٤٩ - حدثنا محمد بن الصباح، أنا سفيان بن عيينة، عن ابن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال رسول الله - ﷺ -: إنما أنا لكم مثل الوالد، أعلمكم، إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، وأمر بثلاثة أحجار، ونهى عن الروث والرمة، ونهى أن يستطيب الرجل بيمينه.
هذا حديث خرجه أبو عوانة الإسفرائيني في صحيحه من حديث ابن عيينة، وروى مسلم في صحيحه منه قطعة، عن أحمد بن الحسن بن خراش، نا عمر بن عبد الوهاب، نا يزيد بن زريع، نا روح، عن سهيل، عن القعقاع: إذا جلس أحدكم على حاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها.
وتتبع ذلك عليه أبو الفضل الهروي الحافظ، فزعم أن هذا الحديث أخطأ فيه عمر بن عبد الوهاب على يزيد؛ لأنه حديث يعرف بابن عجلان عن القعقاع، وليس لسهيل في هذا الإِسناد أصل.
ورواه أمية بن بسطام عن يزيد على الصواب، عن روح، عن ابن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالح بطوله، وحديث عمر مختصر، وبنحوه قاله أبو الحسن الدارقطني في كتاب التتبع.
وقال في موضع آخر: وكان في الكتاب مما تركه عن عمر الرياحي عن يزيد بن زريع، عن روح بن القاسم، عن سهيل، عن القعقاع … الحديث.
وهو مما وهم فيه الرياحي، وخالفه أمية، فرواه عن يزيد، عن روح، عن ابن عجلان، وهو الصواب.
قال أبو مسعود الدمشقي: إذا لم يروه في كتابه بحال فلا معنى لنسبته إلى الوهم. وفي ذلك نظر من حيث الموجود في كتاب مسلم، لم يتركه بحال، وأخرجه أبو حاتم بن حبان في صحيحه، كما رواه ابن ماجه مطولا، عن أبي
[ ١ / ١٦١ ]
يعلى، ثنا إبراهيم بن الحجاج السامي، ثنا وهيب وأنا أبو يعلى، ثنا محمد بن يحيى بن سعيد القطان، حدثني أبي، وأنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار، ثنا الوليد بن شجاع، ثنا ابن وهب، أخبرني حيوة والليث، كلهم عن ابن عجلان. وفي مسند الحميدي التصريح بسماع ابن عيينة من ابن عجلان.
ورواه ابن خزيمة في صحيحه، عن بندار، ثنا يحيى بن سعيد، نا ابن عجلان به مطولا.
ورواه الدارقطني بلفظ: نهى أن يستنجى بروث أو عظم. وقال: إنهما لا يطهران، ثم قال: إسناده صحيح.
.
٥٠ - حدثنا أبو بكر بن خلاد الباهلي، ثنا يحيى بن سعيد القطان، عن زهير، عن أبي إسحاق قال: ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن عبد الرحمن بن الأسود، عن الأسود، عن عبد الله بن مسعود: أن رسول الله - ﷺ - أتى الخلاء فقال: ائتني بثلاثة أحجار، فأتيته بحجرين وروثة، فأخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال: هي رجس.
هذا حديث خرجه البخاري، عن أبي نعيم، ثنا زهير. فذكره.
وقد ردّ بكونه مدلسا؛ لأنّ السبيعي لم يصرح فيه بسماعه، ولم يأت فيه بصيغ ذلك المعتبرة.
ذكر الحاكم أن علي ابن المديني قال: كان زهير وإسرائيل يقولان عن أبي إسحاق أنه كان يقول: ليس أبو عبيدة حدّثنا، ولكن الحديث في الاستنجاء بالأحجار.
قال ابن الشاذكوني: ما سمعت بتدليس قط أعجب من هذا ولا أخفى.
قال أبو عبيدة: لم يحدثني ذلك عبد الرحمن، عن الأسود، عن فلان، ولم يقل حدثني، فجاز الحديث وسار.
[ ١ / ١٦٢ ]
ولما ذكره الإِسماعيلي في صحيحه قال: كان يحيى بن سعيد لا يرضى أن يأخذ عن زهير عن أبي إسحاق ما ليس بسماع لأبي إسحاق، ففي هذا إشعار، بل تصريح باتصال الحديث.
ويزيد ذلك وضوحا ما علّقه البخاري بصيغة الجزم في بعض النسخ المعتبرة إثر حديث أبي نعيم فقال: وقال إبراهيم بن يوسف، عن أبيه، عن أبي إسحاق: حدثني عبد الرحمن بهذا، ويوسف معروف بالسماع من جدّه أبي إسحاق، وإن كان البيهقي أبَى ذلك في كتاب الخلافيات فغير مسلم له، ويؤيّده ما ذكره الكرابيسي في كتاب المدلسين: أبو إسحاق يقول في هذا مرة: حدثني عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله، ومرّة: حدثني علقمة، عن عبد الله، ومرة: حدثني أبو عبيدة، ومرة يقول: ابن أبي عبيدة حدثنيه جدي عبد الرحمن بن الأسود، عن عبد الله.
وأما ابن أبي حاتم فذكر عن أبي زرعة أنهم اختلفوا في هذا، والصحيح عندي حديث أبي عبيدة.
وأما الترمذي فإنه ذكر أن أصح الروايات في هذا عنده حديث إسرائيل، وقيس بن الربيع، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: لأن إسرائيل أثبت أحفظ لحديث أبي إسحاق من هؤلاء، وتابعه على ذلك قيس، وزهير عن أبي إسحاق ليس بذاك؛ لأن سماعه منه بأخرة، سمعت أحمد بن الحسن، سمعت أحمد بن حنبل يقول: إذا سمعت الحديث عن زائدة وزهير، فلا تبالي أن لا تسمعه من غيرهما إلَّا حديث أبي إسحاق.
ورواه زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن الأسود بن عبد الله بن يزيد، وهذا حديث فيه اضطراب.
قال: وسألت الدارمي: أي الروايات في هذا عن أبي إسحاق أصح؟ فلم يقضِ فيه بشيء، وسألت محمدا عن هذا، فلم يقضِ فيه بشيء، وكأنه رأى حديث زهير أشبه، ووضعه في جامعه، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه، ولا يعرف اسمه.
وفيما قاله نظر من وجوه:
[ ١ / ١٦٣ ]
الأول: بترجيحه حديث إسرائيل على حديث زهير، وهو معارض بما حكاه الإِسماعيلي عن القطان، وما حكاه الآجري، وسألت أبا داود عن زهير، وإسرائيل عن أبي إسحاق، فقال: زهير فوق إسرائيل بكثير. وهذا يصلح أن يكون بابا في الردّ على الترمذي؛ لتقديمه إسرائيل على زهير في أبي إسحاق، وكان جماعة تابعوا زهيرا فيما حكاه الدارقطني، وهم: أبو حماد الحنفي، وأبو مريم، وشريك، وزكريا بن أبي زائدة في رواية، وبما تقدم من متابعة يوسف له أيضا من عند البخاري المصرّح فيها بسماع أبي إسحاق من عبد الرحمن، وبأن زهيرا لم يختلف عليه، وبأن إسرائيل تابع زهيرا كما أسلفناه.
الثاني: اعتماده على متابعة قيس بن الربيع، وهي كلا شيء؛ لشدة ما يرمى به من الضعف ونكارة الحديث، وإضرابه عن متابعة الثوري ويونس، وهما هما.
الثالث: وفي المعجم الأوسط للطبراني من حديث زياد بن سعد، عن أبي الزبير: حدثني يونس بن خباب الكوفي، سمعت أبا عبيدة بن عبد الله يذكر أنه سمع أباه
[ ١ / ١٦٤ ]
يقول: إنه كان مع النبي - ﷺ - في سفر إلى مكة، وإن النبي - ﷺ - كان إذا خرج إلى الغائط أبعد الحديث. وسيأتي ذكره عن قريب.
الرابع: قوله في أبي عبيدة: ولا يعرف اسمه، وفي العلل الكبير عزا ذلك للبخاري، وليس كذلك؛ لأن مسلم بن الحجاج سماه في كتاب الكنى عامرا.
الخامس: إضرابه عن الحديث المتصل إلى منقطع على زعمه، وهو ما رواه الدارقطني، عن عثمان بن أحمد الدقاق، ثنا محمد بن عيسى بن حيان، ثنا الحسن ابن قتيبة، نا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة وأبي الأحوص، عن ابن مسعود. فذكره.
السادس: اقتصاره على ما ذكر من التعليل والاضطراب، وأضرب عن أشياء، وإن كان ذلك غير لازم له، وإنما ذكرناه تبرعا وإعلاما، أن ثم غير ما ذكر من غير إشباع تتبع، بل ليستدل على غرضنا في ذلك، فمن ذلك ما رواه عمار بن رزيق، وورقاء، ومعمر، وسليمان بن قرم، وإبراهيم الصائغ، وعبد الرحمن بن دينار، وأبو شيبة محمد بن جابر، وشعبة بن الحجاج، وصباح بن يحيى المزني، وروح بن مسافر، عن أبي إسحاق، عن علقمة، عن عبد الله.
قال أبو الحسن الدارقطني: وكذلك قال إسحاق الأزرق، عن شريك، وروي عن علي بن صالح بن حي، ومالك بن مغول، ويوسف بن أبي إسحاق وحديج بن معاوية، وشريك، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عبد الله.
ورواه أبو سنان عن أبي إسحاق، عن هبيرة بن يريم، عن عبد الله بزيادة: فتوضأ ولم يمسّ ماء.
قال الطبراني في الأوسط: لم يروه عن أبي إسحاق عن هبيرة إلَّا أبو سنان، تفرد به الصباح بن محارب، ولفظ أبي نعيم في تاريخ
[ ١ / ١٦٥ ]
أصبهان: لا تستنجوا بالعظام والروث.
ورواه من حديث أبي كريب، نا حفص، ثنا داود، عن الشعبي، عن علقمة عنه.
السابع: قوله: رواه زكريا إلى آخره جازما بذلك، وليس هو كذلك، بل روي عنه على وجوه:
فَمِنْها بِرِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحِيمِ، وَالْأَزْرَقِ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبَانَ، وهي المذكورة عند الترمذي، ومنها رواية سهل عن يحيى، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن، ولم ينسبه. وقال منجاب عن يحيى عنه، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، وقيل: عن منجاب عن يحيى عن أبيه عن أبي إسحاق عن الأسود، لم يذكر بين أبي إسحاق والأسود أحدا.
الثامن: رواية إسرائيل المرجحة عنده مضطربة أيضا بما ذكره عباد القطواني وخالد العبد عنه، عن أبي إسحاق، عن علقمة، عن عبد الله.
ورواه الحميدي، عن ابن عيينة عنه، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، وإنما منعنا من استقصاء الخلاف على أبي إسحاق في هذا - قول الدارقطني: اختلف عنه فيه اختلافا شديدا، والله تعالى أعلم.
والذي يظهر من ذلك أنّ أبا إسحاق سمعه من جماعة، ولكنه كان غالبا إنّما يحدثهم به، عن أبي عبيدة، فلما نشط قال: ليس أبو عبيدة الذي هو في ذهنكم أني حدّثتكم عنه حدّثني وحده، ولكن عبد الرحمن. ويؤيد ذلك مجيئه عنه أيضا عن غير المذكورين، أو يكون من باب السلب والإيجاب، نفى حديث أبي عبيدة، وأثبت
[ ١ / ١٦٦ ]
حديث عبد الرحمن، وهذا أشد على الترمذي؛ لكونه نفي حديث أثبته هو، ولعلّ البخاري لم ير ذلك متعارضا، وجعلهما إسنادين، وأسانيدهما قدّمناها.
وروى الدارقطني في سننه هذا الحديث من جهة أبي إسحاق، عن علقمة، وفي آخره ائتني بحجر، وفي لفظ ائتني بغيرها، وهو منقطع فيما بين أبي إسحاق وعلقمة، ورواه ابن خزيمة في صحيحه من طريق سالم، من أبي إسحاق وأبي عبيدة وزهير بزيادة تستفاد، فقال: ثنا أبو سعيد عبد الله بن سعيد الأشج، ثنا زياد بن الحسن بن فرات، عن أبيه، عن جدّه، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة، عن عبد الله، قال: أراد النبي - ﷺ - أن يتبرز، فقال: ائتني بثلاثة أحجار، فوجدت له حجرين وروثة حمار، فأمسك الحجرين وطرح الروثة، وقال: هي رجس.
قال الإمام أبو بكر: فيه بيان على أن أرواث الحمر نجسة، وإذا كانت أرواث الحمَر نجسة بحكم النبي - ﷺ - كان حكم جميع أرواث ما لا يؤكل لحومها من ذوات الأربع مثل أرواث الحمر.
وفي حديث علي بن رباح عنه: نُهي أن نستنجي بعظم حائل، أو روثة، أو حممة، قال الدارقطني: علي لا يثبت سماعه من ابن مسعود، وفي المسند عن ابن مسعود أن النبي - ﷺ - قال: ائتني بشيء أتمسح به، ولا تقربني حائلًا ولا رجيعًا، وفي إسناده ليث بن أبي سليم.
٥١ - حدثنا محمد بن الصباح، أنا سفيان بن عيينة، وثنا علي بن محمد، نا وكيع، جميعا عن هشام بن عروة، عن أبي خزيمة، عن عمارة بن خزيمة، عن خزيمة بن
[ ١ / ١٦٧ ]
ثابت، قال رسول الله - ﷺ -: في الاستنجاء ثلاثة أحجار، ليس فيها رجيع.
هذا حديث صحيح الإسناد، لأن أبا خزيمة اسمه عمرو بن خزيمة، كذا صرّح به ابن المديني في الأحاديث المعلّلة التي رواها عنه الباغندي، ذكره البستي في كتاب الثقات، وعمارة هو: عمارة بن خزيمة روى عنه أيضا الزهري وأبو جعفر الخطمي ومحمد بن زرارة، وغيرهم.
ذكره العجلي فقال: تابعي ثقة، ولما ذكره البستي في الثقات، قال: توفي بالرقة سنة خمس ومائة، وهو ابن خمس وسبعين سنة، ووثقه النسائي أيضا.
قال ابن سعد: توفي بالمدينة في أوّل خلافة الوليد بن عبد الملك، وكان ثقة قليل الحديث، ومع ذلك فقد علل بالاضطراب والاختلاف في إسناده، وذلك أنّ الجم الغفير رووه عن هشام كما تقدّم، منهم عبدة بن سليمان، وابن نمير، وأبو أسامة، ومحمد بن بشر العبدي، وعبد الرحيم بن سليمان، وعلي بن مسهر، والمفضل بن فضالة، واختلف على ابن عيينة؛ فرواه كرواية الجماعة أولا، وقيل: عنه عن هشام، عن أبي وجزة، عن عمارة.
ورواه أبو معاوية الضرير، عن هشام، عن عبد الرحمن بن سعد، عن عمرو بن خزيمة، وهو خطأ، قاله ابن المديني والبخاري، ورواه إسماعيل بن عياش، عن هشام، عن أبيه، عن عمارة، وهشام من أهل الحجاز؛ فرواية إسماعيل عنه غير معتبرة والصواب الأول، قاله ابن المديني، والبخاري، وأبو زرعة الرازي.
٥٢ - حدّثنا علي بن محمد، ثنا وكيع، عن الأعمش، وثنا محمد بن بشار، ثنا عبد الرحمن، ثنا سفيان، عن منصور، والأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن سلمان قال: قال له بعض المشركين وهم يستهزؤون به: إني أرى صاحبكم يعلمكم كل شيء حتى الخراءة، قال: أجل، أمرنا أن لا نستقبل القبلة، وأن لا نستنجي بأيماننا، ولا نكتفي بدون ثلاثة أحجار ليس فيها رجيع ولا عظم.
ورواه مسلم في صحيحه بلفظ: لقد نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول. وقال
[ ١ / ١٦٨ ]
فيه الترمذي: حسن صحيح، وذكر الحربي في كتاب العلل: كان سفيان إذا حكى عن اثنين حكى أصح الروايتين وأتمهما، قد فعل ذلك في غير حديث، منها عن الأعمش ومنصور عن إبراهيم، فذكر حديث سلمان، فقال: عن سلمان، وإنما منصور كان يقول: عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ -، كذا حكاه عن منصور: جرير، وشعبة، وزائدة، وإسرائيل، وفضيل، فلما جمع سفيان بين الأعمش ومنصور استجاز أن يقول: عن سلمان.
وزعم أبو عيسى أن في الباب عن عائشة، وخزيمة، وجابر، وخلاد بن السائب، عن أبيه، وفي ذلك نظر؛ لإِغفاله حديث أبي هريرة المتقدم أيضا، وحديث سهل بن سعد أن النبي - ﷺ - قال: أولا يجد أحدكم حجرين للصفحتين وحجرا للمسربة؟ رواه الدارقطني، وقال: إسناده حسن.
وحديث ابن عباس مرفوعا: ثم ليستطب بثلاثة أحجار، أو ثلاثة أعواد، أو ثلاث حفنات من تراب رواه الدارقطني وضعفه، وحديث أنس بن مالك قال - ﵇ -: الاستنجاء بثلاثة أحجار ذكره البيهقي، وضعفه بعثمان بن عبد الرحمن الطرائفي.
وحديث أبي أيوب من عند ابن عبد البر مرفوعا: إذا تغوط أحدكم، فليستنج بثلاثة أحجار، فإن ذلك طهور. وحديث أبي أمامة من عند أبي أحمد مرفوعا: يطهر
[ ١ / ١٦٩ ]
المؤمن ثلاثة أحجار وضعفه.
وحديث الزبير بن العوام، أنا أبو بكر المقدسي، أنا ابن الحميري إجازة، أنا شهدة، أنا ابن هراشة، أنا البزار، أنا الإِسماعيلي، أخبرني موسى بن جعفر بن محمد بن التاجر، نا يعقوب بن سفيان، ثنا سليمان بن سلمة، ثنا بقية، حدثني نمير بن يزيد القيني، عن أبيه، عن عمه قحافة بن ربيعة، ثنا الزبير بن العوام، قال: صلى بنا النبي - ﷺ - صلاة الصبح في مسجد المدينة، فلما فرغ قال: أيكم يتبعني إلى وفد الجن الليلة؟ فذكر الحديث.
وفيه: فأخذ عظما وروثة، فنظم إحداهما بالأخرى، وروي فيه: فبلهما، ثم قال: هذا طعام الجن.
قال الزبير: فلا يحل لأحد سمع هذا الحديث أن يستنجي بعظم ولا روثة ولا بعر.
وحديث عقبة بن عامر: نهى رسول الله - ﷺ - عن الكي، وكان يرخص في الحميم، وكان إذا اكتحل اكتحل وترا، وإذا استنجى استجمر وترا، رواه أحمد بن حازم بن أبي عرزة في مسند عقبة من حديث ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن عبد الرحمن بن يزيد عنه.
وحديث خلاد بن السائب الذي أشار إليه، ذكره ابن زبر في معجمه عن البغوي، ثنا هدبة، ثنا حماد بن الجعد، ثنا قتادة، نا خلاد به.
ويلتحق بهذا الاستنجاء بالتراب، وهو في حديث رواه عطاء بن السائب، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: رأيت عمر بن الخطاب بال، فمسح ذكره بالتراب، ثم التفت إلينا وقال: هكذا علمناه.
ذكره أبو القاسم في الأوسط، وقال: لم يروه عن ابن أبي ليلى إلا عطاء، ولا عن عطاء إلا روح بن جناح. تفرد به الوليد بن مسلم.
وفي حديث أبي الدرداء: أن النبي - ﷺ - مال إلى راحلته، ثم أخذ نواة فوضعها على ذكره، ثلاث مرات ذكره الخطيب أبو بكر
[ ١ / ١٧٠ ]
بسند ضعيف، وحديث ابن عباس مرفوعًا عند الدارقطني: فليستنج بثلاثة أعواد، أو بثلاثة أحجار، أو بثلاث حثيات من التراب، وحديث ابن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة يرفعه: يطهر المؤمن ثلاثة أحجار والماء والطين.
وحديث جابر بن عبد الله مرفوعا: نهانا أن نمسح بعظم أو بعرة.
وحديث ابن عمر من عند ابن يونس من جهة ابن لهيعة، عن عبد الله بن زهرة، عن عبد الله بن معتب عنه مرفوعا: إذا بال الرجل ومسح ذكره بالتراب ثلاثا ثم يتوضأ، فإن خرج منه شيء فلا وضوء عليه، قال أبو سعيد: الصحيح من هذا موقوف على ابن عمر، وهو في جامع عبد الرزاق مسندا، والله أعلم.
وحديث سراقة بن مالك بن جعشم، وقال له رجل: ما بقي إلا أن يعلمكم التغوط، فقال … الحديث.
ذكره أبو القاسم في الأوسط من حديث إبراهيم بن خالد الصنعاني، ثنا رباح بن زيد، عن معمر، عن سماك بن الفضل، عن أبي رشدين عنه.
وحديث رويفع من حديث يرفعه: من استنجى برجيع دابة أو عظم، فإن محمدا منه بريء.
رواه أبو داود، زاد في التفرد: ثنا ابن موهب، ثنا المفضل عن عياش، أنّ شييم بن بيتان أخبره بهذا الحديث أيضا، عن أبي سالم الجيشاني، أنه سمع عبد الله بن عمرو يذكر ذلك، وهو معه مرابط بحصن أليون.
قوله: نهى - ﵇ - أن يستطيب بيمينه قال الخطابي: أي لا يستنجي بها، وسمي الاستنجاء استطابة لما فيه من إزالة النجاسة، يقال: استطاب الرجل إذا استنجى، فهو مستطيب، وأطاب فهو مطيب، ومعنى الطيب هنا الطهارة، ومنه قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾.
ونهى - ﵇ - أن تسمى المدينة يثرب، قال الهروي: لأن الثرب فساد، وأمر أن تسمى طابة، يعني طيبة، ذكره عنه بعض العلماء، ولا أدري
[ ١ / ١٧١ ]
من الهروي؟ فإن كان اللغوي فليس هذا منه، ولعله بعض الفقهاء أصحاب المعاني، قال الخطابي: يعني طهارة التربة؛ فدلّ ذلك على جواز التيمم بالسباخ.
وقيل: معناه الطهارة من النفاق.
وفي الجامع: وأطاب نفسه يطيب. قال الأعشى:
يا رخما قاظ على مطلوب … يعجل كف الخارئ المطيب
وأصل الاستنجاء: الذهاب إلى النجوة من الأرض الساجة، وهي المرتفعة، كانوا يستترون بها إذا قعدوا للتخلي، فقيل من هذا: استنجاء الرجل، أي أزال النجو عن بدنه، والنجو كناية عن الحرث، كما كني عنه بالغائط.
وقيل: أصله نزع الشيء من موضعه وتخليصه منه.
وقال المديني: يقال: أنجى، إذا أزال النجو، وهو العذرة عن مقعدته، يقال: شرب دواء فما أنجاه، يعني ما أسهل بطنه، ونجا ينجو: استطلق بطنه، ونجا وأنجا: قضى حاجته من النجو.
وقيل الاستنجاء: الاستخراج لنجو البطن، وهو ما يخرج منه. وقيل: هو من نجوت الشجرة وأنجيتها؛ إذا قطعتها، كأنه قطع الأذى عن نفسه بالحجارة.
وقال القزّاز: نجا ينجو: إذا أحدث، وحكى أنجا فلانا نجا من الغائط، وهو المطمئن من الأرض، والغوط أشد انخفاضا من الغائط، والجمع أغواط، وهذا غوط مطمئن، أي: بعيد، ويجمع على غيطان أيضا.
قال أبو سليمان: في نهيه - ﵇ - عن الروث والرمة دليل على أن أعيان الحجارة غير مختص بهذا المعنى دون غيرها من الأشياء التي تعمل عمل الحجارة، وذلك لأنه لما أمر بالأحجار ثم استثنى الروث والرمة، فخصهما بالنهي؛ دلّ على أنّ ما عدا الروث والرمة دخل في الإِباحة، وأنّ الاستنجاء به جائز، خلافا لأهل الظاهر، وفيه نظر؛ لأن في حديث أبي هريرة مرفوعا: نهى أن يستنجى بعظم أو روث، وقال: إنهما لا يطهران. قال الدارقطني عند تخريجه: إسناده صحيح.
والرمة: العظام البالية، وقد جاء مصرحا به في حديث ابن مسعود من كتاب الدارقطني، ويقال: إنما
[ ١ / ١٧٢ ]
سميت بذلك لأنّ الإِبل ترمها أي تأكلها، قال القزاز: أي: تتملح بها. قال لبيد:
والنيب إن تغرمني رمة خلقا … بعد الممات فإني كنت أَثئرُ
والرواية الصحيحة: تعدمني بالدال، وهو الأكل بشدة.
قال الجوهري: والجمع رمم ورمام، تقول: رم العظم يرم بالكسر رمة، أي: بلى فهو رميم. وفي الأساس: الرم: الرمام بدون الرفات، قال: ظلّت عليه تعلك الرمَاما، أي: تتملح به.
والرجيع: الروث، وهو اسم يقع على كلِّ حدث، وسمي بذلك لأنه رجع عن الحالة الأولى، وكذا كلّ شيء حدث أو فعل إذا ردّد فهو رجيع، فعيل بمعنى مفعول، قال الشاعر:
وفلاة كأنها ظهر ترس … ليس إلَّا الرجيع فيها علاق
وذكر الزمخشري الرجيع في باب المجاز، وبنحوه قال ابن دريد، وذكر الزمخشري بيت الأعشى المستشهد به دليلا على دسع البعير رجيعه، أي جرّته.
قال أبو سليمان: الخراءة مكسورة الخاء ممدودة الألف: أدب التخَلِي والقعود عند الحاجة، وأكثر الرواة يفتحون الخاء، ولا يمدون الألف، فيفحش معناه. وقد اختلف في الاستنجاء، فعند مالك وأبي حنيفة هو سنة. وقال الشافعي وأحمد: فرض. واختلفوا في العدد: فأبو حنيفة ومالك إلى الإنقاء، والشافعي وأحمد لا يجوز عندهما الاقتصار على ما دون الثلاثة، وإن حصل الإنقاء بدونها.
وأجاز الطبري الاستنجاء بكل طاهر ونجس، وكره الاستنجاء بأشياء، منها: العظم، والرجيع، والروث، والطعام، والفحم، والزجاج، والورق، والخزف، وورق الشجر، والشعر، والجلد؛ لمجيء ذلك في الحديث.
[ ١ / ١٧٣ ]