٧٨ - حدّثنا محمد بن يحيى، ثنا عبد الله بن رجاء، أنبأ عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن عياض، عن أبي سعيد الخدري أن النبي - ﷺ - قال: لا يتناجى اثنان على غائطهما، ينظر كلّ واحد منهما إلى عورة صاحبه، فإن الله تعالى يمقت على ذلك.
حدّثنا محمد بن يحيى، ثنا سلم بن إبراهيم الوراق، ثنا عكرمة، عن يحيى، عن عياض بن هلال، قال محمد بن يحيى: وهو الصواب.
ثنا محمد بن حميد، ثنا علي بن أبي بكر، عن سفيان الثوري، عن عكرمة بن عمار، عن يحيى عن عياض بن عبد الله نحوه.
هذا حديث مختلف في تصحيحه وتضعيفه؛ فممّن ضعَّفه أبو داود - ﵀ - فإنه قال: لم يسنده إلا عكرمة. وفي كتاب ابن داسة عنه: هو من حديث المدنيين. وفي كتاب ابن العبد عنه: هو مرسل عندهم. وفي كتاب ابن الأعرابي، وأبي عمرو، وأحمد بن علي البصري عنه: وعكرمة في يحيى ليس بذاك. نا أبو سلمة، ثنا أبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن النبي - ﷺ - نحو حديث عكرمة عنه. انتهى.
وفي قوله: وهو من حديث المدنيين نظر؛ لأنه من مفردات أهل اليمامة، كذا ذكره غير واحد، منهم ابن عقدة في كتاب المفردات من تأليفه، وقال عبد الحق نحوه، زاد: وقد اضطرب فيه. .
كذا رواه عن يحيى أبان بن يزيد - يعني كما رواه عكرمة - وروته جماعة عن يحيى فقالت: عن عياض بن هلال. كذا رواه عن هشام الدستوائي، وعلي بن المبارك، وحرب بن شدّاد، كلّهم عكس ما قال
[ ١ / ٢١٨ ]
عكرمة وأبان، فقالوا: عياض بن هلال. انتهى كلامه.
ورواه ابن مهدي عند أبي نعيم في الحلية عن يحيى، أخبرني هلال بن أبي عياض، كذا في أصل سماعنا.
قال ابن القطان: ورواه الأوزاعي عن يحيى فقال: ثنا عياض بن أبي زهير، وهذا كلّه اضطراب، ولكنه على يحيى، لا على عكرمة، فيحتمل أن يكون ذلك من يحيى نفسه، ويحتمل أن يكون من أصحابه، فقول أبي محمد: لم يسنده إلَّا عكرمة، وقد اضطرب فيه، ينبغي أن يكون ضبط: اضْطُّرِبَ مَبْنِيًّا لما لم يسم فاعله، فإنّه إن أسند الفعل إلى عكرمة كان خطأ، ويحيى أحد الأئمة، ولكن هذا الرجل الذي أخذ عنه هذا الحديث هو من لا يعرف، ولا تحصل من أمره شيء، وهكذا هو عند مصنفي الرواة، لم يعرفوا من أمره بزيادة على هذا.
وللحديث مع ذلك علّة أخرى؛ وهي اضطراب متنه، وبيان ذلك هو أنّ ابن مهدي رواه عن عكرمة فقال ما تقدّم من جعل المقت على التكشف والتحدّث في حال قضاء الحاجة.
ورواه بعضهم فجعل المقت على التحدّث كذلك فقط.
ورواه بعضهم فجعل المقت على التكشف والنظر، لم يذكر التحدّث، وهذا قد كان يتكلّف جمعه لو كان راويه معتمدا، واضطرابه دليل سوء حال راويه، وقلة تحصيله، فكيف وهو من لا يعرف؟!
والآن قد بلغنا الغرض المقصود، وهو أنّ للحديث طريقا جيدا غير هذا.
قال أبو علي بن السكن: ثنا يحيى بن محمد بن صاعد، ثنا الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني، ثنا مسكين بن بكير، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن محمد بن عبد الرحمن، عن جابر بن عبد الله، قال رسول الله - ﷺ -: إذا تغوط الرجلان فليتوار كلّ منهما عن صاحبه، ولا يتحدّثا على طوقهما، فإن الله يمقت على ذلك.
قال ابن السكن: رواه عكرمة، عن يحيى، عن هلال بن عياض، عن أبي سعيد الخدري، وأرجو أن يكونا صحيحين. انتهى.
وليس فيه تصحيح حديث أبي سعيد الذي فرغنا من تعليله، وإنّما يعني أن القولين
[ ١ / ٢١٩ ]
عن يحيى صحيحان، وصدق في ذلك، صحّ عن يحيى أنّه قال: عن محمد بن عبد الرحمن عن جابر، وأنه قال: عن عياض، أو عن هلال عن أبي سعيد، ولم يقض على حديث أبي سعيد بالصحة أصلا، ولو فعل كان مخطئا، فإن الأمر فيه على ما بينا.
فأمّا حديث جابر هذا فصحيح،.
،، وسائر من في الإِسناد لا يسأل عنه، وعن يحيى في هذا المعنى غير هذا مما ذكره الدارقطني في علله، إلَّا أنه لم يوصل به إليه الأسانيد، انتهى ما ذكره.
وفيه نظر من وجوه:
قال ابن أبي حاتم: وعياض بن هلال أشبه.
ورجّحه البخاري في الكبير، ومسلم بن الحجاج في الوحدان، والدارقطني، وذكره البخاري في شواهده، وصحّ فيه الحديث.
وفي مسلم معناه: لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل.
ولما ذكر الترمذي في جامعه حديث إذا لم يدر أحدكم كم صلى من رواية عياض هذا، عن أبي سعيد، قال فيه: حسن.
ولما خرج ابن خزيمة هذا الحديث في صحيحه، عن أبي موسى، ثنا ابن مهدي، ثنا عكرمة، عن يحيى، عن هلال بن عياض، حدثني أبو سعيد، فذكره، أتبعه قول: ثنا محمد بن يحيى، ثنا سلم بن إبراهيم، يعني
[ ١ / ٢٢٠ ]
الوراق، ثنا عكرمة بن عمار، عن يحيى عن عياض بهذا الإِسناد نحوه، قال: وهذا هو الصحيح، هذا الشيخ هو عياض بن هلال، روى عنه يحيى بن أبي كثير غير حديث، وأحسب الوهم من عكرمة حين قال: عن هلال.
ورواه ابن حبان في صحيحه عن أبي يعلى، ثنا محمد بن أبي بكر المقدسي، ثنا إسماعيل بن سنان، ثنا عكرمة، ثنا يحيى، عن عياض بن هلال. فذكره، ولفظه: لا يقعد الرجلان على الغائط يتحدثان، يرى كل واحد منهما عورة صاحبه؛ فإن الله يمقت على ذلك.
والثاني:.
الثالث: في تصحيحه هذا الحديث نظر، وذلك أن الدارقطني الذي نقل أبو الحسن كلامه ذكر طريق مسكين هذه ولم يصححها، وزعم أن أشبه الأقوال بالصواب حديث عياض بن هلال، فعلى هذا لا يكتفى بجودة الطريق إذا ثبت عند الدارقطني تعليله، اللهم إلَّا لو لم تكن مذكورة عنده، كان يقال: إنه لم يرها، فأما عند الرواية فلا، والله أعلم.
الرابع: قد وجدنا لهذا الحديث طرقا جيّدة لا يطعن فيها، ذكرها أبو القاسم الطبراني في الأوسط، فقال: حدّثنا أحمد بن محمد بن صدقة، ثنا محمد بن عبد الله بن عبيد بن عقيل المصري، ثنا جدي عبيد بن عقيل، ثنا عكرمة بن عمار، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال - ﵇ -: لا يخرج الرجلان .. الحديث. قال: لم يروه
[ ١ / ٢٢١ ]
عن عكرمة - يعني هكذا - إلا عبيد بن عقيل. انتهى.
عبيد هو: عبيد بن عقيل هذا روى عنه جماعة. وقال فيه أبو حاتم الرازي: صدوق. وقال يعقوب: لا أعلم إلا خيرا، وابن ابنه هو: محمد بن عبد الله بن عبيد بن عقيل روى عنه جماعة أيضا، منهم النسائي، وقال: لا بأس به، ولم أر أحدا من الأئمة تعرض لتعليلها، والله أعلم.
الخامس: ضبطه اضطرب بضم الهمزة فغير صواب؛ لأنّ عكرمة نفسه اضطرب فيه كيحيى، لما تقدّم من كلام أبي داود وابن خزيمة وأبي القاسم، رحمهم الله تعالى.
السادس: عيبه على أبي محمد قوله: لم يسنده إلا عكرمة - فليس بشيء؛ لأنّ عبد الحق خرّج الحديث من عند أبي داود، وهو قائل ذاك كما تقدّم، فهو في ذلك مقلّد لأبي داود، فإن كان عيبا فلأبي داود لا له.
السابع: هو دائبًا يعيب على الإشبيلي إبعاده النجعة، وهنا استعملها؛ لأنّ الحديث عند أبي الحسن في كتاب العلل كما قدمناه، فَذِكْرُهُ من عند ابن السكن إبعادٌ للنجعة، وإن كان سابقه، ولعل قائلًا يقول: إنما ذكره من عنده لتصحيحه إياه، وليس كذلك؛ لأن أبا علي لم يصححه، إذ لو صححه لكان مصححًا حديث أبي سعيد، وابن القطّان أبى ذلك؛ ولهذا ذكر حال رجال إسناده، ويشبه أن يكون عذره في ذلك كون الدارقطني ذكره منقطعًا بلا إسناد موصل إليه، ومع ذلك فلا عذر له في تركه كلام الدارقطني، مع روايته له، والله أعلم.
[ ١ / ٢٢٢ ]
وقد ذكره أيضًا الإِسماعيلي من حديث يحيى بن أبي كثير، ذكرنا ذلك استظهارًا، ولا نطالبه به.
وفي قول أبي داود: وهو مرسل إشعار بأن وصله غير صواب عنده، وإلّا فالطريق المذكور عنده لا خلاف في رفعها ووصلها.
وأمّا قوله: إنّ عكرمة في يحيى ليس بذاك - فقد خالفه في ذلك الإمام أبو الحسين، حيث خرج له عنه في صحيحه حديثا محتجا به. واستشهد البَخاري بحديثه عنه أيضًا في صحيحه.
وأما قول من قال: عياض بن عبد الله، وفي تاريخ البخاري: عياض بن أبي زهير - فيشبه أن يكون نسيانا؛ لما رواه عن يحيى، نسي اسم أبيه فسمّاه عبد الله، والخلق كلهم عبيد الله.
وقول الأوزاعي: ابن أبي زهير - يحتمل أن يكون كنية أبيه.
وبهذا وبما أسلفناه تجتمع الأقوال وينتهي مذهب التهاتر والاختلال.
[ ١ / ٢٢٣ ]