائر من ذكرنا معه يرون بلوغ المرفقين بالتيمم فرضا واجبا، وقال الأوزاعي: التيمم ضربتان؛ ضربة للوجه وضربة لليدين إلى الكوعين، وهما الرسغان، وروي ذلك عن علي، وقد روي عن
[ ٢ / ٣٢٧ ]
الأوزاعي، وهو أشهر أنّ التيمم ضربة واحدة يمسح بها وجهه ويديه إلى الكوعين، وهو قول عطاء والشعبي في رواية، وبه قال أحمد وإسحاق وداود بن علي والطبري، وهو أثبت ما روي في ذلك عن عمّار، رواه شقيق عن أبي موسى عن عمار، ولم يختلف في حديث أبي وائل هذا.
وسائر أحاديث عمار مختلف فيها، وقال الحسن بن حي وابن أبي ليلى: التيمم ضربتان، يمسح بكلّ ضربة منهما وجهه وذراعيه ومرفقيه. ولم يقل ذلك أحد من أهل العلم غيرهما في علمي. وقال الزهري: يبلغ بالتيمم الآباط، ولم يقله غيره.
وفي بعض ألفاظ أبي داود: أنّ النبي ﷺ مسح إلى أنصاف ذراعيه.
قال ابن عطية: لم يقل أحد بهذا الحديث فيما حفظت. وفي شرح الأحكام لابن بزيزة: وقالت طائفة من العلماء: أربع ضربات؛ ضربتان للوجه، وضربتان لليدين، قال: وليس له أصل من السنة.
قال: وقال بعض العلماء: تيمم الجنب إلى المنكب وغيره إلى الكوعين، قال: وهو قول ضعيف.
وفي كتاب ابن رشد: رواية عن مالك الاستحباب إلى المرفقين، والفرض الكفان.
قال أبو عمر: واختلفوا في الصعيد، فقال مالك وأصحابه: الصعيد وجه الأرض.
قال ابن خويز بنداد: الصعيد عندنا وجه الأرض، وكل أرض جائز التيمم عليها صحراء كانت، أو معدنا، أو ترابا، قال: وبذلك قال أبو حنيفة والأوزاعي والطبري، قال: ويجوز عند مالك على الحشيش إذا كان دون الأرض، واختلفت الرواية عنه في التيمم على الثلح، فأجازه مرة ومنعه أخرى، قال: وكل ما صعد على وجه الأرض فهو صعيد، والحجة في ذلك قوله تعالى: ﴿صَعِيدًا جُرُزًا﴾ يعني: أرضا غليظة لا تنبت شيئا، و﴿صَعِيدًا زَلَقًا﴾.
وقال ﷺ: يحشر الناس على صعيد واحد أي: أرض واحدة، وفي الصحاح: الصعيد: التراب.
وقال ثعلب: وجه الأرض، والجمع صُعُد وصعدات.
وفي الجمهرة: هو التراب
[ ٢ / ٣٢٨ ]
الذي لا يخالطه رمل ولا سبخ، هذا قول أبي عبيدة.
وقيل: هو الظاهر من وجه الأرض، وكذا فسّر قوله: ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾.
وفي الجامع: جمع الصعيد: صعد، وجمع الصعد: صعدات، وفي الزاهر لمحمد بن القاسم: الصعيد وجه الأرض، قال الشاعر:
قتلى حنوطهم الصعيد وغسلهم … نجع الترائب والرءوس تقطف
.
وقال الشافعي وأبو يوسف وداود فيما ذكره أبو عمر: الصعيد: التراب؛ ولا يجزئ عندهم التيمّم بغيره، قال الشّافعي: لا يقع الصعيد إلا على تراب ذي غبار، فأمّا الصحراء الغليظة والرقيقة والكثيب الغليظ، فلا يقع عليه اسم صعيد، انتهى. وما أسلفناه يرد هذا.
قال: وأجمع العلماء على أنّ التيمم بالتراب ذي الغبار جائز، وقال ﷺ في الأرض: وتربتها لنا طهور، وهو مخرج في صحيح أبي عوانة الإسفرائيني، وهو يقضي على قوله: مسجدا وطهورا ويفسره، وسُئل ابن عباس: أي الصعيد أطيب؟ فقال: الحرث، وجماعة العلماء على إجازة التيمم بالسباخ إلا إسحاق، انتهى.
وهو محجوج بما نذكره من عند ابن خزيمة بعد، قال أبو عمر: وقال الثوري وأحمد: يجوز التيمم بغبار اللبد والثوب خلافا لمالك.
وفي تفسير النقاش: جوّز ابن علية وابن كيسان التيمم بالمسك والزعفران.
وفي حلية الشّاشي: ولا يجوز
[ ٢ / ٣٢٩ ]
التيمم بتراب خالطه دقيق أو جص.
وقيل: يجوز إذا كان التراب غالبا.
وأجمع العلماء على أنّ التيمّم لا يرفع الجنابة، ولا الحدث إذا وجد الماء، وأنّ المتيمّم للجنابة أو للحدث إذا وجد الماء عاد جنبا أو محدثا كما كان، واختلفوا إذا رأى الماء بعد دخوله في الصلاة، فقال مالك: يتمادى في صلاته، وقال أبو حنيفة وأصحابه وأحمد والمزني وغيرهم: يقطع تلك الصلاة، ويخرج إلى استعمال الماء، واختلفوا في التيمم في الحضر، فذهب مالك وأصحابه إلى أنّ التيمم في الحضر والسفر سواء إذا عدم الماء أو تعذّر استعماله، وهو قول أبي حنيفة ومحمد، وقال الشّافعي: لا يجوز للحاضر الصحيح أن يتيمم إلا أن يخاف التلف، وبه قال الطبري، وقال أبو يوسف وزفر: لا يجوز التيمم في الحضر لا لمرض ولا لخوف خروج الوقت.
وقال عطاء: لا يتيمّم المريض ولا غير المريض إذا وجد الماء؛ لأنّ الله تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ فلم يبح التيمم إلا عند فقد الماء.
قال أبو عمر: ولولا قول الجمهور وما روي من الأثر لكان قوله صحيحا، واختلفوا أيضا في التيمم: هل تصلى به الصلوات، أم يلزم التيمم لكل صلاة فرض؟ فقال شريك القاضي: يتيمم لكل صلاة نافلة وفريضة، ولم يختلف قول مالك وأصحابه فيمن تيمم لصلاة فصلاها، فلما سلم منها ذكر صلاة نسيها أنّه يتيمّم لها.
واختلفوا فيمن صلى صلاتي فرض بتيمم واحد، فروى يحيى عن ابن القاسم فيمن صلى صلوات كثيرة بتيمم واحد، أنه يعيد الصلاة على ما زاد على واحدة في الوقت، واستحب أن يعيد أبدا.
وروى ابن أبي زيد عنه أنه يعيد أبدا، وقال أصبغ: إن جمع بين صلاتين بتيمم واحد، نظر فإن كانتا مشتركتين [في الوقت أعاد الآخرة، وإن كانتا غير
[ ٢ / ٣٣٠ ]
مشتركتين] أعاد الثانية أبدا.
وقال أبو حنيفة والثوري والليث والحسن بن حي وداود: يصلي ما شاء بتيمم واحد ما لم يحدث ما لم يجد الماء، وليس عليه طلب الماء إذا يئس منه، والله تعالى أعلم.
[ ٢ / ٣٣١ ]