١١٩ - حدّثنا هشام بن عمار، ثنا مالك بن أنس، حدّثني صفوان بن سليم، عن سعيد بن سلمة، هو من آل ابن الأزرق، أن المغيرة بن أبي بردة، وهو من بني عبد الدار، حدّثه أنه سمع أبا هريرة يقول: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله - ﷺ -: هو الطهور ماؤه، الحلّ ميتته.
هذا حديث قال فيه أبو عيسى لما خرجه: هذا حديث حسن صحيح، قال: وسألت محمدًا عنه، فقال: هو حديث صحيح، قال أبو عمر بن عبد البر: ما أدري ما هذا من البخاري، فإن أهل الحديث لا يحتجون بمثل إسناد هذا الحديث، ولو كان صحيحًا عنده لوضعه في كتابه، قال: الحديث عندي صحيح؛ لأن العلماء تلقوه بالقبول، وحاصل ما يعترض به على هذا الحديث أربعة أوجه:
أحدها: الجهالة بسعيد بن سلمة والمغيرة، وادعاء أنه لم يرو عن سعيد غير صفوان، ولا عن المغيرة غير سعيد، وفي موضع آخر: وليس إسناده مما تقوم به حجة، فيه رجلان غير معروفين بحمل العلم. انتهى كلامه.
وفيه نظر من وجوه:
الأول: قوله ولو كان صحيحًا لوضعه في كتابه، وذلك أنه هو قد أخبر عن نفسه أنه خرج كتابه هذا من مائة ألف حديث صحيحة، قال: ولم أخرج هنا إلا ما أجمعوا عليه، فهذا صحيح غير مجمع عليه.
الثاني: ما ادّعى من أنّه لم يرو عن سعيد غير صفوان، وليس كذلك، بل روى عنه أيضًا الجلاح أبو كثير، فيما ذكره النسائي في كتاب السنن، والحاكم في
[ ١ / ٣١٤ ]
المستدرك، والبيهقي في كتاب السنن الكبير بلفظ: كنا عند النبي - ﷺ - يوما فجاءه صيّاد، فقال: يا رسول الله إنا ننطلق في البحر نريد الصيد، فيحمل معه أحدنا الإداوة وهو يرجو أن يأخذ الصيد قريبا، فربما وجده كذلك، وربما لم يجد الصيد حتى يبلغ من البحر مكانا لم يظن أن يبلغه، فلعله يحتلم أو يتوضأ، فإن اغتسل أو توضأ نفد الماء، فلعل أحدنا يهلكه العطش، فهل ترى في ماء البحر أن نغتسل منه أو نتوضأ به إذا خضنا ذلك؟ فزعم أن رسول الله - ﷺ - قال له: اغتسلوا به وتوضؤوا منه، فإنه الطهور ماؤه، الحل ميتته.
الثالث: المغيرة روى عنه غير سعيد، وهو يحيى بن سعيد، ويزيد بن محمد القرشي، فيما ذكره البيهقي، وعبد الله بن أبي صالح من رواية ابن وهب عنه. ذكره أبو بكر في رياض النفوس، والحارث بن يزيد، ويزيد بن أبي حبيب، وعبد العزيز بن صالح، وأبو مرزوق التجيبي، وموسى بن الأشعث البلوي وغيرهم، فيما ذكره ابن يونس.
وقال عبد الغني: وصفوان بن سليمان وعبد الله ابنه فيما ذكره أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن أبي خالد في كتابه التعريف بصريح التاريخ.
الرابع:
الخامس: وقال ابن يونس في تاريخ علماء مصر: ولي غزو البحر لسليمان بن عبد الملك سنة ثمان وتسعين، والبعث من مصر لعمر بن عبد العزيز سنة مائة، وولده بإفريقيا إلى اليوم.
قال ابن أبي خلف: شهد قتل أصحاب يزيد بن المهلب، وممن صححه أيضًا أبو حاتم البستي، ثم قال: ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن هذه السنة تفرد بها سعيد بن سلمة، فذكر حديث جابر الآتي بعد، ورجّح ابن منده صحته.
وقال ابن المنذر: ثبت أن النبي - ﷺ - قال في البحر: هو الطهور ماؤه.
وقال البيهقي: هو حديث صحيح، وإنما لم يخرجه البخاري في الصحيح لأجل اختلاف وقع في اسم سعيد بن سلمة والمغيرة، وذكره ابن الجارود في المنتقى، أنا الشيخ المسند المعمر مجد الدين إبراهيم بن علي بقراءتي عليه، أخبركم الإِمام الرحّال صدر الدين أبو علي الحسن بن محمد بن محمد البكري إجازة، إن لم يكن
[ ١ / ٣١٥ ]
سماعا، أنا أبو روح عبد المعز بن محمد بن أبي الفضل الهروي قراءة عليه، أخبركم أبو القاسم زاهر بن طاهر بن محمد الشحامي قراءة عليه وأنت تسمع، أنا أبو سعد محمد بن عبد الرحمن الجنزروذي، أنا أبو طاهر محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة بن صالح السلمي النيسابوري، أنا جدي الإِمام أبو بكر بجميع كتاب الصحيح من تأليفه، قال: أنا يونس بن عبد الأعلى الصدفي، أنا ابن وهب أنّ مالكًا حدثه (ح)، وثنا يحيى بن حكيم، نا بشر، يعني ابن عمر الزهراني، ثنا مالك، نا صفوان، عن سعيد بن سلمة فذكره، قال: هذا حديث يونس. وقال يحيى: عن صفوان، ولم يقل: من آل ابن الأزرق، ولا من بني عبد الدار. وقال: نركب البحر أزمانًا، والحاكم في المستدرك، ومع ذلك فقد أعل بأمور، منها:
الاختلاف في سعيد بن سلمة، فيما ذكره البيهقي في السنن الكبير، فقيل: عن سلمة بن سعيد. وقيل: عن عبد الله بن سعيد المخزومي. وقيل: من آل الأزرق. وقيل: من آل ابن الأزرق. وقيل: من آل بني الأزرق.
ومنها: الإِرسال فيما ذكره أبو عمر من أن ابن أبي عمر والحميدي والمخزومي، رووه عن ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن رجل من أهل المغرب يقال له المغيرة، أن ناسًا من بني مدلج أتوا النبي - ﷺ - فقالوا: … الحديث بمعنى حديث مالك، قال: ويحيى بن سعيد أحفظ من صفوان، وأثبت من سعيد بن سلمة.
ومنها: الاضطراب واختلاف الروايات، فأما ابن إسحاق فرواه عن يزيد بن أبي حبيب، عن الجلاح، عن عبد الله بن سعيد المخزومي، عن المغيرة، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: أتى رجال من بني مدلج، وفي رواية عن ابن إسحاق: سلمة بن سعيد،
[ ١ / ٣١٧ ]
عن المغيرة حليف بني عبد الدار، عن أبي هريرة. ذكره السراج في مسنده.
وفي كتاب البيهقي: واختلف في رواية يحيى بن سعيد اختلافًا كثيرًا، فقيل: عن المغيرة بن عبد الله بن أبي بردة، عن رجل من بني مدلج، عن النبي - ﷺ -، هذه رواية أبي عبيد القاسم بن سلام، عن هشيم عنه.
ورواه بعضهم، عن هشيم، فقال: عن المغيرة بن أبي برزة، وهو وهم،.
قال البيهقي: ورواه سفيان عن يحيى، فقال: عن المغيرة بن عبد الله بن عبدٍ أن رجلا من بني مدلج، ورواه سليمان بن بلال، عن يحيى، عن عبد الله بن المغيرة بن أبي بردة أن رجلا من بني مدلج، وفي رواية: عن عبد الله بن المغيرة الكندي، عن رجل من مدلج.
وقيل: عن عبد الله بن المغيرة، عن أبيه، عن رجل من مدلج، وقيل: عن المغيرة بن عبد الله عن أبيه.
قال البيهقي في معرفة السنن: وهذا الاختلاف يدل على أنه لم يحفظه كما ينبغي، والجواب عن ذلك أنّ من لم يحفظ لا يكون حجة على من حفظ، وذلك أن ابن يوسف جوده، وذلك فيما ذكره الحافظ ابن عساكر - ﵀ - في كتابه مجموع الرغائب، الذي قرأته على الشيخ بدر الدين يوسف الحنفي، أخبركم أبو التقي صالح إجازة إن لم يكن سماعا عن مصنفه المذكور، قال: وقد جوده عبد الله بن يوسف عن مالك، عن صفوان، عن سعيد، سمع المغيرة أبا هريرة.
[ ١ / ٣١٨ ]
وفي كتاب التاريخ للبخاري: وحديث مالك أصح، قال البيهقي: وقد تابعه الليث وعمرو بن الحارث، كلاهما عن سعيد بن سلمة، عن يزيد بن محمد، عن المغيرة. وأمّا الاختلاف في نسبة المغيرة فكلّه بتفاوت غير ضار، قاله أبو عمر. وأمّا رواية ابن إسحاق فقد خالفه في ذلك الليث، حيث رواه كمالك، والليث لا يقارن به ابن إسحاق، وقد وقع لنا حديث أبي هريرة - ﵁ - من غير طريق المغيرة، من جهة الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عنه، أنا بذلك أبو النون يونس بن إبراهيم الكناني إذنًا ومناولة عن ابن المقير، قال: أنبأنا أبو الكرم الشهرزوري، قال: أنا أبو الحسن بن المهتدي في كتابه، عن أبي الحسن علي بن مهدي البغدادي الحافظ، أنا الحسين بن إسماعيل، ثنا محمد بن عبد الله بن منصور، نا أبو أيوب سليمان بن عبد الرحمن، نا محمد بن غزوان، نا الأوزاعي به، ومن جهة ابن المسيب، عن أبي هريرة، ذكره ابن حبان في كتاب الضعفاء من طريق عبد الله بن محمد القدامي، نا إبراهيم بن سعد، عن الزهري عنه، ومن جهة الأعرج، عن أبي هريرة، ذكره ابن منده، وأشار إلى عدم ثبوته. وفي المستدرك: وقد رويت من متابعات مالك في طرق هذا الحديث عن ثلاثة ليسوا من شرط هذا الكتاب، وهم: عبد الرحمن بن إسحاق، والقدامي، وإسحاق بن إبراهيم المزني، وإنّما حملني على ذلك أن نعرف العالمين أن هذه المتابعات والشواهد لهذا الأصل الذي صدّر به مالك كتاب الموطأ، وتداوله فقهاء الإسلام من عصره إلى وقتنا هذا، لا يرد بجهالة سعيد
[ ١ / ٣١٩ ]
والمغيرة، على أنّ اسم الجهالة مرفوع عنهما بهذه المتابعات.
ورواه الدارقطني من حديث إبراهيم بن المختار، عن عبد العزيز بن عمر عن سعيد بن ثوبان، عن أبي هند، عن أبي هريرة، ولفظه: من لم يطهره ماء البحر فلا طهّره الله.
١٢٠ - حدّثنا سهل بن أبي سهل، ثنا يحيى بن بكر، حدّثني الليث بن سعد، عن جعفر بن ربيعة، عن بكر بن سوادة، عن مسلم بن مخشي، عن ابن الفراسي قال: كنت أصيد، وكانت لي قربة أجعل فيها ماءً، وإني توضأت بماء البحر، فذكرت ذلك لرسول الله - ﷺ - فقال: هو الطهور ماؤه الحل ميتته.
هذا حديث سأل الترمذي البخاري عنه فقال: هو مرسل، ابن الفراسي لم يدرك النبي - ﷺ -، وأبوه له صحبة، وقَال الإشبيلي: لم يروه فيما أعلم إلا ابن مخشي وابن مخشي لم يرو فيما أعلم عنه إلَّا بكر بن سوادة، هذا نص ما ذكر، وخفي عليه انقطاع حديثه، وذلك أنه نقله من عند ابن عبد البر، ونص ما عنده عن مسلم أنّ الفراسي، قال: كنت أصيد … الحديث.
وناقض ذلك الإشبيلي حين ذكر حديث إذا كنت سائلا فسل الصالحين، بقوله: ابن الفراسي لم يرو عنه إلا مسلم.
قال أبو الحسن ابن القطان: فتبيّن من هناك أن مسلما لا يروي عن الفراسي إلا بوساطة ابنه، وليست لابنه صحبة. انتهى كلامه.
وقال أبو عمر: حديث الفراسي إسناده ليس بالقائم، وقد وقع لنا هذا الحديث
[ ١ / ٣٢٠ ]
من طريق متصلة صحيحة، ذكرها أبو بكر بن أبي شيبة في مسنده: نا قتيبة، نا ليث، عن جعفر، عن بكر، عن مسلم بن مخشي، عن ابن الفراسي أن الفراسي قال: قلت لرسول الله - ﷺ - … فذكر الحديث.
فهذا كما ترى ابن الفراسي رواه عن أبيه، فذهب ما توهم البخاري وغيره من انقطاعه، على أن البخاري قد خولف في ذلك، فذكر ابن بنت منيع في معجمه أنّ ابن الفراسي له صحبة أيضا، وزعم ابن الأثير أنَّ ابن الفراسي والفراسي واحد، ويشبه أن يكون وهما، والله أعلم.
وأما بكر بن سوادة أبو ثمامة المصري الفقيه المفتي، فروى عن سهل بن سعد الساعدي وغيره من الصحابة، وروى عنه جماعة، منهم: عمرو بن الحارث، وعبد الرحمن بن زياد الإفريقي، والليث بن سعد، قال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله تعالى، وروى له مسلم في صحيحه، واستشهد به البخاري، وبكر بن سوادة وثقه أبو حاتم البستي - ﵀ -، فصح بذلك الحديث، والله تعالى أعلم.
ويقال في الفراسي: فراس، ولم يذكر البخاري في الكبير غيره، وهو من فراس بن مالك بن كنانة، حديثه عند أهل مصر، ومخرج حديثه عنهم.
كذا ذكره أبو عمر، وفيه نظر؛ لأن فراسا ليس هو ابن مالك، إنما هو ابن عثمان بن ثعلبة بن مالك، قال أبو محمد الرشاطي: وثبوتهما هو الصواب.
١٢١ - حدّثنا محمد بن يحيى، ثنا أحمد بن حنبل، ثنا أبو القاسم بن أبي الزناد، حدّثني إسحاق بن حازم، عن ابن مقسم عبيد الله، عن جابر: أن النبي - ﷺ - سئل عن ماء البحر فقال: هو الطهور ماؤه، الحل ميتته.
هذا حديث ذكر الشيخ تقي الدين أن ابن السكن خرجه في مصنفه. وقال: هو أصح ما روي في هذا الباب، وخالفه ابن منده في هذا، فقال: روى هذا الحديث
[ ١ / ٣٢١ ]
عبيد الله بن مقسم، عن جابر، وعن الأعرج، عن أبي هريرة، ولا يثبت، والظاهر أن القول كما قاله ابن السكن، وذلك أنّ رجال إسناده ثقات.
بيانه: أن أبا القاسم ابن أبي الزناد لما سئل عنه أبو زرعة، فقال: اسمه كنيته، لا يعرف له اسم، وتبعه على ذلك الحافظان مسلم بن الحجاج وأبو عمر، وغيرهما من المتأخرين، وخالف ذلك أبو عمرو بن الصلاح، فذكر أن اسمه مرداس، أنا بذلك قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة، قال: أنا قاضي القضاة تقي الدين ابن رزين، أنا ابن الصلاح، وأنبأ به جماعة من شيوخنا الشاميين عنه به.
وقال عباس بن محمد: سئل عنه يحيى بن معين، فقال: ليس به بأس، قد سمع منه أحمد، قرأت على الشيخ المعمر أبي زكريا المقدسي أخبركم ابن رواح إجازة، إن لم يكن سماعا، أنا الحافظ أبو طاهر قراءة عليه وأنا أسمع بثغر الإسكندرية في يوم الأحد لعشرين من جمادى الأولى من سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، أنا الشيخ أبو القاسم محمود بن سعادة بن أحمد بن يوسف بن عمران الهلالي بثغر سلماس من أصل سماعه سنة ست وخمسمائة، أنا أبو يعلى الخليل بن عبد الله القزويني قدم علينا سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، ثنا أبي، نا علي بن إبراهيم بن سلمة القطان، نا علي بن أحمد بن الصباح، نا أبو بكر أحمد بن محمد بن هانئ - ﵀ - قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل ذكر أبا القاسم بن أبي الزناد، فأثنى عليه، وقال: كتبنا عنه وهو شاب.
وأمّا إسحاق بن حازم. وقيل: ابن أبي حازم المديني، فروى عنه عبد الله بن وهب، وعبد الله بن نافع، وخالد بن مخلد، ومعن بن عيسى، قال فيه ابن معين: ثقة، وكذلك قاله أحمد بن حنبل. وقال أبو حاتم الرازي: صالح الحديث.
وخرجه الحاكم في مستدركه عن ابن قانع، ثنا محمد بن علي بن شعيب، ثنا الحسن بن بشر، ثنا المعافي بن عمران، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر.
ورواه الدارقطني، عن علي بن الفضل، ثنا أحمد بن أبي عمران، نا سهل بن تمام، ثنا مبارك بن فضالة، عن أبي الزبير به، قال: وخالفه عبد العزيز بن عمران، وليس بالقوي. فأسنده عن أبي بكر الصديق، وجعله عن وهب بن كيسان،
[ ١ / ٣٢٢ ]
عن جابر، ولما ذكره في العلل قال: تفرد به عبد العزيز، وهو مدني ضعيف الحديث، وقد روي عن أبي بكر من قوله غير مرفوع من رواية صحيحة من حديث عمرو بن دينار، عن أبي الطفيل عنه.
ورواه ابن زاطيا عن شيخ له، من حديث عبيد الله بن عمر، عن عمرو بن دينار، عن أبي الطفيل، عن أبي بكر، عن النبي - ﷺ - ووهم في رفعه، والموقوف أصح.
ولما ذكره ابن صخر في فوائده، قال: قال لنا أبو محمد الحسن بن علي: هذا حديث غريب من حديث أبي بكر، عن النبي - ﷺ -، انفرد بروايته بهذا الإِسناد محمد بن يحيى المدني، وما كتبناه إلَّا من حديث عمر، يعني ابن شبة، وقد حدّث به الزيادي، فقال: حدّثني أبو زيد النحوي، يعني ابن شبة، ثنا محمد بن يحيى، حدّثني عبد العزيز … فذكره.
وقال صاحب كتاب الوقوف على معرفة الموقوف: الصحيح موقوف على أبي بكر، وفي هذا ردّ لما ذكره أبو عيسى من حديث أبي هريرة: وفي الباب عن جابر والفراسي، وفيه أيضا حديث ابن عباس، خرجه الحاكم في مستدركه من حديث حماد بن سلمة، عن أبي التياح، عن موسى بن سلمة عنه، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، وشواهده كثيرة، ولم يخرجاه. وأبى ذلك الدارقطني، فزعم أن وقفه هو الصواب.
وفيه أيضا: حديث عليّ بن أبي طالب، خرجه الحاكم من حديث محمد بن الحسين بن علي، حدّثني أبي، عن أبيه، عن جدّه عنه.
وفيه أيضا حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، خرجه الحاكم من حديث الهقل بن زياد، عن الأوزاعي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه.
وفيه أيضا: حديث أنس بن مالك، أنا به يونس بن إبراهيم إذنا ومناولة،
[ ١ / ٣٢٣ ]
عن ابن المقيرّ، قال: أنبأنا أبو الكرم الشهرزوري، ثنا محمد بن علي من كتابه، أنبأنا علي بن عمر قال: نا علي بن مبشر، نا محمد بن حرب، نا محمد بن يزيد، عن أبان، عن أنس به، قال: أبان هو ابن أبي عياش، وهو متروك الحديث.
وفيه أيضا حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب، ذكره الدارقطني، وقال: باطل بهذا الإسناد، مقلوب.
وفيه أيضا حديث العركي، أنا به الإِمام تاج الدين ابن دقيق العيد - ﵀ - إجازة، عن الفقيه أبي الحسن بن الحميري، قال: أنبأنا الحافظ أبو الطاهر بن سلفة، قال: أنا الشيخ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم الرازي قراءة عليه، وأنا أسمع بمصر، قال: أنا القاضي أبو الفضل محمد بن أحمد بن عيسى السعدي، قال: أنا أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن حمدان العكبري، قال: قرئ على أبي القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، نا عثمان بن أبي شيبة، نا حاتم بن إسماعيل، عن حميد بن صخر، عن عياش بن عباس، عن عبد الله بن جرير، عن العركي الذي سأل رسول الله - ﷺ - قال: يا رسول الله، إنا نركب الأرمات، فنبعد في البحر، ومعنا ماء لشفاهنا … الحديث.
قال أبو القاسم: هكذا ثنا عثمان، عن حاتم، عن حميد بن صخر، وهو وهم، وإنما هو حميد بن زياد أبو صخر المدني، وهو صالح الحديث، قال: والعركي بلغني أن اسمه عبدود، ورواه ابن قتيبة في غريبه، عن القرشي، ثنا محمد بن غياث المكي، نا حاتم بن إسماعيل، عن أسامة بن زيد، عن أبي عبد الرحيم، عن عبد الله بن رزين الغافقي، عن العركي به.
وأما البحر فمختلف فيه؛ فزعم بعضهم أن ذلك يعم العذب والملح. وقال بعضهم: بل ذلك مخصوص بالملح فقط، وممن قال ذلك القزاز، فإنه ذكر أنه سمي بذلك لسعته من قولهم: تبحر الرجل في العلم؛ إذا اتسع فيه، وإذا اجتمع الملح من الماء والعذب سموهما باسم الملح، قال تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾،
[ ١ / ٣٢٤ ]
فجعل الماء العذب بحرًا لمقارنة الملح.
قال الشاعر:
وقد عاد عذب الماء بحرًا فزادني … على مرضي أن أبحر المشرب العذب
انتهى كلامه.
وفيه تصريح بأن البحر إنما يطلق على الملح لا العذب، وإن أطلق فعلى سبيل المجاز، وكذا ذكره ابن فارس في محكمه بقوله: ماء بحر، أي ملح، يقال: أبحر الماء إذا ملح، وفي الغريب المصنف عن الأموي والأصمعي: البحر هو الملح، يقال فيه: قد أبحر الماء، أي صار ملحا، وكذا ذكره الزمخشري في أساس البلاغة بقوله: وماء بحر وصف به لملوحته، وقد أبحر المشرب العذب، قال ذو الرمة:
بأرض هجان الترب وسمية الثرى … غداة نأت عنها الملوحة والبحر
وفي كلام الجوهري ما يفهم منه خلاف ذلك؛ لقوله: البحر خلاف البر، سمي بذلك لعمقه واتساعه، والجمع: أبحر وبحار وبحور، وكل نهر عظيم بحر، قال عدي:
سره ماله وكثرة ما يملك … والبحر مُعْرضًا والسدير
يعني: الفرات. وقال الشافعي - رحمه الله تعالى - في كتاب المناسك وغيره: والبحر الماء العذب والملح، وإليه نحا أبو محمد بن بري في كتابه المسمى بـ التنبيه والإِفصاح عمّا وقع في كتاب الصحاح، الذي أنا بجميعه الشيخ تاج الدين أحمد بن علي بن وهب المعروف بابن دقيق العيد، إذنًا عن الفقيه بهاء الدين عنه، قال: كان الأموي يجعل البحر من الماء الملح فقط، قال: وسمّي بحرًا لملوحته، يقال: ماء بحر أي مالح، وأما غيره فقال: إنما سمي بحرًا لسعته وانبساطه، ومنه قولهم: إنّ فلانًا لبحر، أي: واسع المعروف، فعلى هذا يكون البحر للملح والعذب،
[ ١ / ٣٢٥ ]
وشاهد العذب قول ابن مقبل:
ونحن منعنا البحر أن تشربوا به … وقد كان منكم ماؤه بمكان
وقال جرير:
اعطوا هنيدة تحدوها ثمانية … ما في عطائهم من ولا سرف
كومًا مهاريس مثل الهضب لو وردت … ماء الفرات لكاد البحر ينتزف
وقال الكميت:
أناس إذا وردت بحرهم … صوادي العرائب لم تضرب
وقد أجمع أهل اللغة أن اليم هو البحر، وجاء في التنزيل ﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ قال أهل التفسير: هو نيل مصر، وفي كتاب الجمهرة لابن دريد: والعرب تسمي الماء الملح والعذب بحرًا إذا كثر، وفي التنزيل: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ يعني الملح والعذب. وفي كتاب الغريب لابن قتيبة: سئل ابن عباس عن الوضوء بماء البحر، فقال: هما البحران لا تبال بأيهما توضأت، والله أعلم.
ذكره الأجدائي في كتاب الكفاية التي قرأتها على علامة وقته وشيخ مشائخ البلاد أبي حيان عن ظهر قلب في مجلس واحد، وأخبرني بها عن الشيخ الصالح المقرئ رشيد الدين عبد النصير بن علي الهمداني وغيره، عن أبي الفضل جعفر بن أبي البركات، وأنبأني بها جماعة من أصحاب جعفر عنه، عن أبي الفتح رضوان بن مخلوف، عن أبي الحسن علي بن الحسن بن حفص القرشي سماعًا من والده. وعن أبي محمد عبد الله ابن المؤلف لها أبي إسحاق إبراهيم بن إسماعيل بن أحمد بن عبد الله الطرابلسي، كلاهما عن مؤلّفها أبي إسحاق، قال: والبحر: الماء الكثير المتسع، عذبًا كان أو ملحا، وإنما سمي بحرا لكثرة مائه.
ومن أسمائه: اليم، والدأماء، والمهرقان، وحصارة، والقاموس: وسطه، وغواريه: أمواجه، والحال: طينه وترابه، والعبر: ساحل البحر وهو الشّط، والشاطئ، والسيف، والضف، والضفة، والجد، والجدة، والغيقة، ويقال: ماء زَغْرَبَ، وماء تليذم، وماء خضرم؛ إذا كان كثيرا متسعًا، وفي الغريب المصنف: والبلاثق: الماء الكثير، وفي كتاب الألفاظ لابن
[ ١ / ٣٢٦ ]
السكيت: وكذلك ماء سُعر، وسعبر، وطيس، وطيسل، وأديب، وجوار على فعال أي: كثير.
وفي كتاب تثقيف اللسان للحميري: ولا يقولون بحرا إلَّا لما كان ملحًا خاصة، والبحر يقع على الملح والعذب. انتهى كلامه.
وفيه نظر من حيث عيبه على من يقول ذلك من الناس، ولا عيب عليهم؛ لما أسلفناه من قول جماعة من أهل العلم باللغة، والله أعلم.
وأما السائل، فزعم السمعاني أنه العركي، قال: وهو اسم يشبه النسبة، والله أعلم. انتهى.
وفيه نظر من حيث جعله اسما، وليس كذلك، بل هو نعت لمن كان صيادًا، وقد سبق بيان ذلك في الكتاب الموسوم بـ رفع الارتياب في الكلام على اللباب، وملخصه ما ذكره القزاز وغيره، والعروك: الصيادون، والواحد: عركي، قال زهير:
يغشى الحداة بها رعث الكثيب كما … يغشى السَّفائن موج اللجة العرك
وكتب المصطفى - ﷺ - لقوم من اليهود: أنّ عليكم ربع ما أخرجت نخلكم، وربع ما صاد عروككم، ويزيد ذلك وضوحا قول البغوي: قيل: اسمه عبد، كما أسلفناه، واختلف في الوضوء من ماء البحر؛ فكره الوضوء منه جماعة، منهم: أبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وأبو العالية فيما ذكره ابن أبي شيبة في المصنف.
وفي الإشراف عن ابن المسيب: إذا ألجُئت إليه توضأ منه. وقد انعقد الإِجماع على جواز الوضوء منه فيما حكاه ابن عبد البر، وإنما كره الوضوء منه من كرهه لما روي في بعض الأحاديث من أنّ الله تعالى يسقط فيه الكواكب يوم
[ ١ / ٣٢٧ ]
القيامة ويصيره نارًا، وفي حديث يعلى من تاريخ محمد بن إسماعيل مرفوعًا: البحر من جهنم، أحاط بهم سرادقها، والله لا أدخله حتى أعرض على الله تعالى وكنت لم أسمع بهذا الحديث، فلما سافرت إلى الشام سنة تسع وسبعمائة في شوال نزلنا منزلة العريش على شاطئ البحر يوم الثلاثاء تاسعه، وجب علي غسل، فلما أن أردت أن أغتسل من البحر، وجدت ناسا كثيرًا مختفين بالشاطئ، فبصرت استضواء، فنمت وقت القائلة، فرأيت في منامي برية واسعة مليء جمرا كهيئة الكرسي إذا أوقد عليه، فجعلت أفكر فيه، فسمعت قائلا يقول: هذا البحر الملح صيره أو يصيره الله يوم القيامة نارًا، فلا تقربه، فاستيقظت فزعًا ولم أقربه ولا ماءه، فلما قدمنا من الشام ومرت علينا أعوام رأيت هذا الحديث في كتب المسانيد، فحمدت الله تعالى الذي وقاني شره وصدق رؤياي.
[ ١ / ٣٢٨ ]