١٠٦ - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو الأحوص، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: اغتسل بعض أزواج النبي - ﷺ - في جفنة، فجاء النبي - ﷺ - ليغتسل أو يتوضأ، فقالت: يا رسول الله إني كنت جنبا، فقال: إن الماء لا يجنب.
هذا حديث اختلف في تصحيحه وتضعيفه؛ فممن صححه: أبو عيسى، فإنّه لما خرجه قال فيه: حسن صحيح، وخرجه أبو حاتم في صحيحه عن عمر بن إسماعيل الثقفي ببغداد، ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا أبو الأحوص، عن سماك، أنا أبو يعلى نا أبو معمر القطيعي، نا أبو الأحوص، أنا الحسن بن سفيان، ثنا حبان بن موسى، أنا عبد الله، عن سفْيان، ثنا سماك، فذكره مختصرا.
قال: ولم يقل أحد عن سماك: في جفنة غير أبي الأحوص، ولما خرجه ابن خزيمة في صحيحه من حديث محمد بن يحيى وأحمد بن المقدام قالا: ثنا محمد بن بكر، ثنا شعبة، عن سماك به. ولفظه: الماء لا ينجسه شيء.
قال: هذا حديث أحمد بن المقدام، وخرجه الحاكم من حديث سفيان، وشعبة عن سماك، وقال: قد احتج البخاري بأحاديث عكرمة، ومسلم بسماك، وهذا حديث صحيح ولم يخرجاه ولا يحفظ له علّة.
وفي الخلافيات: وروي مرسلًا، ومن أسنده أحفظ، وروى مسلم معناه في صحيحه من حديث عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس أن النبي - ﷺ -: كان يغتسل بفضل ميمونة. وفي بعض طرقه، عن عمرو: أكبر علمي، والذي
[ ١ / ٢٨٥ ]
يخطر على بالي أن أبا الشعثاء أخبرني عن ابن عباس، وذلك يوجب تعليله، والله أعلم.
لكن ذكر أبو عوانة في صحيحه: أنا عمرو، أنا جابر أبو الشعثاء سمع ابن عباس … فذكره. وقال: قال سفيان: هذا الإسناد كان يعجب به شعبة. أخبرني سمعت كأنه اشتهى توصيله؛ فزالت تلك العَلّة، والله أعلم.
ولما أخرجه البزار من طريقهما قال: وهذا الحديث لا نعلم أحدا أسنده عن شعبة إلَّا محمد بن بكر، ورواه غيره عنه مرسلا، وقد رواه جماعة عن سماك، واقتصرنا على هذين، ولا نعلمه يُروى عن ابن عباس إلَّا من هذا الوجه.
وخرجه ابن الجارود في المنتقى من حديث سفيان، وممن ضعفه الإِمام أحمد بن حنبل بقوله: هذا حديث مضطرب. ذكره عنه الأثرم في سؤالاته.
وفي رواية الميموني عنه: لم يجئ بحديث سماك غيره، والمعروف أنهما اغتسلا جميعا.
وقال أبو طالب: قال أحمد: هذا فيه اختلاف شديد، بعضهم يرفعه وبعضهم لا يرفعه، وأكثر أصحاب النبي - ﷺ - يقولون: إذا خلت فلا يتوضأ منه.
وقال ابن حزم: لا يصح لأن سماك كان يقبل التلقين، شهد عليه بذلك شعبة وغيره، وهذه جرحة ظاهرة، وذكره ابن ماجه في موضع آخر، والدارقطني في سننه من حديث شريك عن سماك، فجعله من مسند ميمونة.
قال ابن القطان: فعلى هذا يجب أن تكون رواية غيره مرسلة، وتبين برواية شريك أن ابن عباس لم يشهد ذلك، إنّما تلقاه من خالته ميمونة. انتهى.
ويجاب عن الاضطراب بأن ذلك لا يقدح إلا مع التساوي، ولا تساوي هنا؛ لأنّ من أرسله لا يقاوم من رفعه، أعني بذلك شعبة وسفيان، ويجاب عن قول ابن حزم بأن شعبة الذي شهد على سماك بالتلقين كان لا يقبل منه حديثا ملقنا فيما أخبر
[ ١ / ٢٨٦ ]
بذلك عن نفسه، حكاه عبد الحق الإشبيلي، فصح حديثه بهذا الاعتبار.
ويجاب عن قول ابن القطان بأمرين:
الأول: شريك لا يقاس بشعبة والثوري.
والثاني: على تقدير صحة حديثه، فكان ماذا؟! قصاراه أن نقول: هو مرسل صحابي، ولئن كان ذلك فلا ضير؛ لكونه مسندا على الصحيح، ومن المعلوم أنّ ابن عباس لم يكن ليشهد مثل هذا من المصطفى - ﷺ - لكونه غير جائز له، والله أعلم.
فتبين بمجموع ما تقدم أن قول من صححه راجح على قول من ضعفه؛ بل هو الصواب، والله تعالى أعلم.
وأما قول ابن حبان: لم يقل أحد عن سماك: في جفنة غير أبي الأحوص، فيشبه أن يكون ليس كذلك؛ لأن الدارمي ذكر في مسنده: ثنا يحيى بن حسان، عن يزيد بن عطاء، عن سماك، عن عكرمة به، وفيه ذكر الجفنة، ثم قال: ونا عبيد الله، عن سفيان، عن سماك بنحوه، اللهم إلَّا أن يكون أراد بالغير ثقة، فلا يردّ عليه حديث يزيد هذا لضعفه، والله أعلم.
[ ١ / ٢٨٧ ]