١ - حدثنا علي بن محمد، ثنا وكيع، ثنا محمد بن جابر، قال: سمعت قيس بن طلق الحنفي، عن أبيه: سمعت رسول الله ﷺ سئل عن مس الذكر، فقال: ليس فيه وضوء، إنما هو منك.
هذا حديث ضعيف بهذا الإسناد؛ لأن محمد بن جابر بن سيار بن طلق أبا عبد الله اليمامي الحنفي السحميي أخا أيوب بن جابر، قال فيه يحيى بن معين: ضعيف، وقال مرة: ليس بشيء.
وفي رواية عباس: أنه كان أعمى واختلط عليه حديثه، وكان كوفيا ثم انتقل إلى اليمامة، وقال أحمد: لا يحدث عنه إلا من هو شرّ منه.
وفي تاريخ ابن المبارك: قاله عبد الله: مررت بمحمد بن جابر هذا، وهو يحدث الناس، فرأيته لا يحفظ حديثه، فقلت له: أيّها الشيخ، إنك حدثتني بكذا وكذا، قال: فوثب أولئك عَلَيَّ ، قال: فكفّهم محمّد عني، قال: ثم جاءني محمد إلى رحلي ومعه كتابه، فقال: انظر، فنظرت، فإذا هو صحيح على ما حدثني، فقلت: رحمك الله، لا تحدِّث إلا من كتابك.
ولفظ أبي داود في كتاب التفرد عن محمد بن جابر، قال: في الصّلاة، كذا رواه الثوري وشعبة وهشام بن حسان وابن عيينة وجرير عن ابن جابر، وقال
[ ٢ / ٦ ]
البخاري: ليس بالقوي، يتكلمون فيه، وقال الرازي: ذهبت كتبه في آخر عمره وساء حفظه، وكان يلقن، وقال ابن حبان: كان أعمى، يلحق في كتبه ما ليس من حديثه، ويسرق ما ذوكر به فيحدث به.
وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: كان محمد رُبّما ألحق في كتابه أو يلحق في كتابه - يعني الحديث -[قلت لأبي: لوين حدثنا عن محمد بن جابر عن حديث الغامدية، قال: كان محمد بن جابر]، وربما ألحق في كتابه الحديث، وهذا حديث ليس بصحيح، وهو كذب، [وسألت أبي عن ابن جابر فغلظ فيه، وفي تاريخ نيسابور: حديث محمد بن يحيى عن عبد الله بن الزبير عن ابن جابر، فسئل عن محمد بن جابر، فقال: لا بأس به].
وفي كتاب العقيلي عن عبد الله: وقال الفلاس: صدوق، كثير الوهم، متروك الحديث، وكان ابن مهدي يحدث عنه ثم تركه بعد، وكان يروي أحاديث مناكير، وهو معروف بالسّماع، جيِّد اللقاء، وفي كتابه لحق، وحديثه عن حمّاد فيه اضطراب.
وقال النسائي: ضعيف، وقال ابن عدي: ولمحمد بن جابر من الحديث غير ما ذكرت، وعند إسحاق بن أبي إسرائيل عنه أحاديث صالحة، وكان - يعني ابن أبي إسرائيل - يفضله على جماعة شيوخ هم أفضل منه وأوثق.
وقد روى عنه من الكبار: أيوب، وابن عون، وهشام بن حسان، والثوري، وشعبة، وغيرهم، ولولا أن محمد بن جابر في ذلك المحل لم يرو عنه هؤلاء الذين هو دونهم، وقد خالف في أحاديث، ومع ما تكلم فيه من تكلم يكتب حديثه.
[ ٢ / ٧ ]
وفي سؤالات الآجري: سألت أبا داود عن محمد بن جابر اليمامي، فقال: ليس بشيء، وفي موضع آخر: سمعت أبا داود يقول: روى شعبة وسفيان عن محمد بن جابر ذاك الحديث، سفيان أظنّه كتب به إليه، وقال الدولابي في كتاب الكنى: ضعيف، وقال العجلي: ضعيف، وذكر أبو العرب عن ابن مهدي، وذكر محمد بن جابر فجعل يضعفه.
وقال محمد بن عيسى: قال لي أخي - يعني إسحاق الطباع -: حدث محمد بن جابر بن نمير بحديث لشريك عن أبي إسحاق، قال: فرأيته في كتابه قد ألحقه بين سطرين من كتابه طري، قرأت على أبي الفنون وأبي الحسن بن أبي بكر الضرير - رحمهما الله تعالى - قلت للأول: أنبأك المقدسي عن الميهني، وابن ناصر قال: الميهني.
وقال ابن ناصر: أنبأنا ابن خلف، والثاني: أنبأك الحافظ البكري، أنا القاسم بن عبد الله الصفّار، أنبأتنا عمة والدي عائشة بنت أحمد، عن أبي بكر بن خلف، قال: أنا الحاكم أبو عبد الله النيسابوري، أنا أبو بكر بن إسحاق الإمام، أنا أبو مسلم عبد الله بن رجاء، ثنا همام، عن محمد بن جابر، عن قيس بن طلق، عن أبيه: أنّه سأل النبي ﷺ - أو سأله رجل - فقال: بينا أنا في الصلاة ذهبت أحك فخذي فأصابت يدي ذكري، فقال: هل هو إلا بضعة منك؟.
قال الحاكم: هذا حديث رواه جماعة من التابعين عن محمد بن جابر، فلم يذكر الزيادة في حك الفخذ غير عبد الله بن رجاء عن همام بن يحيى، وهما ثقتان، وفي تاريخ أصبهان لأبي نعيم من حديث ابن جابر: إنما هو بضعة منك، فأنى تعزله؟.
[ ٢ / ٨ ]
وقال ابن شاهين: هذا حديث اشتهر به محمد بن جابر، ورواه عنه الأكابر ممن هم أسنّ منه وأقدم موتا؛ منهم: أيوب السختياني، وعبد الله بن عون، وسفيان الثوري، وهشام بن حسان، وقيس بن الربيع، وهمام بن يحيى، وصالح المري، وحّماد بن زيد، وسفيان بن عيينة، ووكيع، وابن فضيل، والمفضل بن صدقة، وأخوه أيوب بن جابر، وجماعة ذكرتهم في الأكابر عن الأصاغر.
وذكر الحافظ أبو القاسم الطبراني لمحمد بن جابر متابعا؛ وهو أيوب بن عتبة عن قيس، بلفظ: سأل رجل النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، أرأيت إذا مس أحدنا ذكره يتوضأ؟! قال: لا، إنما هو بضعة منك، [رواه عن علي بن عبد العزيز، عن أحمد بن يونس، عنه].
وفي لفظ: سأله عن مس فرجه. وأيوب هو: أيوب بن عتبة شر من محمد، فإنّه قال فيه يحيى: ليس بشيء، وفي رواية: ليس بالقوي، وقال مرّة: ضعيف الحديث، وكذلك قاله مسلم وأبو زرعة، وقال النسائي: مضطرب الحديث.
وقال علي بن الجنيد: شبه المتروك، وقال البخاري: لا أحدث عنه، كان لا يعرف صحيح حديثه من سقيمه، قال الترمذي: وضعّفه محمد جدا.
وقال أبو داود: منكر الحديث، وقال السعدي: ضعيف.
ولما ذكره الساجي في كتاب الضعفاء قال: قال العلاء: وضعّفه يحيى، وليس هو ساقط الحديث، وقال أحمد: ضعيف الحديث.
وفي كتاب أبي العرب: قال ابن البرقي: أيوب بن النجار اليمامي وأيوب بن عتبة ممن نسب إلى الضعف، واحتملت روايتهما.
[ ٢ / ٩ ]
وذكر البيهقي أنّ أيوب ومحمدا ضعيفان، وكذا قاله الحازمي وابن طاهر وابن الجوزي في العلل المتناهية، ورواه أيضا رجل آخر يسمى أيوب بن محمد عن قيس بن طلق.
قال الحربي في كتاب العلل: قول عبد الحميد بن جعفر عن أيوب بن محمد عن قيس بن طلق في مس الذكر لا أعرفه، بل أعرف لأبي داود شيخا يقال له: أيوب بن محمد عجلي، روى عن بشير بن علي وطيسلة بن علي، وأيوب بن محمد شيخ مصري يلقب أبا الجمل، ثنا عنه عبد الله بن صالح بحديث عن أيوب بن موسى عن يحيى بن أبي كثير، فلعل عبد الحميد أراد هذا، أو أراد أيوب أخا محمد بن جابر، فقال: ابن محمد، أو أراد يقول: أيوب بن عتبة، وكان هذا أشبه من روى الحديث ممن يقال له: أيوب، تسعون رجلا، وضعف هذا الحديث أيضا يقتضى من طلق الراوي له عن أبيه.
[وفي تاريخ أبي زرعة: كان أحمد يضعف رواية أيوب عن يحيى بن أبي كثيِر، قال:] ذكر ابن أبي حاتم في كتاب العلل: سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه محمد بن جابر عن قيس بن طلق عن أبيه في مس الذكر، فلم يثبتاه، وقالا: قيس بن طلق ليس ممن تقوم به حجة، ووهّناه. وفي كتاب العلل للخلال: قيل له - يعني للإِمام أحمد -: حديث قيس بن طلق عن أبيه، قال: قد روى، وغيره أثبت منه.
وقال الشافعي في القديم: وزعم بعض من خالفنا أن قاضي اليمامة - يعني: أيوب بن عتبة ومحمد بن جابر - ذكرا عن قيس بن طلق عن أبيه عن النبي ﷺ ما يدلّ على ألا وضوء منه.
[ ٢ / ١٠ ]
قال الشّافعي: قد سألنا عن قيس، فلم نجد من يعرفه بما يكون لنا قبول خبره، وقد عارضه من وصفنا ثقته ورجاحته في الحديث وتثبته.
وقال يحيى بن معين: لقد أكثر الناس في قيس بن طلق، وأنّه لا يحتج بحديثه، وأُعلّ أيضا باختلاف الرواة في ألفاظه، فيما ذكره الحازمي.
وقد وقع لنا هذا الحديث من طريق سالمة من هؤلاء الضعفاء، حكم بصحتها جماعة؛ منهم: الإمام أبو حاتم البستي، فإنه ذكره في كتابه الصحيح: ثنا الحسن بن سفيان، ثنا نصر بن علي، ثنا ملازم بن عمرو، عن عبد الله بن بدْر، عن قيس بن طلق، عن أبيه، قال: خرجنا وفدا إلى النبي ﷺ، فجاء رجل، فقال: يا نبي الله، الحديث. ثم قال: ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن هذا الخبر ما رواه ثقة عن قيس بن طلق خلا ملازم بن عمرو، وأخبرنا محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري - بمكة -، ثنا محمد بن عبد الوهاب الفراء، نا حسين بن الوليد، عن عكرمة بن عمار، عن قيس بن طلق، عن أبيه: أنّه سأل النبي ﷺ عن الرجل يمس ذكره، فقال: لا بأس، إنه كبعض جسدك.
ولما ذكره أبو عبد الله في تاريخ نيسابور: ثنا محمد بن يعقوب الحافظ، ثنا الفراء، قال: تفّرد به الحسين بن الوليد الثقة المأمون عن عكرمة، ومنهم الحافظ أبو محمد الفارسي في كتابه المحلّى، ورجحه ابن منده على حديث بسرة، وحكى نحو ذلك عن الفلاس وابن المديني.
وقال أبو عيسى عندما رواه في جامعه من حديث ابن بدر عن قيس: وهذا الحديث أحسن شيء في هذا الباب، وقد روى هذا الحديث أيوب بن عتبة ومحمد بن جابر، وقد تكلّم بعض أهل الحديث في محمد بن جابر وأيوب بن عتبة،
[ ٢ / ١١ ]
وحديث ملازم بن عمرو عن عبد الله بن بدر أصح وأحسن، وأمّا قول أبي عمر: وملازم بن عمرو ثقة، وعلى حديثه عوّل أبو داود والنسائي، وكل من خرج في الصحيح ذكر حديث بسرة في هذا الباب وحديث طلق بن علي إلا البخاري، فإنهما عنده متعارضان معلولان، وعند غيره هما صحيحان، ففيه نظر؛ لأنّ مسلما لم يخرّج واحدا منهما، وكذا ابن خزيمة لم يخرّج حديث طلق، وهما ممن يخرج في الصحيح.
وأمّا قول البيهقي في المعرفة والخلافيات: حديث عكرمة بن عمار عن قيس منقطع؛ لأنه قال عن قيس: إن طلقا سأل، وقيس لم يشهد سؤال طلق، وعكرمة بن عمّار أقوى من رواه عنْ قيس، وإن كان هو أيضا مختلفا في عدالته؛ فاحتج به مسلم في غير هذا الحديث وتركه البخاري، وتبعه على ذلك الحازمي فغير صواب منهما؛ لما قدّمناه من عند ابن حبان من أنّ روايته متصلة لا شكّ فيها، وإذا صحّ للحديث طريق وسلم من شوائب الطعن تعين المصير إليه، ولا عبرة باختلاف الباقين.
ورجحه أيضا محمد بن يحيى الذهلي، بقوله: نرى الوضوء من مس الذكر استحبابا لا إيجابا؛ لحديث عبد الله بن بدْر عن قيس بن طلق عن أبيه عن النبي ﷺ.
حكاه الحافظ ابن خزيمة في صحيحه، وذكره أيضا ابن الجارود في كتاب المنتقى، وكذلك الإمام أحمد بن حنبل، وسكت عنه أبو محمد الأزدي،
[ ٢ / ١٢ ]
وذلك مشعر بصحّته عنده، وتتبع ذلك أبو الحسن عليه، وقال: هو حسن لا صحيح. وقال أبو عمر بن عبد البر: أحسن أسانيده من جهة ملازم، وأشار الطبراني - رحمه الله تعالى - إلى صحته.
وأما تضعيف من ضعفه بقيس فغير صحيح؛ لأنه ممن ذكره غير واحد في جملة الصحابة، وعلى تقدير ألا يكون صحابيّا فقد وثقة ابن معين فيما حكاه ابن الجنيد وغيره، ولا معارضة بينه وبين ما حكيناه عنه من أنّه لا يحتج به؛ لاحتمال أن يكون أحد الأمرين قبل الآخر، أو يكون الحجة عنده فوق الثقة، ووثقه أيضا أحمد بن عبد الله العجلي الحافظ، وذكره أبو حاتم البستي في كتاب الثقات، وروى عنه جماعة؛ منهم: عبد الله بن بدْر، ومحمد بن جابر، وعبد الله بن النعمان السّحيمي، وابن أخيه عجيبة بن عبد الحميد بن طلق، وابنه هوذة بن قيس، وعكرمة بن عمار، وأيوب بن عتبة، وأيوب بن محمد، وموسى بن عُمير الثمالي، وسراج بن عقبة، وعيسى بن خيثم، وفي ذلك رد لقول من قال: قد سألنا عنه فلم نجد من يعرفه بما يكون لنا قبول خبره؛ لأنّ هؤلاء عرفوه فرووا عنه، وأولئك عرفوا حاله فأخبروا عنها، ولولا عرفانها لما جاز لهم تصحيح خبره، والله أعلم.
ومن كان بما وصفناه كان حديثه صحيحا لا علّة فيه، حسنا بغير شبهة تعتريه؛ أمّا الصحة فقد تقدّم سببها، وأمّا الحسن فلعرفان مخرجه بما يأتي بعد، إن شاء الله تعالى.
٢ - حدثنا عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي، ثنا مروان بن معاوية، عن جعْفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة: سئل رسول الله ﷺ عن مس
[ ٢ / ١٣ ]
الذكر، فقال: إنما هو جزء منك.
وفي مصنف وكيع بن الجرّاح: إنما هو جِذْوةٌ منك.
هذا حديث معلّل بأمرين:
الأول: جعفر بن الزبير الدمشقي الباهلي، وقيل: الحنفي العابد الشامي.
قال علي ابن المديني: سمعت يحيى وذكره، فقال: لو شئت أن أكتب عنه ألفا لكتبت، كان يروي عن ابن المسيب نحوا من أربعين حديثا، وضعفه يحيى جدا، وقال يزيد بن هارون: كان جعفر بن الزبير وعمران بن حدير في مسجد واحد، وكان الزحام على جعفر، وليس عند عمران أحد، فكان شعبة يمرّ بهما، فيقول: عجبا! الناس اجتمعوا على أكذب الناس، وتركوا أصدق الناس، قال يزيد: فما أتى علينا إلا القليل حتى رأيت ذلك الزِّحام على عمران، وتركوا جعفرا ليس عنده أحد. وقال غندر: رأيت شعبة راكبا على حمار، قيل له: أين تريد يا أبا بسطام؟ فقال: أذهب وأستعدي على هذا - يعني: جعفرا - وضع على رسول الله ﷺ أربعمائة حديث كذب.
وقال يحيى بن معين: جعفر ضعيف، وفي رواية: ليس بثقة.
وقال الفلاس: متروك الحديث، كثير الوهم، [وقال أبو حاتم: كان واهي الحديث، لا أرى أن أحدث عنه، وهو متروك الحديث]. وقال أبو زرعة: اضربوا على حديثه، لا أحدّث عنه بشيء، وقال السعدي: نبذوا حديثه، وقال البخاري: متروك الحديث، وفي التاريخ الأوسط: أدركه وكيع ثم تركه، وقال النسائي والدارقطني وعلي بن الجنيد والأزدي: متروك الحديث، وقال أبو أحمد: وعامة أحاديثه لا يتابع عليها، والضعف على حديثه بيّن، وتركه الإمام أحمد، وفي موضع
[ ٢ / ١٤ ]
آخر: ضرب على حديثه، وفي كتاب العلل عنه: أن اضرب على رواية جعفر بن الزبير؛ لأنه إنّما كانت رواية عن القاسم، وذكره القيرواني في كتاب الضعفاء، وذكر العقيلي عن محمد بن المثنى: ما سمعت يحيى ولا عبد الرحمن حدثا عنه شيئا قط.
الثاني: أبو عبد الرحمن القاسم بن عبد الرحمن الشامي مولى خالد بن يزيد بن معاوية، ويقال: مولى عبد الرحمن بن خالد بن يزيد، ويقال: مولى جويرية بنت أبي سفيان، قال أبو زرعة الدمشقي: وهو أحبّ القولين إلي.
وقال الطبراني: مولى معاوية بن أبي سفيان، وإن كان قد وثقه يعقوب بن سفيان وابن معين والترمذي ويعقوب بن شيبة والحربي، وقال عبد الرحمن بن يزيد بن جابر: ما رأيت أحدا أفضل منه.
وقال الجوزجاني: كان خيارا فاضلا، فقد قال الإمام أحمد، وذكره، فحمل عليه، وقال: يروي عنه علي بن يزيد أعاجيب، وتكّلم فيها، وقال: ما أرى هذا الأمر إلا من قبل القاسم، وهو منكر الحديث، وفي كتاب العقيلي: هذه الأحاديث المناكير يقولون: من قبل القاسم، وسئل عنه أبو حاتم، فقال: حديث الثقات عنه مستقيم، لا بأس به، وإنمّا ينكر عليه الضعفاء.
وقال ابن حبان: كان يروي عن أصحاب رسول الله ﷺ المعضلات، وقال الكوفي: يكتب حديثه، ول س بالقوي، وقال إبراهيم بن الجنيد: سمعت ابن معين يقول: القاسم ثقة إذا روى عنه الثقات، أرسلوا ما رفع هؤلاء.
[ ٢ / ١٥ ]
وفي رواية البرقي عنه: ضعيف، ذكرها أبو العرب، وفي الأوسط للبخاري: وروى عنه العلاء بن الحارث وكثير بن الحارث وسليمان بن عبد الرحمن ويحيى بن الحارث، وابن جابر أحاديثه مقاربة.
وأمّا من يتكلّم فيه مثل جعفر بن الزبير وعلي بن يزيد وبشر بن نمير ونحوهم، ففي حديثهم مناكير واضطراب. وفي كتاب العقيلي: لما حدّث بشر بن نمير عن القاسم قال شعبة: ألحقوه به، وقال أبو داود: هو أبو عبد الرحمن، ومولى عبد الرحمن، وأهل الشام ينكرون أن يكون ابن عبد الرحمن، ويقولون: هو سبي، قال أبو داود: وهم أعلم به.
قال الآجري: وسمعت أبا داود يقول: سمعت أحمد بن صالح يقول: إنما هو القاسم عن مولى أدخل بينه وبين أصحاب النبي ﷺ أبا أمامة وعمرو بن عبسة وعليا وجماعة لا أعرفهم، فضعف لحال هذا، والله أعلم.
وذكره الساجي والبلخي في كتاب الضعفاء، وفي الباب غير ما حديث بخلاف ما يوهمه كلام أبي عيسى؛ من ذلك: حديث عمر بن الخطاب وعصمة بن مالك الخطمي - وكان من الصحابة - أنّ رجلا قال: يا رسول الله، إنِّي احتككت في الصلاة، فأصابت يدي فرجي، فقال ﷺ: وأنا أفعل ذلك.
رواه الدارقطني عن محمد بن أحمد بن عمرو بن عبد الخالق، قال: ثنا أحمد بن محمد بن رشدين، عن ابن عفير، عن الفضل بن المختار، عن الصلت
[ ٢ / ١٦ ]
ابن دينار، عن أبي عثمان النهدي، عن عمر بن الخطاب، وعن عبيد الله بن موهب، عن عصمة.
والصلت، قال أحمد وعمرو بن علي وعلي بن عمر: ليس بالقوي، وفي رواية عن أحمد: ترك الناس حديثه، وقال علي بن الجنيد: متروك.
والفضل بن المختار، قال ابن عدي: أحاديثه منكرة، وعامتها لا يتابع عليها، وقال أبو حاتم الرازي: مجهول، وأحاديثه مُنكرة، يُحدثُ بالأباطيل، وقال الأزدي: منكر الحديث جدا، ولما ذكرها البيهقي في الخلافيات ضعفهما بنحو ما قدمناه بعد فصْله بينهما.
وحديث جري الحنفي: أن رجلا أتى رسول ﷺ، فقال: [إني ربما أكون في الصلاة، فتقع يدي على فرجي]، فقال النبي ﷺ: وأنّا ربما كان ذلك، امض في صلاتك.
رواه الحافظ محمد بن إسحاق بن منده في كتاب معرفة الصحابة، عن عبدوس بن الحسين النيسابوري، عن محمد بن المغيرة الهمداني، عن القاسم بن الحكم العرني، عن سلام الطويل، عن إسماعيل بن رافع، عن حكيم بن سلمة، عنه.
وسلام بن سلم، وقيل: ابن سليمان، وقيل: ابن سالم، أبو عبد الله السعدي الخراساني، سكن المدائن، قال فيه يحيى: ضعيف، لا يكتب حديثه، وقال مرّة: ليس بشيء، وضعفه ابن المديني جدا، وقال الإمام أحمد: منكر الحديث،
[ ٢ / ١٧ ]
وقال البخاري والرازي: تركوه، وقال عبد الرحمن بن يوسف بن خراش: كذاب، وقال النسائي وعلي بن الجنيد والأزدي والدارقطني: متروك الحديث، وقال ابن حبان: يروي عن الثقات الموضوعات، كأنه كان المتعّمد لها.
وإسماعيل بن رافع أبو رافع مات بالمدينة قديما، وكان كثير الحديث ضعيفا، وهو الذي روى حديث الصور بطوله، قاله ابن سعْد.
وقال أحمد ويحيى: ضعيف الحديث، وفي رواية عن يحيى: ليس بشيء.
وقال الفلاس: منكر الحديث، وقال النسائي وعلي بن الجنيد: متروك الحديث، انتهى.
ويشبه أن يكون حديثه عن الصحابة منقطعا؛ لأني لم أر أحدا ذكر أنه سمع من صحابي، إنما وصف بالرواية عن التابعين، ولما ذكره البيهقي في الخلافيات عن رجل من بني حنيفة ولم يسمه، قال: هذا منقطع، والله أعلم.
وحديث مرثد بن الصلت عن أبيه، أنّه وفد على رسول الله ﷺ، فسأله عن مس الذكر، فقال: إنما هو بضعة منك.
رواه ابن بنت منيع الحافظ في معجمه عن محمد بن خلف المقرئ: ثنا أحمد بن محمد بن شماس، ثنا عبد الرحمن بن عمرو، قال: سمعت عبد الرحمن بن مرثد الجعْفي يحّدث عن أبيه مرثْد بن الصلت، ثم قال: وهذا حديث منكر، والذي حدث به عبد الرحمن بن عمرو بن جبلة، وهو ضعيف الحديث جدا.
وحديث أبي أيوب الأنصاري، قال: سألت رسول الله ﷺ، فقلت: مسست ذكري وأنا في الصلاة، فقال: لا بأس.
ذكره أبو زيد الدبوسي في كتاب الأسرار بغير إسناد، ويشبه أن يكون
[ ٢ / ١٨ ]
ضعيفا؛ لأنا قدمنا ضعفه قبل.
وحديث عائشة - ﵂ - أن رسول الله ﷺ سئل عن مسّ الذكر، فقال: ما أبالي مسسته، أو مسست أنفي، ذكره البيهقي في الخلافيات، وقال: هذا حديث منكر، روينا خلافه عنها، وحديث رجل من بني حنيفة بنحوه، ذكره أيضا ورماه بالانقطاع.
وحديث أبي ليلى ذكره البيهقي في السنن الكبير عن أبي بكر القاضي وأبي سعيد بن أبي عمرو، قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن إسحاق، ثنا محمد بن عمران، حدّثني ابن أبي ليلى، عن عيسى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي ليلى، قال: كنّا عند النبي ﷺ فجاء الحسن، فأقبل يتمرغ عليه، فرفع عن قميصه وقبل زبيبته.
ذكره إثر حديث طلق، ثم قال: هذا إسناد غير قوي، وليس فيه: أنه مسّه بيده ثم صلى ولم يتوضأ.
اختلف أهل العلم في هذا الباب، فذهب بعضهم إلى هذه الأحاديث، ورأوا ترك الوضوء من مسّ الذكر.
روي ذلك عن علي بن أبي طالب، وعمار بن ياسر، وابن مسعود، وعبد الله بن عباس، وحذيفة بن اليمان، وعمران بن حصين، وأبي الدرداء، وسعد بن أبي وقّاص - في إحدى الروايتين -، وعمر بن الخطاب في رواية، وأنس بن مالك، ومعاذ بن جبل، وعبد الله بن عمر، وأبي بكر الصديق، وأبي
[ ٢ / ١٩ ]
هريرة - في إحدى الروايتين عنه - وأبي أيوب، وعائشة - في إحدى الروايتين عنهما.
قال أبو عمر بن عبد البر: والأسانيد عن الصحابة في إسقاط الوضوء منه أسانيد صحاح من نقل الثقات، انتهى كلامه.
وفيه نظر إن أراد هؤلاء المسمين؛ لأن حديث ابن مسعود تقدّم ردّه بأبي قيس الأودي، وحديث ابن عمر وعائشة تقدّم الكلام عليهما قبل، وحديث حذيفة أعلّه أبو حاتم الرازي فيما حكاه عنه ابنه، وكذلك حديث أبي أيوب وعمر بن الخطاب تقدم ذكرهما، وحديث عمران مشكوك في اتصاله؛ لأنه من رواية الحسن عنه، وغير واحد يزعم أنه منقطع.
وقال به أيضا ابن المسيب، والشعبي، وإبراهيم، وسعيد بن جبير، والحسن البصري، وعكرمة، وقتادة، وطاوس، وأبو عبد الرحمن السلمي، والضحاك، ومكحول، وأبو جعفر محمد بن علي بن الحسين، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وشريك، والحسن بن حر، وعبيد الله بن الحسن، قال أبو عمر: جمهور العلماء العراقيين، مضى على ذلك أسلافُهم، ويحيى بن معين وابن المبارك.
وخالفهم في ذلك آخرون؛ فذهبوا إلى إيجاب الوضوء من مسّ الذكر، فممن روي عنه ذلك: عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وأبو أيوب، وزيد بن خالد، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وجابر بن عبد الله، وعائشة، وأم حبيبة، وبُسرة بنت صفوان، وسعد بن أبي وقاص، وابن عباس، وعروة بن الزبير، وسليمان بن يسار، وعطاء بن أبي رباح، وأبان بن عثمان، وجابر بن زيد، والزهري،
[ ٢ / ٢٠ ]
ومصعب بن سعد، ويحيى بن أبي كثير، وسعيد بن المسيب، قال الحازمي في أصّح الروايتين عنه: وهشام بن عروة، والأوزاعي، وأكثر أهل الحديث، وجماعة أهل الشام والمغرب، والشّافعي، وأحمد، وإسحاق، والمشهور من قول مالك، ومجاهد، وعبد الرحمن بن القاسم، وحُميد الطويل، وسليمان التيمي، وأبو العالية، والشعبي.
قال أبو عمر بن عبد البر، عن الثوري، قال: دعاني وابن جريج بعض الأمراء، فسألنا عن مسّ الذكر، فقال ابن جريج: يتوضأ من مسّ الذكر، وقلت أنا: لا وضوء على من مسّ ذكره، فلما اختلفنا قلت لابن جُريج: أرأيت لو أنّ رجلا وضع يده في مني؟ قال: يغسل يده، فأيما أنجس المني أم الذكر؟ قال: المني، قلت: فكيف هذا؟ قال: ما ألقاها على لسانك إلا شيطان.
قال أبو عمر: يقول الثوري: إذا لم يجب الوضوء من مس المني فأجدر أن لا يجب من مس الذكر، وإذا لم يجب من النجس فأحرى ألا يجب من الطاهر، وإنما ساغت المناظرة، وصارت المعارضة عنده في هذه المسألة لاختلاف الآثار فيها عن النبي ﷺ، واختلاف الصحابة - ﵃ -، ومن بعدهم في ذلك، ولو كان فيها أثر لا معارض له ولا مطعن فيه لسلّم الجميع له وقالوا به.
قال أبو بكر بن حازم: ومن ذهب إلى إيجاب الوضوء ادّعى أنّ حديث طلق [على تقدير ثبوته] منسوخ، وناسخه حديث بُسرة وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو؛ لتأخّرهم في الإسلام. وقال بعض من ذهب إلى الرخصة: المصير إلى حديث طلق أولى لأسباب؛ منها: اشتهار طلق بالصحبة،
[ ٢ / ٢١ ]
ومنها: طول صحبته وكثرة روايته، ثم لو سلمنا ثبوت حديث بُسرة، فمن أين لكم ادعاء النسخ في ذلك؛ إذ ليس في حديث بُسرة ما يدل على النسخ؟ بل أولى الطرق أن يجمع بين الحديثين، كما حكاه لوين عن ابن عيينة، فإنه قال: تفسير حديث النبي ﷺ: من مس ذكره فليتوضأ، معناه: أن يغسل يده إذا مسّه، وردّ ذلك ابن حزْم، فقال: هذا باطل، لم يقل أحدٌ: إنّ غسل اليد واجب أو مستحب من مس الفرج، لا المتأولون لهذا التأويل الفاسد ولا غيرهم، ويقال لهم: إن كان كما تقولون فأنتم أول مخالفين للأمر، وأيضا فإنه لا يطلق الوضوء في الشّريعة إّلا لوضوء الصلاة، وقد أنكر - ﵇ - إيقاع هذه اللفظة على غير الوضوء للصلاة، لما أتى من الغائط فأتي بطعام، فقيل: ألا تتوضأ؟ فقال: لم أصل فأتوضأ، وقد جاء مبينا في حديث بُسّرة: فليتوضأ وضوءه للصلاة، وقال ابن حبّان: خبر طلق منسوخ؛ لأن قدومه على النبي ﷺ أول سنة من سني الهجرة، وقد روى أبو هريرة إيجاب الوضُوء من مسّ الذكر، وأبو هريرة أسلم سنة سبْع، فدل ذلك على أن خبر أبي هريرة كان بعد خبر طلق بسبع سنين، ثم قال: ذكر الخبر المصّرح برجوع طلق إلى بلده بعد قدمته تلك.
قال: أنا أبو خليفة، نا مسدد، ثنا ملازم، نا عبد الله، عن قيس، عن أبيه، قال: خرجنا سنة وفد إلى النبي ﷺ خمسة من بني حنيفة، ورجل من بني ضبيعة بن ربيعة، حتى قدمنا على النبي ﷺ فبايعناه وجلسنا معه، وأخبرناه بأن بأرضنا بيعة لنا، واستوهبناه من فضل طهوره، فدعا بماء فتوضأ منه وتمضمض، وصبّ لنا في إداوة، ثم قال: اذهبوا بهذا الماء، فإذا قدمتم بلدكم فاكسروا بيعتكم، ثم انضحوا مكانها من هذا
[ ٢ / ٢٢ ]
الماء، واتخذوا مكانها مسجدا، قلنا: يا رسول الله، البلد بعيد، والماء ينشف، قال: فأمدوه من الماء، فإنّه لا يزيده إلا طيبا، فخرجنا، فتشاححنا على حمل الإداوة، أيّنا يحملها، فجعل النبي ﷺ ذلك نوبا، لكل رجل يوما وليلة، فخرجنا بها، حتى قدمنا بلدنا، فعلمنا الذي أمرنا، وراهب ذلك القوم رجل من طيء فنادينا بالصلاة، فقال الراهب: دعوة حق، ثم ذهب فلم ير بعد.
قال أبو حاتم: في هذا الخبر بيان واضح أن طلقا رجع إلى بلده بعد القدْمة التي ذكرنا، قال: ثم لا يُعلم له رجوع إلى المدينة بعد ذلك، فمن ادعّى رجوعه بعد ذلك فعليه أن يأتي ببينة مصرحة، ولا سبيل له إلى ذلك.
وبنحوه قاله البيهقي والبغوي في شرح السنة، وفيه نظر لما ذكره أبو القاسم الطبراني: نا الحسن بن علي الفسوي، ثنا حماد بن محمد الحنفي، نا أيوب بن عتبة، عن قيس بن طلق، عن أبيه طلق، عن النبي ﷺ، قال: من مس فرجه فليتوضأ.
قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن أيوب بن عتبة إلا حماد بن محمد، وهما عندي صحيحان، يشبه أن يكون سمع الحديث الأوّل من النبي ﷺ قبل هذا، ثم سمع هذا بعد، فوافق حديث بسرة وغيرها، فسمع الناسخ والمنسوخ، انتهى.
وفيه إشعار برجوعه مرة أخرى، فإن الإيجاب وعدمه لا يتأتى في أيام قليلة غالبا، لما قيل عنه، من أنّ مقامه بالمدينة كان قليلا، نص على ذلك الأئمة.
وأيضا فقد قيل: إن بسرة من مسلمة الفتح، وإذا كان كذلك كان حديثها ظاهرا في النسخ، ولا احتياج إلى حديث أبي هريرة لتقدّمها عليه، وممن قال ذلك:
[ ٢ / ٢٣ ]
إسماعيل بن سعيد الفقيه، والاحتياط في ذلك أبلغ، يروى عن النبي ﷺ بإسناد صحيح، أنه: نهى أن يمس الرجل ذكره بيمينه، أفلا ترون أن الذكر لا يشبه سائر الجسد، ولو كان ذلك بمنزلة الإِبهام والأنف والأذن وما هو منّا لكان لا بأس علينا أن نمسّه بأيماننا، فكيف يشبه الذكر بما وصفوا من الإبهام وغير ذلك؟! فلو كان شرعا سواء لكان سبيله في المسّ سبيل ما سمّينا، ولكن هاهنا علّة قد غابت عنا معرفتها، ولعل ذلك أن يكون عقوبة؛ لكي يترك الناس مس الذكر، فيصير من ذلك إلى الاحتياط، انتهى كلامه.
وفي استدلاله بحديث مسّ الذكر باليمين نظر؛ لإغفاله قوله ﷺ: وهو يبول؛ لما فيه من الاستهانة باليمين وخشية الاستنجاء بها، والله أعلم.
وقال أبو محمد بن حزْم: خبر طلق صحيح إلا أنه لا حجة فيه لوجوه؛ أحدها: أنّ هذا الخبر موافق لما كان الناس عليه قبل ورود الأمر بالوضوء من مسّ الفرج، هذا ما لا شك فيه، وهو كذلك، فحكمه منسوخ يقينا، حين أمر - ﵇ - بالوضوء منه، ولا يحل ترك ما يتيقّن أنه ناسخ، والأخذ بما تيقّن أنّه منسوخ.
وثانيهما: أن كلامه - ﵇ -: هل هو إلا بضعة منك؟! دليل على أنه كان قبل الأمر بالوضوء منه؛ لأنه لو كان بعده لم يقل - ﵇ - هذا الكلام؛ بل كان يبيّن على أنّ الأمر بذلك قد نسخ، وقوله هذا يدل على أنه لم يكن سلف فيه حكم أصلا، وأنّه كسائر الأعضاء.
وقال الخطابي: وترك خبر طلق على أنه أراد اللمس، ودونه جائز، واستدلوا على ذلك برواية الثوري وشعبة وابن عيينة: أنّه سأله عن مسّه في الصلاة، والمصلي لا يمس فرجه من غير حائل بينه وبينه، انتهى.
[ ٢ / ٢٤ ]
وفي قوله: والمصلي لا يمس فرجه من غير حائل نظر؛ لما ذكره أبو عمر من حديث أبي الوليد الطيالسي، نا نافع بن عمر الجمحي، عن ابن أبي مليكة، عن عمر بن الخطاب: أنه صلى بالناس فأهوى بيده فأصاب فرجه فأشار إليهم كما أنتم، فخرج فتوضأ ثم رجع إليهم فأعاد.
وفي الإسرار: ومطلق اللمس: اسم للمس بلا حائل، وهذه المسألة وقعت في زمن عبد الملك بن مروان، فشاور الصحابة، فأجمع من بقي من الصحابة أنه لا وضوء فيها، وقالوا: لا ندع كتاب ربنا ولا سنة نبيّنا لقول امرأة، لا ندري أصدقت أم كذبت، يعْنُون بُسرة.
ومعنى قولهم: كتاب ربنا: بين الأحداث في كتابه، وكانت نجسة: من دم حيض ومني وغائط، وشرع الاستنجاء بالماء بقوله: ﴿رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾.
فكانوا يتبعون الحجارة بالماء والاستنجاء بالماء، لا يتصور إلا بمس الفرجين جميعا، فلما ثبت بالنص أنه من التطهير لم يجز أن يجعل حدثا بخبر غريب تعم به البلوى، فسقط على ما هو الأصل في خبر الواحد؛ ولأنه ورد بخلاف القياس، وقد ثبت من مذهب أبي هريرة ما يذكر أنه ليس بحديث، والراوي إذا ذهب إلى خلاف ما روى دل على زيافة الحديث ما عرف في موضعه.
قال أبو محمد بن حزْم: وقول من قال: تعظم به البلوى، ولو كان لما جهله ابن مسعود ولا غيره حماقة قد غاب عن جمهور الصحابة الغسل من الإيلاج الذي لا إنزال معه، وهو مما تكثر به البلوى.
وقد رأى أبو حنيفة الوضوء من الرعاف، وهو مما تكثر به البلوى، ولم يعلم ذلك جمهور العلماء، ورأى الوضوء من ملء الفم من القلس، ولم يره في أقل من
[ ٢ / ٢٥ ]
ذلك، وهذا تعظم به البلوى، ولم يعلم ذلك قبله أحدٌ من ولد آدم - ﵇ - والله أعلم.
وأما الوضوء من مسّ الإبط، فقد جاء في حديث رواه الزهري، عن عبيد الله بن عتبة، عن عمر: أنه أمر رجلا يتوضأ من مسّ الإبط.
قال البيهقي: هذا مرسل، وقد أنكره الزهري بعد ما حدث به، ويمكن أن يكون أمره بغسل اليد تنظفا.
وروى أبو الحسن من حديث ابن عرفة: ثنا خلف بن خليفة، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر: إذا توضأ الرجل ومس إبطه أعاد الوضوء.
قال: وعن ابن عباس: ليس عليه إعادة، وروى البيهقي أن ابن عمر أدخل يده في إبطه وهو في الصلاة ثم مضى.
وأما الوضُوء من مسّ الصنم: فذكر المدائني في سيره، من حديث محمد بن الوليد، عن يعلى بن عبيد، عن صالح بن حيان، عن ابن بُريدْة، عن أبيه: أن النبي ﷺ أمر بريدة - وقد مس صنما - فتوضأ.
وفي مصنف عبد الرزاق، عن سفيان بن عيينة، عن عمار الدهني، عن أبي عمرو
[ ٢ / ٢٦ ]
الشيباني: أن علي بن أبي طالب لما استتاب المستورد العجلي مسّ صليبا كان في عُنقه، فلما دخل في الصلاة قدم رجلا، ثم أخبر الناس أنه لم يفعل ذلك لحدثٍ أحدثه، ولكنّه من مس هذه الأجداث، فأحببت أن أحدث وضوءا.
وفي الأوسط للطبراني: نا محمد بن عبد الله الحضرمي، ثنا محمد بن عبد الله بن نمير، نا معاوية بن هشام، ثنا شيبان أبو معاوية، عن جابر الجعفي، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن ابن مسعود، قال: كنا نتوضأ من الأبرص إذا مسسناه.
لا يروى هذا الحديث عن ابن مسعود إلا بهذا الإسناد، تفرد به ابن نُمير، ولم نكتبه إلا عن الحضرمي، وكتبه عنه عبد الله بن أحمد بن حنبل.
ومن حديث بقية، عن عمرو بن أبي عمرو، عن طاوس، عن ابن عباس، قال ﷺ: الحدث حدثان؛ حدث اللسان وحدث الفرج، وحدث اللسان أشد من حدث الفرج، ومنهما الوضُوءُ.
وقد روي عن ابن عباس موقوفا، وروى داود بن المحبّر القائل فيه ابن المديني: ذهب حديثه عن شعبة، عن قتادة، عن أنس: أن النبي ﷺ قال: يتوضأ من الحدث، وأذى المسلم، وقالت عائشة: يتوضأ أحدكم من الطعام الطّيب، ولا يتوضأ من الكلمة العوراء يقولها لأخيه؟!.
وعن إبراهيم النخعي: إني لأصلّي الظهر والعصر والمغرب بوضُوء واحد إلا أن أحدث، أو أقول منكرا، الوضوء من الحدث وأذى المسلم،
[ ٢ / ٢٧ ]
وعن عبيدة السلماني نحوه.
وفي كتاب الترهيب لأبي محمد عبد الله بن محمد الأصبهاني: ثنا محمد بن سعيد الشافعي، عن محمد بن عامر، عن سعد بن عبد الحميد بن جعفر، ثنا عثمان بن مظفر، عن أبي عبيدة، عن علي بن زيد، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ: من فسر القرآن برأيه وهو على وضوء فليعد وضوءه. وعن ابن مسعود: لأن أتوضأ من الكلمة الخبيثة أحب إليّ من أن أتوضأ من الطعام الطيب.
ذكره ابن حزم، وعلّل الجميع، قال: وقد أوجب الوضوء من قرقرة البطن في الصلاة إبراهيم النخعي، وأوجب الوضوء في الإنعاظ والتذكر والمس على الثوب بشهوة بعض المتأخرين.
وروينا إيجاب الغسل من نتف الإبط عن علي وعبد الله بن عمرو، وعن مجاهد الوضوء من تنقية الأنف، وقد صح عن عروة: الوضوء من مس الأنثيين، وروينا عن علي بن أبي طالب ومجاهد وذر والد عُمر بن ذر إيجاب الوضوء من قص الأظفار وقص الشعر، والله تعالى أعلم.
قال ابن المنذر: وبه قال الحكم وحمّاد، ومن ارتد ثم رجع إلى الإِسلام كان الأوزاعي يقول: يستأنف الوضوء.
[ ٢ / ٢٨ ]