١٧٤ - حدّثنا سويد بن سعيد، ثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن شعبة، عن حبيب بن زيد، عن عباد بن تميم، عن عبد الله بن زيد، قال رسول الله -ﷺ-: الأذنان من الرأس.
هذا حديث خرجه أبو حاتم في صحيحه، ولم يلتفت إلى ما أعل به؛ وذلك أن سويدًا خرج حديثه مسلم في صحيحه محتجًا به، ووثقه غير واحد.
ورمي بالتدليس، وهو هنا مأمون، وبالاختلاط لما عمي، والتلقين وهو هنا معدوم؛ لأن ابن ماجه أخذ عنه قديمًا.
وقول البيهقي في الخلافيات إثر حديث خالف الشّافعي: اختلط بعد أن كتب عنه مسلم، ولعلّه لو عرف تغيّره ما روى عنه في الصحيح - فكلام لا معنى له، ولعل الملجئ له إلى ذلك التعصب؛ لأنه طالما صحح أحاديث من روايته غير مُبيّن فيها سماعًا ولا تحدَّيثا ولا حالا، بل يحيل على من وثقه، وتخريج مسلم حديثه، وقد بين الدارقطني حاله بيانا شافيًا حين سأله حمزة عنه، فقال: تكلّم فيه ابن معين، وقال: حدث عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد أن النبي -ﷺ- قال: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة. رواه عن أبي كريب عن أبي معاوية، كما قال سويد سواء، وتخلص سويد، وصح الحديث عن أبي معاوية، أنا بذلك المسند المعمر أبو
[ ١ / ٤٤٦ ]
الحسن الصوفي بقراءتي عليه يوم الأربعاء سابع عشرين جمادى الأولى سنة سبع عشرة وسبعمائة، أخبركم الإمام أبو محمد بن ظافر المصري إجازة إن لم يكن سماعًا، عن الحافظ السلفيَ قال: سمعت المؤتمن الساجي يقول: سمعت إسماعيل بن مسعدة الجرجاني الحافظ يقول: سمعت أبا القاسم حمزة بن يوسف عن إبراهيم الحافظ يقول .. فذكره، وقد أشبعت الكلام فيه في كتابي الواضح المبيّن في ذكر من مات من المحبين.
وأما قول أبي عيسى الترمذي: قلت للبخاري: فإنهم يذكرون عن سويد بن سعيد، عن ابن أبي زائدة، عن شعبة، عن حبيب بن زيد .. فذكر كلامًا، وكان بعده ما صورته وضعفه جدًّا، وقال: كلما لقّن شيئًا تلقنه وضَعَّف أمره، فإنما يريد سويدًا لا الحديث؛ لأنّ مذهبه في سويد معلوم، وحبيب بن زيد بن خلَّاد حفيد عبد الله بن زيد، وثقه النسائي وابن حبان، وقال أبو حاتم الحنظلي: صالح، وباقي من في الإِسناد لا يسأل عن حالهم.
١٧٥ - حدّثنا محمد بن زياد، أنا حماد بن زيد، عن سنان بن ربيعة، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة أن رسول الله -ﷺ- قال: الأذنان من الرأس، وكان يمسح رأسه مرة، وكان يمسح المأقين.
هذا حديث مختلف في رفعه ووقفه وتحسينه وتضعيفه.
فأمّا أبو داود فذكر في كتاب التفرد، عن سليمان بن حرب يقولها أبو أمامة، يعني الأذنين.
وأمّا الترمذي فإنه لما ذكره قال: إسناده ليس بذاك القائم.
وقال الدارقطني: رفعه وهم، والصواب أنه موقوف، ثم ذَكر من تابع شهرا على رفعه، وهو راشد بن سعد من طريق ابن أبي مريم وهو ضعيف، والقاسم من طريق جعفر بن الزبير، وهو
[ ١ / ٤٤٧ ]
متروك، ولما ذكر ابن عدي طريق راشد هذه، قال: هذا يعرف من طريق حماد بن زيد، عن سنان بن شهر، وحدث به أحمد بن عيسى الخشاب، عن عبد الله بن يوسف، عن عيسى بن يونس، عن ابن أبي مريم هكذا، والحمل فيه عليه.
قال قتيبة: قال حماد: لا أدري هو من قول النبي -ﷺ- أو أبي أمامة، يعني قصة الأذنين.
وقال في الخلافيات: ما منها حديث، يعني الأذنان من الرأس إلا وله علة.
وقال البيهقي في السنن الكبير: روى حديث الأذنان من الرأس بأسانيد ضعاف، أشهرها حديث شهر، وهو معلل من وجهين:
الأول: ضعف بعض رواته، والآخر دخول الشك في رفعه، وبنحوه قال الدارقطني، وفيما قالاه نظر؛ لأن حديث ابن زيد المذكور أصح من حديث شَهْر وأَشْهر، ولما سئل موسى بن هارون، عن حديث أبي أمامة، قال: ليس بشيء فيه شَهْر، والحديث في رفعه شك.
وقال سليمان بن حريث: الأذنان من الرأس، إنّما هو من قول أبي أمامة، فمن قال غير هذا فقد بدل، أو كلمة قالها سليمان، أي أخطأ، ولما ذكره الدارقطني في سننه، قال: شهر ليس بالقوي، وقد وقفه ابن حُرب، عن حماد وهو ثقة ثبت.
ولما ذكره الإشبيلي أبرز من إسناده شهرا فقط، قال ابن القطان: لم يتقدّم له ذكر شهر قبل هذا، فهو إذا لم يعتمد فيه مقدما قدم، وشهر قد وثقه قوم، وضعفه آخرون، وجنح إلى ترجيح توثيقه كما أسلفناه قبل، ويرويه عنه
[ ١ / ٤٤٨ ]
أبو ربيعة سنان بن ربيعة، قال فيه أبو حاتم: شيخ مضطرب الحديث. وقال ابن معين: ليس بالقوي. وقد أخرج له البخاري، فهذا الذي فسرناه من علة هذا الخبر، هو الذي لا يصح من أجله عنده، والله أعلم.
وفي كتاب العلل للحنظلي: سألت أبي عن حديث رواه حماد بن سلمة، عن سنان بن ربيعة، عن أنس: أنّ النبي -ﷺ- كان إذا توضأ غسل مآقي عينيه قال أبي: روي عن حماد بن زيد، عن سنان، عن شَهْر، عن أبي أمامة، عن النبي -ﷺ-. وحماد بن زيد أحفظ وأثبت من ابن سلمة، وسنان مضطرب الحديث.
١٧٦ - حدّثنا محمد بن يحيى، ثنا عمرو بن الحصين، ثنا محمد بن عبد الله بن عُلاثة، عن عبد الكريم الجزري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال رسول الله -ﷺ-: الأذنان من الرأس.
هذا حديث، قال أبو محمد الإشبيلي: لا يصح، ولم يبيّن لم ذلك، وهو حديث معلل بأمرين:
الأول: عمرو بن الحصين البصري العقيلي، قال ابن أبي حاتم: سمع منه أبي.
وقال: تركت الرواية عنه، ولم يُحدّثنا بحديثه.
وقال: هو ذاهب الحديث ليس بشيء، أخرج أوّل الشيء أحاديث مشبهة حسانا، ثم أخرج بعد لابن عُلاثة أحاديث موضوعة فأفسد علينا ما كتبنا عنه، فترك حديثه، وسئل أبو زرعة عنه عندما امتنع عن التحديث عنه، فقال: ليس هو في موضع من يحدث عنه، هو واهي الحديث.
وقال أبو الفتح الأزدي: ضعيف جدا، يتكلّمون فيه، وقال ابن عدي: حدث عن الثقات بغير حديث منكر، وهو متروك الحديث.
وقال الدارقطني: متروك.
وقال في السنن لما ذكر الحديث: عمرو وابن عُلاثة
[ ١ / ٤٤٩ ]
ضعيفان. ثم ذكره من رواية جماعة عن أبي هريرة وضعفها كلّها وأغفل ذكره الحافظ المقدسي في كماله ولا ينبغي له ذلك.
الثاني: أبو اليُسير محمد بن عبد الله بن عُلاثة العقيلي، قاضي بغداد لمحمد بن أبي جعفر، ويُعرف بقاضي الجن، وإن كان ابن معين وثقه.
وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله تعالى.
وقال أبو زرعة: صالح، فقد قال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه ولا يحتج به.
وقال البخاري: في حديثه نظر.
وقال أبو الفتح الأزدي: لست أقنع من البخاري بهذا، حديثه يدل على كذبه، وكان أحد العُضل في التزيد، وفي موضع آخر: كان واهي الحديث لا يحل كتب حديثه عن الأوزاعي، وحديثه يدل على كذبه.
قال أبو بكر الخطيب: قد أفرط الموصلي في الميل على ابن علاثة، وأحسبه وقعت إليه روايات لعمرو بن الحصين، عن ابن علاثة، فنسبه إلى الكذب لأجلها، والعلة في تلك من جهة عمرو؛ فإنّه كان كذابا.
وأمّا ابن عُلاثة فقد وصفه ابن معين بالثقة، ولم أحفظ لأحد من الأئمة فيه خلاف ما وصفه به يحيى. انتهى كلامه.
وما ذكرناه من كلام الأئمة يرد قوله.
وقال ابن عدي: ابن عُلَاثة حسن، وأرجو أنه لا بأس به.
وقال الدارقطني: عمرو بن الحصين وابن علاثة ضعيفان متروكان.
وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات، لا يحل ذكره إلا على جهة القدح فيه، ورّد به ابن القطّان حديثًا، وكذلك ابن طاهر، وردّ حديث: ما عظمت نعمة الله على عبد بقوله: ليس بحجة.
ولما ذكر أبو عيسى حديث شَهْر قال: وفي الباب عن أنس لم يزد شيئًا، وقد تقدّم حديث عبد الله بن زيد وأبي هريرة، وفيهما رّد لما ذكره.
وكذا حديث عبد الله بن عباس القائل فيه عبد الحق:
[ ١ / ٤٥٠ ]
هو ضعيف، وأنكر ذلك أبو الحسن، فقال: ليس هو عندي كذلك، بل إما صحيح وإما حسن، وبيانه هو ما ذكره الدارقطني، ثنا محمد بن عبد الله بن زكريا النيسابوري بمصر، ثنا أحمد بن عمرو بن عبد الخالق، ثنا أبو كامل، ثنا غندر، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس أن النبي -ﷺ- قال: الأذنان من الرأس. حدّثني به أبي قال: ثنا الباغندي، ثنا أبو كامل بهذا مثله. هذا الإِسناد صحيح بثقة رواته واتصاله، وإنما أعلّه الدارقطني بالاضطراب في إسناده، فتبعه أبو محمد على ذلك، وهو ليس بعلة فيه، والذي قال فيه الدارقطني: هو أن أبا كامل تفرّد به من غندر، ووهم فيه عليه، هذا ما قال، ولم يؤيّده بشيء ولا عضده بحجة، غير أنّه ذكر أنّ ابن جريج الذي دار الحديث عليه يُروى عنه عن سليمان بن موسى، عن النبي -ﷺ- مرسلًا، وما أدري ما الذي يمنع أن يكون عنده في ذلك حديثان مسند ومرسل. انتهى كلامه.
وفي قول ابن القطان، وحدث به عن غندر أبو كامل والمعمري، ففي قوله: والمعمري - رّد لما قاله الدارقطني من تفرّد أبي كامل به، عن غندر.
ورواه أيضًا من جهة محمد بن زياد الطحان، عن ميمون بن مهران، عن
[ ١ / ٤٥١ ]
ابن عباس: سئل - ﵇ - عن الأذنين .. الحديث، وحديث سلمة بن قيس الأشجعي أن النبي -ﷺ- قال: إذا توضأت فانثر، وإذا استجمرت فأوتر، والأذنان من الرأس.
ذكره أبو بكر الحافظ في كتاب المدرج من الأحاديث من حديث خيثمة بن سليمان، عن وزير بن القاسم الجبيلي، عن آدم، عن شعبة، عن منصور، عن هلال بن يساف عنه، قال: قوله في هذا الحديث الأذنان من الرأس - خطأ فظيع ووهم شنيع، وذلك أنّ المتن المرفوع آخره فأوتر، حسب لا زيادة عليه، والوهم في هذا الحديث من وزير، وهمه على آدم أو من خيثمة، وهمه على وزير.
والحديث في كتاب آدم عن شعبة، آخره: فأوتر، وبعده في إثره، بإسناد آخر عن عبد الله بن عمر: الأذنان من الرأس. فأسقط الناقل لحديث سلمة ما بعده من إسناد حديث ابن عمر، ووصل منه بلفظ حديث سلمة، وقد روى معمر والثوري وزائدة وموسى بن مطير وقيس بن الربيع هذا الحديث، فلم يزيدوا على ما قلت لك.
وكذا رواه أبو الوليد، عن شعبة، عن منصور، وروى إبراهيم بن الهيثم البلوي، عن آدم، عن شعبة حديث سلمة هذا، وأتبعه بحديث ابن عمر، وميّز كل واحد منهما عن صاحبه، وحديث عبد الله بن عمر ذكره ابن عدي الحافظ من رواية زيد العمي، عن نافع عنه، وعن زيد: محمد بن الفضل بن عطية، قال: ولعلّ البلاء منه، فإنّه أضعف من زيد، وذكره أيضا في ترجمة إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن سعيد، عن نافع عنه، قال: وهذا الحديث لم يحدث به عن إسماعيل غير ضمرة، ولا عن يحيى غير إسماعيل.
وقال الدارقطني: رفعه وهم، والصواب موقوف، وحديث أبي
[ ١ / ٤٥٢ ]
موسى الأشعري، ذكره أبو القاسم في الأوسط من حديث علي بن سعيد الرازي، ثنا الأحمر. وقال: لم يروه عن الأشعث إلا علي بن مسهر، تفرّد به علي بن زياد، ولا يروى عن أبي موسى إلا بهذا الإِسناد.
وقال ابن أبي حاتم في كتاب العلل: سمعت أبي وذكر حديث علي بن جعفر الأحمر، عن عبد الرحيم بن سليمان، عن أشعث، عن الحسن عن أبي موسى مرفوعا: الأذنان من الرأس، فقال أبي: ذاكرت أبا زرعة بهذا الحديث، فقال: حدّثنا إبراهيم بن موسى، عن عبد الرحيم، فقال: عن أبي موسى موقوف.
ولما ذكره ابن عدي قال: لا أعلم أحدا رفعه عن عبد الرحيم غير علي الأحمر.
وحديث عائشة قال فيه الدارقطني: إرساله أصح، وحديث علي ذكره الدبوسي في الأسرار، وحديث جابر بن عبد الله وسمرة بن جندب ذكرهما البيهقي في كتاب الخلافيات، وأعلهما، وعمم أبو محمد بن حزم بضعف سائر الأحاديث الّتي في الباب، ووهاها، وفيه نظر لما أسلفناه.
قال أبو عمر في كتاب التمهيد: قال مالك فيما روى عنه ابن وهب وابن القاسم وأشهب وغيرهم: الأذنان من الرأس، إلا أنه قال: يستأنف لهما ماء جديدا سوى الماء الذي مسح به الرأس، فوافق الشافعي في هذا؛ لأن الشافعي قال: يمسح الأذنين بماء جديد كما قال مالك، ولكنه قال: هما سنة على حيالهما لا من الوجه ولا من الرأس، واحتج بحديث ابن جدعان: أنّ النبي -ﷺ- أخذ لهما ماء جديدا، وكذلك روى:
[ ١ / ٤٥٣ ]
أنه - ﵇ - مسح، ومسك مسبحتيه لأذنيه ذكر ذلك أبو زيد، وفي حديث عبد الله بن زيد المصحح إسناده عند البيهقي دلالة واضحة للشّافعي، وهو: وأخذ لأذنيه ماء خلاف الماء الذي أخذ لرأسه.
وذكره أبو عبد الله بن البيع في النوع الخامس والعشرين من علوم الحديث بسند صحيح، أنبأنا بذلك المسند المعمر أبو النون الدبوسي بقراءتي عليه، عن ابن المقرئ، أنبأنا الحافظ محمد بن ناصر السلامي عن ابن خلف أنا الحاكم قراءة عليه، قال: أنا أبو علي الحافظ، ثنا أبو الطاهر المديني بمصر، ثنا حرملة بن يحيى، ثنا ابن وهب، ثنا عمرو بن الحارث، عن حبان بن واسع، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد، فذكره، وقال: هذه سنة غريبة تفرد بها أهل مصر، ولم يشركهم فيها أحد.
ورواه الترمذي بهذا الإسناد بلفظ: مسح رأسه بماء غير فضل يديه وقال: حسن صحيح. كذا قالَ: مسح رأسه ولم يذكر الأذنين.
وكذا حديث مالك، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان إذا توضأ يعيد إصبعيه في الماء فيمسح بهما أذنيه.
وقال عبد الحق: روى هذا ابن جارية، عن أبيه، عن النبي -ﷺ-: تجديد الماء للأذنين، وهو ضعيف، وزعم ابن القطان أنه حديث لا وجود له أصلًا.
وقال أبو عمر: وقول أبي ثور في ذلك كقوله سواء. وقال أحمد بن حنبل كقول مالك. وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه: الأذنان من الرأس يمسحان مع الرأس بماء واحد.
وروي عن جماعة من السلف من الصحابة والتابعين مثل هذا القول. وقال ابن شهاب: الأذنان من الوجه. وقال الشعبي: ما أقبل منهما من الوجه، وظاهرهما من الرأس، وبه قال الحسن بن حي وابن راهويه.
وحكى ابن راهويه
[ ١ / ٤٥٤ ]
هذا القول عن الشافعي، والمشهور ما تقدّم ذكره، رواه عنه المزني والربيع والبويطي والزعفراني وغيرهم، وقد روي عن أحمد مثل قول الشعبي وإسحاق.
وقال داود: إن مسح أذنيه فحسن، وإن لم يمسح فلا شيء عليه، وأهل العلم يكرهون للمتوضئ ترك مسح أذنيه، ويجعلونه تارك سنة من سنن النبي -ﷺ- ولا يوجبون عليه إعادة إلا إسحاق، فإنّه قال: إن ترك مسح أذنيه عمدا لم يجزه.
وقال أحمد: إنّ تركهما عمدًا أحببت أن يعيد، وقد كان علي بن زياد صاحب مالك، يقول: من ترك سنة من سنن الوضوء أو الصلاة عامدًا أعاد، وهذا عند الفقهاء ضعيف، وليس لقائله سلف ولا له حظ من النظر، ولو كان ذلك كذلك لم يُعرف الفرض الواجب من غيره.
واحتج مالك والشافعي في أخذهما للأذنين ماء جديدا؛ بأنّ ابن عمر كان يفعل ذلك، وحجة أبي حنيفة حديث زيد بن أسلم، عن عطاء، عن ابن عباس، عن النبي -ﷺ- أنه كذلك فعل، وحديث الصنابحي حيث قال - ﵇ -: فإذا مسح رأسه خرجت الخطايا من أذنيه، كما قال في الوجه: من أشفار عينيه، وفي اليدين: من تحت أظفاره.
ومن المعلوم أن العمل في ذلك واحد بماء واحد، واحتجوا أيضا بما رواه أبو داود، عن ابن عباس، ومسح برأسه مسحة واحدة، وأكثر الآثار على هذا، وحجة من قال: يغسل ظاهرهما مع الوجه، ويمسح باطنهما مع الرأس أن الله ﷿ قد أمر بغسل الوجه، وهو مأخوذ من المواجهة، فكل ما وقع عليه اسم وجه وجب غسله، وأمر ﷿ بمسح الرأس وما لم يواجهك من الأذنين فمن الرأس؛ لأنهما في الرأس فوجب المسح على ما لم يواجه منهما مع الرأس، وهو قول ترده الآثار الثابتة، عن النبي -ﷺ-: أنه كان يمسح ظهور أذنيه وبطونهما من حديث علي وابن عباس وغيرهما.
وحجة ابن شهاب أنهما من الوجه؛ لأنه ما لم ينبت عليه الشعر فهو من الوجه، لا من الرأس إذا أدركته المواجهة، ولمن يكن قفا، والله تعالى قد أمر بغسل الوجه أمرًا مطلقًا.
وفي حديث عثمان: فأخذ ماء فمسح برأسه
[ ١ / ٤٥٥ ]
وأذنيه، يغسل ظاهرهما وباطنهما.
ومن الحجة له أيضًا ما صح عنه - ﵇ -: أنّه كان يقول في سجوده: سجد وجهي للذي خلقه فشق سمعه وبصره، فأضاف السمع إلى الوجه.
وحجة الشافعي في قوله: إن مسحهما سنة على حيالهما -إجماع العلماء على أنّ الذي يجب عليه حلق رأسه في الحج ليس عليه أن يأخذ ما على أذنيه من الشعر.
قال أبو محمد: ولا يختلف أحد في أنّ البياض الذي بين منابت الشّعر من الرأس وبين الأذنين ليس هو من الرأس في حكم الوضوء. فمن المحال أن يكون بين أجزاء رأس الحي عضو ليس من الرأس، وأن يكون بعض رأس الحي مباينًا لسائر رأسه، وأيضًا لو كانا من الرأس لأجزأ أن يمسحا عن مسح الرأس، وهذا لا يقوله أحد.
وحكى الخطابي أن قوله - ﵇ -: الأذنان من الرأس - له تأويلان: أحدهما: يمسحان مع الرأس تبعًا له، والآخر: أنهما يمسحان كما يمسح الرأس ولا يُغسلان كالوجه، وإضافتهما إلى الرأس إضافة تشبيه وتقريب، لا إضافة تحقيق، وإنما هو في معنى دون معنى، كقوله: مولى القوم منهم، أي في حكم النصرة والموالاة دون حكم النسب واستحقاق الإرث، ولو أوصى رجل لبني هاشم لم يعط مواليهم، ومولى اليهودي لا يؤخذ بَالجزية، وفائدة الكلام ومعناه عندهم إبانة الأذن عن الوجه في حكم الغسل، وقطع الشبه فيها لما بينهما من الشبه في الصورة، وذلك أنهما وجدتا في أصل الخلقة بلا الشعر، وجُعلتا محلا لحاسة من الحواس، ومعظم الحواس محلها الوجه، فقيل: الأذنان من الرأس؛ ليعلم أنهما ليسا من الوجه.
[ ١ / ٤٥٦ ]