٥٨ - حدّثنا هشام بن عمار، ثنا عبد الحميد بن حبيب، ثنا الأوزاعي، حدثني يحيى بن سعيد الأنصاري. (ح) وثنا أبو بكر بن خلاد، ومحمد بن يحيى قالا: نا يزيد بن هارون، أنا يحيى بن سعيد، أن محمد بن يحيى بن حبان أخبره أن عمّه واسع بن حبان أخبره أن عبد الله بن عمر قال: يقول أناس: إذا قعدت للغائط فلا تستقبل القبلة، ولقد ظهرت يوما من الأيام على ظهر بيتنا، فرأيت رسول الله - ﷺ - قاعدا على لبنتين مستقبل بيت المقدس.
هذا حديث يزيد بن هارون، خرج هذا الحديث الأئمة الستة في كتبهم، وفي حديث البخاري: فلا تستقبل القبلة، ولا بيت المقدس.
وفي حديث أبي صالح كاتب الليث، عن الليث، عن ابن عجلان، عن محمد بن يحيى بن حبان: يقضي حاجته محجر عليه بلبن، ذكره أبو محمد بن حزم، وصححه.
٥٩ - حدثنا محمد بن يحيى، ثنا عبيد الله بن موسى، عن عيسى الحناط، عن نافع، عن ابن عمر قال: رأيت رسول الله - ﷺ - في كنيف مستقبل القبلة.
قال عيسى: فقلت ذلك للشعبي فقال: صدق ابن عمر، وصدق أبو هريرة؛ أما قول أبي هريرة فقال: في الصحراء لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها. وأما قول ابن عمر: فإن الكنيف ليس فيه قبلة، استقبل حيث شئت. وفي رواية أبي حاتم، عن
[ ١ / ١٨١ ]
عبيد الله: فإنه كنيف صنع للنبي - ﷺ - لا قبلة فيه، وتستقبل فيه حيث شئت.
هذا حديث ضعفه الدارقطني لما خرجه بعيسى الحناط، ولفظه: أتيت النبي - ﷺ - في حاجة، فلما دخلت عليه، إذا هو في المخرج على لبنتين مستقبل القبلة.
وقال البزار: لا نعلم أحدا رواه عن نافع إلا عيسى،.
٦٠ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد، ثنا وكيع، عن حماد بن سلمة، عن خالد الحذاء، عن خالد بن أبي الصلت، عن عراك بن مالك، عن عائشة، قالت: ذكر عند رسول الله - ﷺ - قوم يكرهون أن يستقبلوا بفروجهم القبلة، فقال: أراهم قد فعلوها، استقبلوا بمقعدتي القبلة.
هذا حديث مختلف في تصحيحه وتضعيفه وإرساله ووصله.
أما إسناده فصحيح ظاهره الاتصال؛ لأنّ خالد بن أبي الصلت عامل عمر بن عبد العزيز روى عنه أيضا المبارك بن فضالة، وسليم بن حسين، وواصل مولى أبي عيينة، وذكره ابن حبان في كتاب الثقات. وذكر بحشل في تاريخ واسط، عن سفيان بن حسين، أنا خالد بن أبي الصلت، وكان عينا لعمر بن عبد العزيز بواسط، وكان له
[ ١ / ١٨٢ ]
هيئة، فأتيناه يوما وقد مرض وإذا تحته شاذكونية خلقة من متاع رث، فقلنا له في ذلك، فقال: إنكم كنتم تأتون وأنا في حال دنيا، وإنكم الآن أتيتموني وأنا في حال الآخرة، ثم ذكر روايته عن جماعة من الأئمة، وليس في الإِسنادين سماع.
وأما عِرَاك فظاهر حديثه الاتصال؛ لأن مسلما وأبا حاتم البستي خرجاه في صحيحيهما وهو منهما محمول على السماع حتى يقوم الدليل على خلافه.
دليلهما قول الإِمام أحمد عند تخريجه حديث عائشة: أحسن ما روي في الرخصة حديث عراك، وإن كان مرسلا، فإن مخرجه حسن، كذا ذكره في المسند.
وقال ابن أبي حاتم في المراسيل: كتب إلي علي بن أبي طاهر، ثنا أحمد بن محمد بن هانئ، سمعت أبا عبد الله وذكر حديث خالد - يعني هذا - فقال: مرسل، فقلت له: عراك بن مالك، قال: سمعت عائشة، فأنكره، وقال: عراك من أين سمع عائشة؟ ما له ولعائشة؟ إنّما يروي عن عروة، هذا خطأ، قال لي: من روى هذا؟ قلت: حماد بن سلمة عن خالد الحذاء، فقال: رواه غير واحد عن خالد ليس فيه (سمعت)، وقال غير واحد أيضا: عن حماد بن سلمة، ليس فيه سمعت، فليس فيه تصريح بعدم سماعه منها، لا سيما وقد جمعهما بلد واحد وعصر واحد، فسماعه منها ممكن جائز، وقد صرح بذلك بعض الأئمة، وهو ابن سرور، رحمه الله تعالى.
وقد تابع حمادَ بن سلمة على قوله عن عراك سمعت عائشة - عليُّ بن عاصم عند الدارقطني.
وأما قول الترمذي في العلل الكبير: حدّثنا علي بن خشْرَم، ثنا عيسى بن يونس، عن أبي عبد الله، عن الحذاء، عن عراك به،
[ ١ / ١٨٣ ]
ثم قال: رواه حماد بن سلمة، عن خالد، عن ابن أبي الصلت قال: كنت عند عمر بن عبد العزيز فذكروا استقبال القبلة، فقال عراك الحديث، فسألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث فيه اضطراب، والصحيح عن عائشة قولها.
وقال أبو محمد بن حزم: هذا حديث ساقط؛ لأن راويه خالدٌ الحذاء، وهو ثقة عن خالد بن أبي الصلت، وهو مجهول لا يُدرى من هو؟! وأخطأ فيه عبد الرزاق، فرواه عن خالد الحذاء، عن كثير بن أبي الصلت، وهذا أبطل وأبطل؛ لأن الحذاء لم يدرك كثيرا، وفيه نظر من وجوه:
الأول: الاضطراب المشار إليه يشبه أن يكون قول حماد، وعلي بن عاصم، وعبد الوهاب الثقفي أولى لكونهم أثبتوا زيادة أخل بها أبو عوانة، ويحيى بن مطر، والقاسم بن مطيب، والزيادة من الثقة مقبولة، أو المثبت أولى من النافي.
الثاني: قول أبي محِمد: إنّ خالد بن أبي الصلت مجهول، لا يدرى من هو. قد بينا قبل حاله، وأنها غير مجهولة.
الثالث: قوله: كثير بن أبي الصلت لم يدركه الحذاء، وهو لا شيء؛ لأنّ البخاري وابن أبي حاتم ومن بعدهم كابن عبد البر وغيره إنما سموه كثير بن الصلت، لا ابن أبي الصلت، فإن كان ذلك من خطأ عبد الرزاق، فكان ينبغي أن ينبّه عليه، وما أظنّ ذلك لتقريره له، وعدم إنكاره عليه ذلك، أو لعلّه يكون تصحف على الناسخ.
[ ١ / ١٨٤ ]
الرابع: إنكاره سماع خالد منه إن كان ذلك بتوقيف فسمعا وطاعة، ولكني لم أر أحدا قاله غيره، وإن كان استبعادا لذلك من حيث إنّ كثيرا ولد في زمنه - ﵇ -، فغير مستبعد سماعه منه لرؤيته أنس بن مالك، وبذلك كان تابعيا.
٦١ - حدّثنا محمد بن بشار، ثنا وهب بن جرير، نا أبي، سمعت محمد بن إسحاق يحدّث، عن أبان بن صالح، عن مجاهد، عن جابر قال: نهى رسول الله - ﷺ - أن تستقبل القبلة ببول، فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها.
ثنا محمد بن بشار، عن وهب به، ولفظه: نهاني أن أستقبل القبلة … الحديث.
هذا حديث خرجه ابن خزيمة، عن ابن بشار شيخ أبي عبد الله، وخرجه أيضا الحاكم، وزعم أنه صحيح على شرط مسلم، وليس كما زعم، فإن أبان بن صالح لم يخرج مسلم له شيئًا، وخرجه ابن حبان في كتابه الصحيح، وفيه فائدة تصريح ابن إسحاق بسماعه من أبان، فقال: ثنا الحسن بن سفيان، ثنا عمرو الناقد، ثنا يعقوب ابن إبراهيم، ثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني أبان … فذكره. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. ورواه ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر، عن أبي قتادة: أنه رأى النبي - ﷺ - يبول مستقبل القبلة. أنا بذلك قتيبة، ثنا ابن لهيعة بهذا، وحديث جابر، عن النبي - ﷺ - أصح من حديث ابن لهيعة، ولما رواه البزار في مسنده، عن محمد بن المثنى، نا وهب به، قال: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن جابر بهذا اللفظ بإسناد أحسن من هذا الإِسناد.
وذكر البيهقي في كتاب الخلافيات، وأبو الحسن الخزرجي في تقريب المدارك، وعبد الحق الإشبيلي أنّ الترمذي سأل البخاري عن حديث ابن
[ ١ / ١٨٥ ]
إسحاق هذا، فقال: هذا حديث صحيح، كذا ذكروه عنه. والذي في نسختي من كتاب العلل: سألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: رواه غير واحد، عن ابن إسحاق فقط، فلعله سقط منها شيء، والله أعلم.
وأما قول ابن حزم حين أراد ردّه: حديث جابر رواه أبان بن صالح، وليس بالمشهور، فقول مردود، لما أسلفنا من توثيقه عند من صحح حديثه؛ ولقول ابن معين، وأبي زرعة، وأبي حاتم، ويعقوب بن شيبة، والعجلي فيه: ثقة.
وقال النسائي: كان حاكما بالمدينة، وليس به بأس، روى عنه إبراهيم بن أبي عبلة، وأسامة بن زيد، وابن جريج، وإسحاق بن أبي فروة، وعقيل، ومحمد الجندي، وابن عجلان، وموسى بن عبيدة، والحارث بن يعقوب والد عمرو، وعبد الله بن عامر الأسلمي، وسعد بن كعب بن عجرة، وعبيد الله بن أبي جعفر، وهو قرشي جَدّ مشكدانه، استشهد به محمد في باب عمرة القضاء من كتاب المغازي، وقال ابن سعد: ولد سنة ستين، ومات بعسقلان سنة بضع عشرة ومائة، زاد يعقوب الفسوي في تاريخه: وهو ابن خمس وخمسين سنة، فأي شهرة أرفع من هذه وأعلى.
وأما قول أبي عمر بن عبد البر في كتاب التمهيد: ردّ أحمد بن حنبل حديث جابر، قال أبو عمرو: وليس حديث جابر بصحيح، فيعرج عليه؛ لأنّ أبان بن صالح راويه ضعيف، ففيه نظر من وجهين:
الأول: قوله ردّه أحمد: إن أراد رد العمل به فمعروف عنه، وإن أراد الردّ الصناعي فغير صحيح؛ لثبوته في مسنده، لم يضرب عليه ولم ينزعه منه، كعادته
[ ١ / ١٨٦ ]
فيما ليس بصحيح عنده أو مردود. بين ذلك أبو موسى المديني عنه.
الثاني: تضعيفه الحديث بأبان، وهو قول لا سلف له فيما أعلم، وقد عارضه قول من أسلفنا.
وقول الترمذي فيه: حسن غريب، وهما لفظان متغايران، اللهم إلَّا أن يكون بعض رواته تفرد به، ولئن كان كذلك فما أظنه غير أبان، والله تعالى أعلم.
وفي كتاب الطبراني الكبير حديث عمار: ثنا محمد بن الفضل السقطي، ثنا الحكم بن موسى، نا عيسى بن يونس، عن جعفر بن الزبير، عن القاسم عن عمار، قال: رأيت النبي - ﷺ - مستقبل القبلة بعد النهي لغائط أو بول.
ولما ذكر الترمذي الأحاديث التي في الباب أغفل حديث ابن عمر: إنّما نهى عن ذلك في الفضاء؛ فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس رواه أبو داود، وقال فيه الحاكم: صحيح على شرط البخاري.
وأما قول ابن حزم: النهي عن ذلك، يعني عن استقبال القدس لم يصح، فمردود بما أسلفناه من عند البخاري: فلا تستقبل القبلة ولا بيت المقدس.
البيت، جمعه: بيوت، وأبيات، وأبابيت عن سيبويه، مثل قول وأقاويل، وتصغيره: بييت، وبييت أيضا بكسر أوله، والعامة تقول: بويت. قاله الجوهري.
وقوله: ظهرت بمعنى علوت، وفي بعض الروايات: رقيت بمعنى صعدت، وهو العلو، قال تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾، وقال: ﴿وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾
[ ١ / ١٨٧ ]
أي: يعلون. قال النابغة:
بلغنا السماء أبانا وجدودنا … وإنّا لنبغي فوق ذلك مظهرا
وأما اللبن مثل كلم، فواحده لبنة، ككلمة، ويقال: لبنة ولبن مثل لبدة ولبد. قال القزاز: هو المضروب مربعا، وكل شيء ربعته فقد لبنته، والملبن: هو الفاعل، وهو الذي يضرب به.
وأما الكنيف: فهو البناء الذي انتزع من الدور لقضاء الحاجة، وأصله الشيء الساتر؛ لأنه يستر ويغطي، أو لأنه كنف في أستر النواحي؛ ولذلك قالوا للترس كنيفا، قال لبيد: ولا الحجف الكنيف.
ولحظيرة الإِبل كذلك، وفي حديث: أن أبا بكر - ﵁ - أشرف من كنف أي ستر. قال القزاز: ومنه قولهم: اذهب في كنف الله، أي: ستره وحياطته.
اختلف الناس في تأويل ما اختلف من الأخبار في استقبال القبلة واستدبارها؛ فذهب أبو أيوب إلى تعميم النهي والتسوية في ذلك بين الصحاري والأبنية، وهو مذهب الثوري والكوفي وأحمد وأبي ثور، واحتجوا بحديث أبي أيوب وغيره من الأحاديث الواردة في النهي، وفيها كثرة.
وقال آخرون: جائز استقبال القبلة وبيت المقدس على كلّ حال، واستدبارهما في الصحاري والبيوت.
قال الخطابي: وذهب ابن عمر إلى أنّ النهي إنّما جاء في الصحاري، وكذلك قاله الشعبي، وإليه ذهب مالك والشافعي، وقد قيل: إن المعنى في ذلك هو أنَّ الفضاء من الأرض موضع للصلاة، ومتعبد للملائكة والإنس والجن؛ ففاعل ذلك مستهدف للأبصار، وهو في الأبنية مأمون، وفي قول ابن عمر جمع بين الأخبار، والله أعلم.
[ ١ / ١٨٨ ]