١٠٧ - حدثنا محمد بن بشار، ثنا أبو داود، ثنا شعبة، عن عاصم الأحول، عن أبي حاجب، عن الحكم بن عمرو أن رسول الله - ﷺ -: نهى أن يتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة.
هذا حديث اختلف فيه: فصححه جماعة، وضعفه آخرون، فمن المصححين له أبو محمد بن حزم. ولما ذكر ابن ماجه حديث ابن سرجس بعده؛ قال: الصحيح الأول، والثاني وهم.
وخرجه أبو حاتم البستي من حديث أبي داود، عن شعبة، عن عاصم: سمعت أبا حاجب يحدّث فذكره.
ولما خرجه أبو عيسى في جامعه؛ قال فيه: حديث حسن. ومن المضعفين له أبو عبد الله البخاري، فإن الترمذي سأله عنه فقال: ليس بصحيح. كذا في كتاب العلل. وفي التاريخ الكبير قال: سوادة بن عاصم أبو حاجب العنزي يعد في البصريين، ويقال: الغفاري، ولا أراه يصح عن الحكم بن عمرو. وهذا كلام لا يعطي على صراحته تضعيفًا ولا تصحيحًا، وإن كان المنذري قد ذكره في معرض ردّ الحديث لاحتمال أن يكون لفظ الصحة منه عائدة إلى نسبه إلى غفار، وذلك لا يوجب ضعفًا، لكن بضميمة ما في العلل يتبيّن الضعف، ولا يخلص ذلك المنذري؛ لأنه لم ير ما في العلل؛ فلذلك لم يحكه، والذي حكاه في التاريخ لا يوضح مقصده، والله تعالى أعلم. أو تكون عائدة على الانقطاع فيما بين أبي حاجب والحكم، ولئن كان كذلك فليس بشيء أيضًا؛ لما صحّ عن أبي حاجب أنه سمعه منه فيما يبينّ ذلك بعد.
وذكر ابن منده أنه لا يثبت من جهة السند، ولما ذكر أبو عمر حديث الحكم هذا قال: الآثار
[ ١ / ٢٨٨ ]
في هذا الباب مضطربة، لا تقوم بها حجة، وذكر الميموني أنه سأل أبا عبد الله عنه، فقلت: يسنده أحد غير عاصم؟ قال: لا، ويضطربون فيه عن شعبة، وليس هو في كتاب غندر، وبعضهم يقول: عن فضل سؤر المرأة، وبعضهم يقول: فضل وضوء المرأة ولا يتفقون عليه. ورواه التيمي إلَّا أنه لم يسمه، قال: عن رجل من الصحابة، والآثار الصحاح واردة بالإِباحة.
وقال الدارقطني: اختلف عنه، يعني أبا حاجب، فرواه عمران بن حدير وغزوان بن حجين السدوسي عنه موقوفًا من قول الحكم، ورواه أبو كدينة، عن سليمان، عن أبي حاجب، عن أبي هريرة، وهو وهم. انتهى.
ويشبه أن يكون قول من صحح أرجح من قول من ضعف، وذلك أن الإِسناد ظاهره السلامة من مضعف وانقطاع، وذلك يرد قول ابن منده.
أمّا الأول: فلأنّ أبا حاجب سوادة بن عاصم روى عنه جماعة منهم سليمان التيمي، وعاصم، وعمران بن حدير، وشعبة، ووثقه ابن معين وغيره، وخرَج حديثه مسلم في صحيحه على ما قاله اللالكائي، وأبو إسحاق الحبال وغيرهما، ومن قبله في الإِسناد لا يسأل عنه.
الثاني: تدليس عاصم المخوف زال بما ذكره ابن حبان، وسوادة صرّح بسماعه من الحكم بن أبي شيبة في المصنف بقول سوادة: انتهيت إلى الحكم بن عمرو بالمربد، وهو ينهاهم عن فضل طهور المرأة، فقلت: ألا حبذا صفرة ذراعيها، ألا حبذا كذا، فأخذ شيئًا، فرمى نحوي، وقال: لك ولأصحابك.
ويجاب عن قول البخاري المذكور في التاريخ بما تقدّم، والقول المذكور في العلل بخلاف
[ ١ / ٢٨٩ ]
الترمذي له حين حسنه، ولولا ظهور ترجيح لما جاز له الإقدام على خلافه، أو يحمل على أنه لم يصح صحة المجمع عليه من الأحاديث، إذ الصحة تتفاوت عنده وعند غيره، أو يكون قوله صحيحًا لا يمنع الحسن.
ويجاب عن قول أحمد بأن تفرد عاصم بالرفع لا يؤثر في صحة الحديث إذا وقفه ثقة غيره؛ بل يكون ذلك مقبولًا، وكونه ليس في كتاب غندر ليس قادحا أيضًا؛ لأنّ ابن جعفر لم يدع الإِحاطة بجميع حديث شعبة، وقد رواه عن شعبة كرواية أبي داود موافقًا له الربيع بن يحيى الأشناني فيما ذكره الطبراني في الكبير، وعبد الصمد بن عبد الوارث عند ابن بنت منيع في معجمه، وقيس بن الربيع عند العسكري بزيادة: نهى رسول الله - ﷺ - عن الدباء والحنتم والمزفت مع سؤر المرأة.
ويجاب عن الاضطراب بأن معنى ما روي يرجع إلى شيء واحد، وهو البقيّة؛ إذ الرواية بالمعنى جائزة.
فقول من روى فضل طهور المرأة، وسؤر المرأة - واحد، يريد بذلك البقّية، وقد جاء مصرحًا به في كتاب الطبراني الكبير بفضل المرأة، وإذا كان كذلك فلا خلف، ويجاب عن إبهام اسم الصحابي بأن ذلك لا يضر، إذ الصحابة كلّهم عدول، فسواء أبرز اسمه التابعي أو أبهمه، لكن بعد أن يشهد له بالصحبة كما يشترطه أبو الحسن بن القطان، رحمه الله تعالى.
وأيضًا ففي الطبراني الكبير المسمّى عن رجل من غفار، والحكم غفاري، فعلى هذا لا فرق بين القولين إذًا، قول من قال عن الحكم، وقول من قال رجل غفاري له صحبة، ولأنّ المسمى روى عنه أيضًا غير هذا الحديث مصرحا باسمه، فيجيء ذلك من باب البسط وعدمه، والله تعالى أعلم.
ويجاب عن قول من وقفه بأمرين:
[ ١ / ٢٩٠ ]
الأول: ليس بشيء.
الثاني: يجعل ذلك من قبيل الفتيا، لا من قبيل التعارض في الرواية.
وأما من نسب الحكم غفاريًا، يعني بذلك أن صلبه منهم، فيشبه أن يكون ليس كذلك، وممن نسبه غفاريا أبو عبد الله البخاري في تاريخه الكبير، وأبو حاتم الرازي، وأبو عيسى الترمذي في كتابه الجامع، والتاريخ، ومسلم في كتاب الطبقات، وأبو بكر بن أبي شيبة في كتابه المصنف، والمسند، وغيرهم، ويس كما زعموا، بل هو من نعيلة، حي غُفار بن مُلَيل بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة، نسب غفاريا لدخوله فيهم، نص على ذلك ابن الكلبي، وابن سعد، وأبو أحمد العسكري، وأبو حاتم بن حبان، والطبري في المذيل، والأمير أبو نصر، والبغوي في معجمه، وابن قانع، قالوا: هو الحكم بن عمرو الأقرع بن مجدع بن حذيم بن الحارث بن نعيلة بن مليل، إلَّا العسكري فإنَّه قال: نعيلة بن جدي بن مُليل، وفي كتاب خليفة: خديم بن حلوان بن الحارث، والصواب الأول، توفي سنة خمس وأربعين، ويقال: خمسين، ويقال: إحدى وخمسين، بمرو.
١٠٨ - حدّثنا محمد بن يحيى، ثنا المعلى بن أسد، ثنا عبد العزيز بن المختار، ثنا عاصم الأحول، عن عبد الله بن سرجس قال: نهى رسول الله - ﷺ - أن يغتسل الرجل بفضل وضوء المرأة، والمرأة بفضل وضوء الرجل، ولكن يشرعان جميعا.
هذا الحديث اختلف في رفعه ووقفه؛ فأما البخاري فذكر عنه أبو عيسى في كتاب العلل أنّه قال: حديث ابن سرجس هذا حديث موقوف، ومن رفعه فهو خطأ،
[ ١ / ٢٩١ ]
وقد تقدم كلام ابن ماجه فيه، ولما رواه في الأوسط قال: لم يروه عن عاصم، عن ابن سرجس غير عبد العزيز. تفرد به معلى بن أسد. ورواه غيره عن عاصم الأحول، عن سوادة بن عمرو، عن الحكم الغفاري، ولما ذكره الدارقطني قال: خالفه شعبة فوقفه، وهو أولى. وقال البزار: لا نعلم أحدًا أسنده عن عاصم، عن ابن سرجس إلَّا عبد العزيز، وخالف ذلك أبو محمد بن حزم فصححه مرفوعًا، وذكر عبد الحق أنَّ النسائي خرجه، ووهم في ذلك فيما بينه أبو الحسن.
قال أبو الحسن: عبد العزيز بن المختار قد رفعه، وهو ثقة، ولا يضره وقف من وقفه، وتوقف في تصحيحه؛ لأنه لم يره إلا في كتاب الدارقطني، وشيخ الدارقطني فيه لم يعرف حاله، ولو رآه هنا لما توقف؛ لأن رجاله كلهم حديثهم في الصحيحين، وفي قول أبي عيسى إثر حديث الحكم: وفي الباب عن ابن سرجس نظر من حيث إغفاله حديث أبي داود من جهة داود الأودي عن حميد الحميري، قال: لقيت رجلًا صحب النبي - ﷺ - كما صحبه أبو هريرة، قال: نهى رسول الله - ﷺ - أن يغتسل الرجل بفضل المرأة، أو تغتسل المرأة بفضل الرجل، وليغترفا جميعًا.
وهو حديث صحيح الإسناد، وممن صححه أيضًا ابن مفوز وابن القطان. وقال أحمد: إسناده حسن، فيما حكاه عنه الأثرم. وَلا التفات إلى قول ابن حزم عندما أراد تضعيفه، إن كان داود هذا هو عم عبد الله بن إدريس فهو ضعيف، وإن لم يكن إياه فهو مجهول.
وقد كتب الحميدي إلى ابن حزم من العراق يخبره بصحة هذا الخبر،
[ ١ / ٢٩٢ ]
وتبين له أمر داود هذا، بأنه داود بن عبد الله الزعافري الأزدي أبو العلاء الكوفي، روى عنه جماعة، ووثقه الإِمام أحمد وغيره، وهو غير عم ابن إدريس فيما ذكره الإمام أحمد.
ولما ذكره أبو داود في كتاب التفرد قال: الذي تفرد به من هذا الحديث قوله: نهى أن تغتسل المرأة من فضل الرجل.
قال ابن مفوز: فلا أدري رجع عن قوله أم لا؟
ولما ذكره البيهقي في كتاب المعرفة، قال: هو منقطع، وداود بن عبد الله ينفرد به.
وقال في السنن الكبير: رواته ثقات إلَّا أن حميدًا لم يسم الصحابي الذي حدّثه، فهو بمعنى المرسل، إلا أنه مرسل جيّد، لولا مخالفته الأحاديث الثابتة الموصولة قبله، وداود لم يحتج به الشيخان. انتهى. وعليه فيه مآخذ:
الأول: قوله: إنه بمعنى المرسل إن أراد أنه يشبهه في أنّه لم يسم الصحابي فصحيح، لكنه لا يمنع خصمه من الاحتجاج، وإنما إلى أنّه لا حاجة إلى تسمية الصحابي بعد أن يحكم التابعي بكونه صحابيًا، وإن أراد أنه في معناه من أنه لا يحتج به قوم كما لا يحتجون بمرسل التابعي، فغير صحيح لما تقدم.
الثاني: قوله: مرسل جيّد، غير جيّد، بل هو مسند على الصحيح من قول العلماء.
الثالث: قوله: لولا مخالفة الأحاديث الثابتة. يعني بذلك ما تقدّم، فليس بجيّد أيضًا لأمرين:
الأول: شأن المحدّث الإعراض عن المعارضة كما قررناه في غير موضع.
الثاني: على تقدير تسليمنا ذلك، يجاب عنه بأنه لا بأس أن يتوضأا، أو يغتسلا جميعًا من إناء واحد، يتنازعاه على حديث عائشة، وميمونة، وأنس، وابن عمر، وأم هانئ، وأم سلمة، وأم حبيبة، وغيرهن، وعلى أنه لا يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة على حديث الحكم، ولأن الأحاديث التي وردت بعد في الكراهة عن الصحابة والتابعين، لم يكن في شيء منها أنَّ الكراهة في ذلك للرجل أن يتطهر بفضل وضوء المرأة، ولتلك
[ ١ / ٢٩٣ ]
الأحاديث علل، ذكر ذلك أبو بكر الأثرم في كتاب الناسخ والمنسوخ.
الرابع: قوله: وداود لم يحتج به الشيخان فيه نظر لأمرين:
الأول: إن أراد عيبه بذلك فليس ذلك بعيب عند المحدثين قاطبة؛ لأنهما لم يلتزما الإِخراج عن كل ثقة، ولو التزماه ما أطاقاه.
الثاني: إن كان يريد بهذا الكلام ردّ الحديث، وهو الأقرب بضميمة كلامه على انقطاعه وغيره؛ فهو كلام متناقض، ولا حاصل تحته لما سلف من توثيقه رجاله.
الخامس: قوله: منقطع، إنما يريد به الإرسال الذي أشار إليه في السنْن الكبير، لا الانقطاع الصناعي، والله أعلم.
وزعم أبو عمر بن عبد البر أن أبا عوانة رواه عن داود عن حميد عن أبي هريرة، فأخطأ فيه.
وزعم أبو الحسن ابن القطان أنَّ المبهم هنا، قيل: هو عبد الله بن مغفل، وقيل: ابن سرجس.
وقطع أبو محمد بن حزم بأن حكم الإباحة منسوخ، وهذا الباب وما فيه من الأحاديث ناسخ، وأبى ذلك ابن العربي، فزعم أنّ الناسخ حديث ميمونة؛ بدليل أنّه - ﵇ - لما أراد أن يغتسل قالت له: إني توضأت به، وهذا يدّل على تقدّم النهي، وبنحوه قاله الخطابي.
وأغفل أيضا - أعني الترمذي - حديث أبي إسحاق، عن الحارث، عن رجل: كان نبي الله - ﵇ - وأهله يغتسلون من إناء واحد، ولا يغتسل أحد مما يفضل صاحبه.
قال أبو بكر الأثرم: لم يسمعه أبو إسحاق من الحارث، وحديث عائشة: سئل - ﵇ - عن فضل وضوء المرأة، قال: لا بأس به ما لم تخل به، فإذا خلت به فلا يتوضأ بفضل وضوئها.
كره ابن عدي، وأعلّه بعمر بن صبح، وحديث أبي ذر وأبي هريرة ذكرهما ابن منده، وأشار إلى أنهما لا يثبتان من قبل سندهما، وقد سبقت الإِشارة إلى حديث أبي هريرة أيضا.
[ ١ / ٢٩٤ ]