١١٧ - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد، قالا: ثنا وكيع، عن أبيه. (ح) وثنا محمد بن يحيى، ثنا عبد الرزاق، عن سفيان، عن أبي فزارة العبسي، عن أبي زيد مولى عمرو بن حريث، عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله - ﷺ - قال له ليلة الجن: عندك طهور؟ قال: لا، إلَّا شيء من نبيذ في إداوة، قال: تمرة طيبة وماء طهور، فتوضأ.
١١٨ - ثنا العباس بن الوليد الدمشقي، ثنا مروان بن محمد، ثنا ابن لهيعة، ثنا قيس بن الحجاج، عن حنش الصنعاني، عن عبد الله بن عباس أن رسول الله - ﷺ - قال لابن مسعود ليلة الجن: معك ماء؟ قال: لا، إلا نبيذا في سطيحة، فقال ﷺ: تمرة طيبة وماء طهور، صب علي، قال: فصببت عليه، فتوضأ به.
هذا حديث قال فيه الحافظ أبو الحسن علي بن المفضل المقدسي: نقلته من خطّ ابن أبي يداس البرزالي: حديث صحيح، وما تركوه إلا بسبب أبي فزارة، وأبي زيد؛ لأنهما غير معروفين، وأبو فزارة اسمه راشد بن كيسان، وأبو زيد مولى عمرو بن حريث. انتهى كلامه.
وهو حديث علل بأمور:
الأول: جهالة حال أبي زيد وضعف حديثه، فقد قال الترمذي عند تخريجه: إنّما روي هذا الحديث عن أبي زيد، عن عبد الله، عن النبي - ﷺ -، وأبو زيد رجل مجهول عند أهل العلم لا يعرف له رواية غير هذا الحديث. انتهى كلامه، وفيه نظر من حيث زعمه أن أبا زيد تفرّد به عن ابن مسعود؛ لرواية جماعة نحوه عنه، منهم عمرو البكالي الصحابي، ذكره الحاكم أبو أحمد في كتاب الكنى، فقال: نا أبو القاسم البغوي، ثنا عبد الأعلى بن حماد النرسي، ثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، أخبرني
[ ١ / ٣٠٢ ]
أبو تميمة عن عمرو، ولعلّه قد قال: البكالي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: استتبعني النبي - ﷺ - قال: فانطلقنا حتى أتينا مكان كذا وكذا … فذكر حديث ليلة الجن، ومنهم أبو رافع، ذكر حديثه أبو عبد الله الحاكم من جهة أبي سعيد مولى أبي هاشم، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عنه، عن ابن مسعود أن النبي - ﷺ - قال له ليلة الجن: أمعك ماء؟ قال: لا، قال: أمعك نبيذ؟ قال: نعم، قال: فتوضأ به. قال الجوزقاني: هذا حديث باطل. وقال أبو عبد الله: تفرد به أبو سعيد، عن حماد. وفيما قاله نظر؛ وذلك أن الدارقطني لما ذكره من جهة أبي سعيد قال: علي ضعيف، وأبو رافع لم يثبت سماعه من ابن مسعود، وليس هذا الحديث في مصنفات حماد، وقد رواه أيضًا عبد العزيز بن أبي رزمة، وليس هو بقوي، عن حماد مثله، فهذا عبد العزيز قد تابع أبا سعيد، وفي قول أبي الحسن: وأبو رافع لم يثبت سماعه من ابن مسعود نظر من حيث كونه جاهليا من كبار التابعين.
قال أبو عمر: روى عن أبي بكر وعمر وابن مسعود، روى عنه الحسن وغيره من كبار التابعين، فمن كان بهذه المثابة لا ينكر سماعه من ابن مسعود، لا سيما وقد جمعهما العصر والبلد.
وفي قوله: لم يثبت - إشعار بعدم النفي، إذ لو كان ثابتا عنده لجزم به كعادته، ويشبه أن تكون روايته عنه إنّما جاءت على لسان متكلّم فيه؛ فلذلك قال: لم يثبت.
وفي كلامه أيضا إشعار بترجيح مذهب من يشترط أنّه لا بدّ من أن يعرف سماعه من المروي عنه، ولو مرة، ولئن كان كذلك فهو مذهب مرجوح، أطنب مسلم - رحمه الله تعالى - في الردّ على قائله. وفي قوله أيضا: وليس هذا الحديث في مصنفات حماد نظر؛ لأن المصنف الكبير لا يذكر في جامعه جميع رواياته، إمّا
[ ١ / ٣٠٣ ]
لعدم استحضاره له، أو لكونه لم يرتضه، وقد يحتمل أن يكون ذكره في مصنف لم يره الدارقطني، وذلك مأخوذ من قوله: مصنفات بغير آلة الحصر، إذ لو حصر لما تطرق ذلك له غالبا، والله أعلم.
فعلى ما تقرر يشبه أن يكون أمثل أسانيد هذا الحديث. [ومنهم علي بن رباح، ذكره أبو القاسم في الأوسط من حديثه عن المقدام بن داود، ثنا عبد الله بن صالح، حدثني موسى بن عُلي بن رباح عن أبيه عن عبد الله فذكر حضوره ليلة الجن، وذكر عن ابن مسعود حديثًا غير هذا، وإسناده لا بأس، ومنهم ما ذكره عمر بن الخطاب حدث به ابنه ابن عمر قال: كنت ممن حضر مع ابن مسعود ليلة الجن، ذكره أبو موسى المديني في الصحابة، وحديث محمد بن خالد الجندي، ثنا شعبة بن الحجاج … عن ابن عباس عنه]، ومنهم: أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، وأبو الأحوص، أنا بذلك الشيخ المسند المعمر حسن بن عمر بن عيسى بن خليل الكردي من لفظه، وابن خطيب المزة، قالا: أنا أبو المنجا [عبد الله بن عمر بن اللتي قراءة عليه وأنا في الرابعة سنة ثلاثة وثلاثين وستمائة قال: ثنا أبو المعالي محمد بن محمد بن اللحاس أنا أبو عبد الله محمد بن الحسين بن السراج، أنا أبو علي الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان قال: ثنا الشيخ الإمام أبو عمرو عثمان بن] أحمد بن عبد الله الدقّاق، قال: نا محمد بن عيسى المدائني، نا الحسن بن قتيبة، نا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، وأبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود قال: مر بي رسول الله - ﷺ - ذات يوم فقال: خذ معك إداوة من ماء، ثم انطلق وأنا معه، قال: ثم خطّ علي خطا، ثم قال لي: لا تخرج من هذا الخط، قال: ثم مضى - ﵇ -، فسمعت لغطا شديدا، قال: فخفت على رسول الله - ﷺ - والله أحفظ لرسوله
[ ١ / ٣٠٤ ]
مني، فإذا هم وفد الجن، فلما انصرف النبي - ﷺ -، قال: فأتاني، فقلت: يا رسول الله: سمعت لغطا شديدا قال: هذا وفد أهل نصيبين من الجن أتوني، قال: فلما انصرفت تبعوني يسألوني الرزق، فأمرت لهم بالعظام والروث، قال: ثم تبرز ثم جاء، فقال: ناولني ثلاثة أحجار فناولته حجرين وروثة قال: فرمى بالروثة، وقال: هذا ركس أو رجس، قال: فلما أفرغت عليه من الإِداوة إذا هو نبيذ، فقلت: يا رسول الله، أخطأت بالنبيذ، فقال: تمرة حلوة وماء عذب.
.
ومنهم عبد الله بن سلمة ذكره الحافظ أبو الحسين بن المظفر في كتاب غرائب حديث شعبة، عن عمرو بن مرّة، عن عبد الله بن سلمة عنه، وذكره البخاري في الأوسط والصغير، فقال: لا يصح.
ومنهم قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، ثنا ابن مسعود نحوه، ومنهم عبد الله بن عمرو بن غيلان الثقفي، ذكره
[ ١ / ٣٠٥ ]
الإِسماعيلي في جمعه حديث يحيى بن أبي كثير عن يحيى عنه، وذكره ابن أبي حاتم في كتاب العلل، وأعله بجهالة حال ابن غيلان هذا.
وقال الدارقطني: يقال: اسمه عمرو، وقيل: عبد الله بن عمرو بن غيلان، وفي الخلافيات: وقيل: عن فلان بن غيلان، وبنحوه قاله الجوزقاني، ومنهم عُلي بن رباح، ولم يسمع منه ولم يره ولم تبلغه سنه. ذكره البيهقي في الخلافيات.
ومنهم عبد الله بن عباس من طريق ابن لهيعة، عن حنش الصنعاني، عنه. ذكره ابن ماجه تباعا. وقال البيهقي: تفرّد به ابن لهيعة، ومنهم أبو وائل شقيق بن سلمة، ذكره الدارقطني من جهة الحسين بن عبيد الله العجلي. وقال: كان وضاعًا.
قال الحاكم أبو عبد الله، فيما ذكره أبو بكر في الخلافيات: ومنهم ابن لعبد الله، روى أبو عبيدة بن عبد الله، عن طلحة بن عبد الله عنه أن أباه حدثه، قال البخاري في التاريخ الأوسط: ولا يُعرف لطلحة سماعٌ من ابن عبد الله، وأما حديث أبي عثمان النهدي، عن عبد الله حين خرج مع النبي -ﷺ - فسنده صحيح. رواه الدارقطني في سننه عن يزيد بن هارون، نا سليمان التيمي، عن أبي عثمان.
وأما حديث أبي تميمة الهجيمي وعمرو البكالي، عن ابن مسعود، فليس في حديث
[ ١ / ٣٠٦ ]
واحد منهما ذكر نبيذ التمر، إنّما ذكرا خروجه مع النبي - ﷺ - تلك اللّيلة على اضطراب في إسناد حديثهما، وعلى هذا فلا تقوم بهما حجة.
وأبو عثمان بن سَنَهْ ذكره ابن شاهين في كتاب الناسخ والمنسوخ من طريق ضعيفة، كذا ذكره البيهقي، وفيه نظر؛ لأنّ حديث عمرو سنده صحيح، رواه الدارقطني عن غيلان، ثنا المعتمر قال: قال أبي: حدّثني عمرو البكالي فذكره، فقد ثبت بمجموع ما تقدّم أنه لم يروه أبو زيد عن ابن مسعود وحده، كما فهم من كلام الترمذي المتقدم، والله أعلم.
رجعنا إلى ذكر أبي زيد ومن جهله.
قال ابن أبي حاتم: سمعت أبا زرعة يقول: حديث أبي فزارة ليس بصحيح، يعني في الوضوء بالنبيذ، وأبو زيد مجهول، وذكر في العلل نحوا من هذا، وقال أبو عبد الله البخاري: أبو زيد رجل مجهول لا يعرف بصحبة عبد الله، وقال ابن حبان: لا يُدرى من هو، ولا يُعرف أبوه ولا بلده.
قال أبو أحمد الحاكم: هو رجل مجهول لا يوقف على صحة كنيته واسمه، ولا نعرف له راويًا غير أبي فزارة، ولا رواية من وجه ثابت إلا حديث النبيذ. وقال الأثرم في كتاب الناسخ والمنسوخ: وأبو زيد لا يعرف وما يُدرى من أين هو؟
وقال الجوزقاني: منهم من سمّاه، ومنهم من كنّاه، ولكنه رجل مجهول.
وقال أبو عمر في كتاب الاستغناء: هو عند أهل الحديث رجل مجهول، روى عن ابن مسعود حديثًا منكرًا لم يتابع عليه، ولم يرو عنه غير أبي فزارة، ولا يصح حديث أبي زيد هذا عند أهل الحديث، ولا قال به أحد من أهل الحجاز، ولا رواه من يوثق
[ ١ / ٣٠٧ ]
به، ولا يثبت، وقال أبو الحسن محمد بن محمد بن عبد الله الباهلي في مسند عبد الله بن مسعود، تأليف أحمد بن إبراهيم الدورقي: هذا الحديث يدخله شيئان:
أحدهما: أن يكون هذا من قبل حفظ الناقلين، والوجه الآخر: أن يكون قوله ما رأيت مثلهم إلا ليلة الجن حين رأى ناسًا من الزط، يعني: ما علمت إلَّا ما علمت من رسول الله -ﷺ-؛ لأن الصحيح عن ابن مسعود أنه قال: ما كنت ليلتئذ مع النبي ﷺ، وقال أبو أحمد الكرابيسي: وفي هذا الخبر إبطال كتاب الله تعالى، وذلك أن الله تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، وقال - ﵇ - لعمار: إن لم تجد الماء فعليك بالصعيد.
وقد اجتمعت الأمة أنه لا يتوضأ بغير الماء، ولا يغتسل بغيره من الجنابة، مثل: الخل، ونبيذ التمر والعسل، وماء العصفر، وما أشبه ذلك. ولا يثبت في هذا الباب من هذه الرواية حديث، بل الأخبار الصحيحة عن ابن مسعود ناطقة بخلافه.
وقال أبو جعفر الطحاوي: هذه الطرق لا تقوم بها الحجة عند من يقبل خبر الواحد.
وقال أبو بكر بن المنذر: حديث ليس بثابت، وقال ابن عدي: ولا يصح هذا الحديث عن النبي - ﷺ -، وهو خلاف القرآن، وبنحوه قاله الترمذي، وفي علل الحربي: وأبو زيد رجل مجهول، قد روى حديثه هذا عن أبي فزارة سبعة أنفس، وقالوا خمسة أقاويل، فقال إسرائيل ووكيع وشريك وسفيان: عن أبي زيد، وقال أبو العميس: عن زيد، وقال عبد الملك بن أبي سليمان: عن عبد الله بن يزيد بن الأصم، وقال ليث: عن رجل، وقال أبو عبد الله الشقري: عن شريك أنه حدّثه عن أبي زائدة، خلاف ما حكي عن سعدويه، والقول قول من قال: عن أبي زيد.
الثاني:
وقد خرج عبد الرزاق في أماليه التي رواها عنه الرمادي، فقال: أخبرني الثوري، عن أبي فزارة العبسي، وأما النسائي فلم يذكر في كتاب الكنى غير راشد، فعلى قول البخاري ومن بعده يكون قول من قال فيه: مجهول غير جيد، لا سيما على قول الحربي من أن سبعة رووه عنه، وذكر جماعة من العلماء، فأين مطلق الجهالة مع هذا؟ والله أعلم.
وأما قول ابن الجوزي في كتاب التحقيق: فإن قيل: أبو فزارة اسمه راشد بن كيسان أخرج عنه مسلم، فلذلك قال الدارقطني: أبو فزارة في حديث النبيذ اسمه راشد، فجوابه من وجهين:
أحدهما: أنهما اثنان؛ والمجهول هو الذي في هذا الحديث، ودليل هذا قول أحمد: أبو فزارة في حديث ابن مسعود مجهول، فاعلم أنه غير المعروف.
الثاني: أن معرفة اسمه لا تخرجه عن الجهالة، فيه نظر لما أسلفناه.
الثالث: وهو إنكار كون ابن مسعود - ﵁ - وغيره شهد ليلة الجن، وقد أسلفنا ما يدلّ على أنّه هو حضرها، ولما رأى قومًا من الزطّ، قال: هؤلاء أشبه من رأيت بالجن ليلة الجن، ذكره البطليوسي، وأنكر ذلك علقمة فيما ذكره مسلم في
[ ١ / ٣٠٨ ]
صحيحه، وأبو عبيدة ابنه فيما ذكره البخاري في الأوسط، ولما ذكره أبو جعفر الطحاوي رجّحه مع علمه بانقطاعه، قال: لأنّ ابنه يعلم حال أبيه، وإبراهيم النخعي فيما ذكره البيهقي.
وقال في التحقيق عن اللالكائي: أحاديث الوضوء بالنبيذ وضعت على أصحاب ابن مسعود عند ظهور العصبية.
ويجاب عن إنكار أبي عبيدة بأمرين:
الأول: ضعف الإِسناد الموصل إليه.
الثاني: ما أسلفناه من روايته عكس ذلك، فتهاترتا. وعن قول إبراهيم بانقطاعه، ويشبه أنّه إنّما أخذه عن علقمة، وعن قول علقمة بأن عبد الله لم يشهد الجن وما قالوا، وصدق في ذلك، كان في الخط الذي خطه له المصطفى - ﷺ - ولهذا فإنك لا تجد رواية ضعيفة ولا صحيحة أنه شهد الجن، إنما يقولون: ليلة الجن. وذلك بيّن في حديث أبي الأحوص المتقدّم، وأن الوضوء بالنبيذ كان بعد مجيئه ﷺ من عند الجن.
ومال الطحاوي - ﵀ - إلى أن ابن مسعود لم يحضرها، ويزيده وضوحا ما ذكره الكرابيسي في كتاب المدلّسين من تأليفه: أخبرني من سمع عبد الرزاق يحدّث عن أبيه، عن ميناء، عن عبد الله، أن النبي - ﷺ - قال له ليلة الجن: يا عبد الله نعيت إلي نفسي .. الحديث، في ذكر الخلافة، وحديث التيمي عن أبي عثمان النهدي، عن عبد الله: أنّه رأى ناسا من الزطّ، فقال: ما رأيت شبههم إلا ليلة الجن مع النبي ﷺ.
[ ١ / ٣١٠ ]
وأمّا قول اللالكائي فظاهر في التعصب، والله أعلم، ويزيد ذلك وضوحا حضور الزبير بن العوام أيضا تلك الليلة، روى ذلك الإِسماعيلي، عن موسى بن جعفر، ثنا يعقوب بن سفيان، ثنا سليمان بن سلمة، ثنا أبو يحمد بقية بن الوليد، حدّثني نمير بن يزيد الحمصي - معروف حسن الحديث - عن أبيه، عن عمه قحافة بن ربيعة، ثنا الزبير بن العوام، قال: صلى بنا النبي - ﷺ - الصبح في مسجد المدينة، فلما فرغ قال: أيكم يتبعني إلى وفد الجن الليلة … الحديث.
وكيفما حكى فلم يجزم بعدم حضوره، لكنه تردد، قال الأثرم: سألت أبا عبد الله: الذي يصح عندك أن عبد الله صحب النبي - ﷺ - ليلة الجن؟ فقال: لا أدري. وقال ابن السيد في كتاب أسباب الخلاف: إنما أوجب التعارض أن الذي روى الحديث الأول يعني حديث عبد الله أسقط منه كلمة، وإنّما الحديث ما شهدها أحد غيري.
ومال الطحاوي - ﵀ - إلى أن ابن مسعود لم يحضرها، فقال: فهذا الباب إن كان يؤخذ من طريق صحة الإِسناد؛ فهذا الحديث الذي فيه الإِنكار أولى، يعني حديث علقمة، لاستقامة طريقه ومتنه، وثبت رواته، وإن كان من طريق النظر فإنا قد رأينا الأصل المتفق عليه، أنه لا يتوضأ بنبيذ الزبيب ولا بالخل، فكان النظر على ذلك أن يكون نبيذ التمر أيضًا كذلك.
وقد أجمع العلماء أن نبيذ التمر إذا كان موجودا في حال وجود الماء أنّه لا يتوضأ به؛ لأنه ليس ماءً، فلما كان خارجًا عن حكم المياه في حال وجود الماء، كان كذلك هو في عدم الماء، وتوضؤ النبي - ﷺ - كان وهو غير مسافر، فلو ثبت هذا الأثر أنّ النبيذ يجوز التوضؤ به في البوادي والأمصار، ثبت أنّه يجوز التوضؤ به في حال وجود
[ ١ / ٣١١ ]
الماء وعدمه، فلما أجمعوا على ترك ذلك والعمل بضدّه، ثبت بذلك تركهم لذلك الحديث، وخرج حكم ذلك النبيذ من حكم سائر المياه، وثبت بذلك ألّا يجوز التوضؤ به في حال من الأحوال، وهو قول أبي يوسف وهو النظر عندنا، والأول قول أبي حنيفة. انتهى كلامه.
وفي تاريخ الموصلي من حديث شريك، عن أبي فزارة أن النبي - ﷺ - قال: قد أمرت أن أتلو على إخوانكم من الجن، فليقم معي من ليس في قلبه مثقال خردلة من غش، وفي سنن الدارقطني من جهة المسيب بن واضح، ثنا مبشر بن إسماعيل الحلبي، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس قال رسول الله - ﷺ -: النبيذ وضوء لمن لم يجد الماء.
قال: ووهم فيه المسيب في موضعين: في ذكره ابن عباس، وفي ذكره النبي - ﵇ -، والمحفوظ من قول عكرمة غير مرفوع إلى النبي - ﷺ -، ولا إلى ابن عباس والمسيب ضعيف، وقد رواه مجاعة، وهو ضعيف، عن أبان بن أبي عياش، وهو متروك، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا.
ولما ذكره الجوزقاني قال: هذا حديث باطل، والصحيح رأي عكرمة غير مرفوع، ولما ذكره البيهقي في الخلافيات قال: هذا حديث واهي، وروى أبو إسحاق السبيعي، عن الحارث ومزيدة بن جابر، عن علي: أنه كان لا يرى بالوضوء به بأسًا، قال ابن المنذر: وهو قول الحسن البصري والأوزاعي، قال الدارقطني: وبه قال ابن عباس وعكرمة، قال الترمذي: وبه قال الثوري، وروي عن أبي العالية نحوه، وذهب بعضهم إلى أنّه لو صح لكان منسوخا؛ لأنه كان بمكة في صدر الإسلام.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ نزل في غزوة المريسيع، وممن قالَ ذلك ابن القصار من المالكية وغيره. وأما قول أبي حنيفة: لا يجوز الوضوء بشيء من الأنبذة إلا نبيذ التمر، ففيه نظر؛ لما روى الدارقطني، عن أبي العالية: إنما كان ذلك زبيبا وماء.
[ ١ / ٣١٢ ]
وأصل النبذ: الطرح والرفض، قال الله تعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾، وإذا أردت عمله ليطيب، قلت: نبذت النبيذ، بغير ألف. ذكره ثعلب وكراع وابن السكيت والقزاز.
وأما ما ذكره ابن درستويه من أن قول العامة: أنبذت خطأ، فيشبه أن يكون وهما؛ لأنّ جماعة من اللغويين ذكروا ذلك، فلا عيب على العامة، قال اللحياني في نوادره: وأنبذت لغة، ولكنّها قليلة، وبنحوه ذكره ثعلب في كتاب فعلت وأفعلت، وابن سيده في المحكم، قال: والانتباذ قيل: هو المعالجة.
[ ١ / ٣١٣ ]