٨٦ - حدّثنا إسماعيل بن محمد الطلحي، ثنا روح بن عبادة، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن بن حضين بن المنذر بن الحارث بن وعلة أبي ساسات الرقاشي، عن المهاجر بن قنفذ بن عمير بن جذعان، قال: أتيت النبي - ﷺ - وهو يتوضأ فسلّمت عليه، فلم يرد عليّ، فلما فرغ من وضوئه، قال: إنه لم يمنعني من أن أرد عليك إلا أني كنت على غير وضوء.
هذا حديث قال فيه الحاكم لما أخرجه في مستدركه من حديث عبد الأعلى بن عبد الأعلى، وعبد الله بن خيران، قالا ثنا سعيد به: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه بهذا اللفظ.
وفيه نظر من وجهين:
.
الثاني: ينظر في سعيد؛ فإنه ممن اختلط اختلاطًا قبيحًا، ولا نعلم من سمع منه أولا ممن سمع منه أخيرًا، ولم يذكر الحديث من رواية غيره ليكون متابعا له، والله أعلم.
وذكره ابن حبان في صحيحه: عن ابن خزيمة، ثنا محمد بن مثنى، ثنا عبد الأعلى به.
ورواه أبو أحمد العسكري من حديث مكي بن إبراهيم، عن سعيد،
[ ١ / ٢٣٨ ]
وزاد: ولا تسلم علي وأنا في مثل هذه الحالة، فإنّك إن سلّمت علي لم أرد عليك.
وذكر البغوي في معجمه أن معاذ بن معاذ رواه عن قتادة، عن حضين من غير ذكر الحسن.
قال: ورواه الخفاف، فأثبت فيه الحسن، كذا قال.
والبزار ذكر رواية معاذ بن معاذ عن ابن مثنى عنه بثبوت الحسن، وكذلك ذكره أبو القاسم في الكبير من حديث معاذ بن هشام، والله أعلم.
وهذا الحديث معدود مما جوده قتادة، ورواه عنه شعبة والدستوائي، كما رواه ابن أبي عروبة، فذهب ما كنا نخشاه من اختلاطه، فكأنه غير موجود، والله أعلم.
وقد روي عن الحسن عن مهاجر مرسلا فيما ذكره الطبراني، قال ذلك عنه حميد، ويونس، وعبد الله بن المختار، وزياد الأعلم، وأبو عبيدة بن مجاعة، والحسن بن دينار، فيما ذكره ابن قانع، ولفظه: فقمت مهمومًا، فدعا بوضوءٍ فتوضَّأ ورد عليّ، وقال: إني كرهت أن أذكر الله تعالى وأنا على غير وضوء.
ورواه أبو عبيدة الناجي، وهو ليِّن الحديث عن الحسن عن البراء، مخالفا لرواية الجميع، وحضين هذا بضاد معجمة، اسم مفرد فيما قاله البرذعي، وقيل فيه: بصاد مهملة، وهو قليل، كنيته أبو محمد، ولقبه أبو ساسان فيما ذكره الحاكم، وأبو حاتم، والسراج في مسنده، وابن حبان، وكان من أصحاب أمير المؤمنين علي، وفيه يقول، وكانت رايته معه:
لمن راية سوداء يخفق ظلها … إذا قيل قدمها حضين تقدّما
وفي التاريخ الأوسط للبخاري: وقال علي بن سويد بن منجوف: تعيشنا مع يزيد بن المهلب ومعنا حضين، ذكر ذلك في ترجمة مَنْ مات بين المائة إلى عشر
[ ١ / ٢٣٩ ]
ومائة.
وأما المهاجر فاسمه عمرو، قال العسكري: سُمّي بذلك لما قَدم على النبي - ﷺ - يوم الفتح، فقال - ﵇ -: هذا المهاجر حقًّا.
وبنحوه قاله ابن سعد: ابن قنفذ، واسمه خلف، قال الطبراني: يقال له: شارب الذهب، أيضًا ابن عمير بن جذعان.
٨٧ - حدّثنا هشام بن عمار، ثنا مسلمة بن علي، ثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: مرّ رجل على النبي - ﷺ - وهو يبول، فسلّم عليه فلم يرد، فلما فرغ ضرب بكفيه الأرض، فتيمم، ثم ردّ ﵇.
هذا حديث قال فيه أبو القاسم الطبراني لما ذكره في الأوسط من حديث هشام: لم يروه عن الأوزاعي إلا مسلمة، تفرّد به هشام،.
٨٨ - حدّثنا سويد بن سعيد، نا عيسى بن يونس، عن هاشم بن البريد، عن
[ ١ / ٢٤٠ ]
عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله: أنّ رجلا مرّ على النبي - ﷺ - وهو يبول فسلم عليه، فقال له رسول الله - ﷺ -: إذا رأيتني على مثل هذه الحالة فلا تسلم علي، فإنك إن فعلت ذلك لم أردّ عليك.
هذا حديث إسناده لا بأس به. هاشم وثقه ابن معين وابن حبان، وقال الإِمام أحمد: لا بأس به، وابن عقيل تقدّم ذكره، وأن جماعة كانوا يحتجون بحديثهم، منهم: أحمد، وإسحاق، مع ما عضد حديثه من المتابعات والشواهد، والله أعلم.
٨٩ - حدّثنا عبد الله بن سعيد، والحسين بن أبي السري العسقلاني، قالا: ثنا أبو داود، عن سفيان، عن الضحاك بن عثمان، عن نافع، عن ابن عمر: مرّ رجل على رسول الله - ﷺ - وهو يبول، فسلم عليه، فلم يرد عليه.
هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه. وقال فيه الترمذي: صحيح، وهو أحسن شيء في الباب. وقال ابن منده: هذا إسناد صحيح، خرجه الجماعة إلا البخاري للضحاك بن عثمان، وأخرجه أيضًا أبو عوانة في صحيحه.
وقال أبو داود بإثر تخريجه: وروي عن ابن عمر وغيره أن النبي - ﷺ - تيمّم، ثم ردّ على الرجل السلام.
وفي الأوسط لأبي القاسم ما يدل على أن الضحاك رواه عن نافع مختصرًا، وهو ما رواه من حديث محمد بن ثابت، عن نافع قال: انطلقت مع ابن عمر في حاجته إلى ابن عباس، فقضى ابن عمر حاجته من ابن عباس، وكان حديثه يومئذ أن قال: مرّ رجل على النبي - ﷺ - وهو في سكة من السكك، وقد خرج من بول أو غائط، فسلّم عليه فلم يرد ﵇، حتى إذا كاد الرجل أن يتوارى في السكة
[ ١ / ٢٤١ ]
ضرب بيديه على الحائط، فمسح وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى بيده على الحائط فمسح ذراعيه، ثم رد على الرجل السلام، وقال: إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني لم أكن على طهر.
وقال: لم يروه بهذا التمام عن نافع إلا محمد بن ثابت، وسيأتي له مزيد بيان في كتاب التيمم، وأن أبا داود خرجه.
ورواه الإِمام الشافعي - رحمه الله تعالى - في مسنده، عن إبراهيم بن محمد: أخبرني أبو بكر بن عمر بن عبد الرحمن، عن نافع، عن ابن عمر: أن رجلًا مر على النبي - ﷺ - وهو يبول، فسلم عليه الرجل، فرد ﵇، فلما جاوزه ناداه النبي - ﵇ - فقال: إنما حملني على الردّ عليك خشية أن تذهب فتقول: إني سلّمت على النبي - ﵇ - فلم يرد علي، فإذا رأيتني على هذه الحالة، فلا تسلم علي، فإنك إن تفعل لا أردّ عليك.
وهذا لو صح إسناده، وسلم من إبراهيم لكان مخالفًا للأول، ولَكنّه عدم الصحة، وقد وقع لنا من طريق سالمة من إبراهيم، ذكرها البزار في مسنده، فقال: ثنا سعيد بن سلمة، ثنا أبو بكر، فصح الحديث والمخالفة؛ ولهذا، ولكن حديث مسلم أصح، ولعلّه كان ذلك في موطنين، وإنما قال ذلك لأجل المعارضة الظاهرة.
واعترض عليه أبو الحسن بن القطان بأن قال: ما قاله عبد الحق تصحيح للخبر مطلقا نطقا لا سكوتا، وإن كان رجح عليه حديث مسلم، فقد يُرجح في ذلك، والتمس له مخرجًا بجعله إيّاه في موطن آخر وقصة أخرى.
وهذا الذي ذكره في أبي بكر ينبغي أن يتوقف فيه؛ فإنه لا يعلم منه أكثر من أنه من ولد عبد الله بن عمر؛ فمن أين له هذا النسب؟ وأنّه الذي روى عنه مالك، وقد كان مانعا له من أن يقول ذلك، لو ثبت أنَّ الذي في الإِسناد يروى عن نافع، والذي توهمه أنه معلوم
[ ١ / ٢٤٢ ]
الرواية عن ابن عمر، روى عنه مالك، وابن طهمان، وإسحاق بن شرفَى، وعبيد الله بن عمر. انتهى كلامه.
وفيه نظر، وذلك أنَّ عبد الحق - رحمه الله تعالى - احترز بقوله فيما أعلم، فسلم من هذا الإِيراد؛ لكونه لم يجزم به، وعلى ذلك فهو كما قاله.
صرّح بذلك الإِمام الشافعي كما سبق، وناهيك به جلالة ونُبلا، ولعل قائلا يقول: إنّما ساق نسبه إبراهيم، وهو ضعيف لا يحتج به، فلو استظهرت على ذلك بكلام عنه لثلج بذلك الصدر، فيقال له: قد ذكر ذلك غير واحد في مصنفه، منهم: ابن الجارود في كتاب المنتقى، فقال: ثنا محمد بن يحيى، ثنا عبد الله بن رجاء، ثنا سعيد - يعني ابن سلمة - حدّثني أبو بكر، هو ابن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب. فذكره.
وكذلك أبو العباس السراج في مسنده، فقال: نا محمد بن إدريس، نا ابن رجاء، ثنا سعيد، ثنا أبو بكر بن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، ثنا نافع. فذكره.
فذهب بحمد الله ما توهمه على أبي محمد، وصحَّ بما ذكرناه الحديث؛ لأن سعيدا وأبا بكر حديثهما في الصحيح، والله أعلم.
وأما المعارضة فيحتمل أن يكون الرد كان بعد التيمم، كما جاء في رواية غير أبي بكر، عن نافع.
وزعم الطحاوي في شرح الآثار أن حديث المنع من رد السلام منسوخ بآية الوضوء، وقيل: بحديث عائشة: كان يذكر الله تعالى على كل أحيانه، وقد جاء ذلك مصرحا به في حديث رواه جابر الجعفي، عن عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن حزم، عن عبد الله بن علقمة بن الفغواء، عن أبيه قال: كان النبي - ﷺ - إذا أراد الماء، نكلّمه فلا يكلّمنا، ونسلم عليه فلا يسلم علينا، حتى نزلت آية الرخصة
[ ١ / ٢٤٣ ]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾، وزعم الحسن أنه ليس منسوخا، وتمسك بمقتضاه فأوجب الطهارة للذكر، ومنعه للمحدث، ثم ناقض بإيجابه للتسمية للطهارتين، فإنه مستلزم لإيقاع الذكر حالة الحدث، وروي عن عمر إيجاب الطهارة للذكر. وقيل: يتأوّل الخبر على الاستحباب؛ لأن ابن عمر راويه رأى ذلك، والصحابي الراوي أعلم بالمقصود، وهو حسن إن لم يثبت حديث جابر الجعفي لتضمنه الجمع بين الأدلة.
وفي حديث جابر بن سمرة ذكر الوضوء لا التيمم. ذكره أبو القاسم في الأوسط من حديث الفضل بن أبي حسان، ثنا عمرو بن حماد بن طلحة القناد، نا أسباط بن نصر، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة قال: دخلت على النبي - ﷺ - وهو يبول، فسلمت عليه فلم يردّ علي، ثم دخل إلى بيته فتوضأ ثم خرج، فقال: وعليك السلام قال: لا يُروَى عن جابر إلا بهذا الإِسناد. تفرد به الفضل.
وذكر الخطابي أن السلام الذي يتحيّا به الناس اسم من أسماء الله ﷿، جاء ذلك في حديث رواه أبو هريرة مرفوعا: السلام اسم من أسماء الله تعالى، فأفشوه بينكم، كذا ذكره، والذي رأيت في حديث أبي هريرة: السلام اسم من أسماء الله تعالى، وضعه في الأرض تحية لأهل ديننا، وأمانًا لأهل ذمتنا، قال فيه الطبراني في الأوسط: لم يروه عن يحيى بن سعيد الأنصاري، يعني عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، إلا عصمة بن محمد الأنصاري، تفرد به محمد بن يحيى الأنيسي.
وذكر الحليمي في المنهاج معنى السلام: السالم من المعايب؛ إذ هي غير جائزة على القديم، فإن جوازها على المصنوعات؛ لأنّها أحداث وبدائع، فكما جاز أن يوجدوا بعد أن لم يكونوا موجودين، جاز أن يعدموا ما وجدوا، والقديم لا علّة لوجوده، فلا يجوز التغير عليه، ولا يمكن أن يعارضه
[ ١ / ٢٤٤ ]
نقص، أو شين، أو تكون له صفة تخالف الفضل والكمال.
وفي كتاب القزاز: وقول القائل: السلام عليكم، يريد اسم الله عليكم، قال لبيد يخاطب ابنته:
إلى الحول ثم اسم السلام عليكم … ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
يريد: اسم الله عليكم. وقيل: معنى السلام عليك، أي: سلمت مني لا أنالك بيدي ولا لساني.
وقيل: معناه السلامة من الله.
وقيل: هو الرحمة.
وقيل: هو الإيمان.
وقيل: الصلح.
قال الخطابي: وفي الحديث من الفقه أن يتيمم لغير مرض، ولا جرح، وإليه ذهب الأوزاعي في الجنب يخاف إن اغتسل أن تطلع الشمس، قال: يتيمم ويصلي قبل فوات الوقت، وبه قال مالك في بعض الروايات.
ومذهبنا أن ذلك في الجنازة والعيدين.
قال أبو سليمان: وفيه حجة للشّافعي فيمن كان محبوسًا في حَش أو نحوه، فلم يقدر على الطهارة بالماء، أنه يتيمم ويصلي على حسب الإِمكان، إلَّا أنه لا يرى عليه الإعادة إذا قدر عليها، وكذلك قال في المصلوب، وفيمن لا يجد ماءً ولا ترابًا، إلَّا أنه يعيد.
وفيه المنع من ذكر الله تعالى على الخلاء، ولو بسبب، كالعطاس والموافقة في الأذان، وهو مذهبنا ومذهب الشّافعي وأحمد، خلافًا لقوم من السلف ومالك في حمد العاطس.
[ ١ / ٢٤٥ ]